فهرس الكتاب

الصفحة 4957 من 5777

شكر النعم(1)

الإيمان

خصال الإيمان

عبد الله بن أحمد لعريط

القل

المسجد العتيق

1-أهمية موضوع الشكر. 2- وجوب شكر الله تعالى. 3- كيف يكون شكر الله تعالى؟ 4- كيف يتعرف العبد على ربه بالنعم؟

أما بعد: أحبتي في الله، أردت من خلال هذه الخطبة أن أذكر بموضوع ذي أهمية بالغة في حياتنا حيث أمر الله تعالى أن يشتغل العبد به في سائر أحواله ويكون ديدنه في جلّ أوقاته، وهذا الأمر هو شكر النعم. والمتمعن في كلام الباري سبحانه وتعالى يجد أن الشكر عليه مدار التكليف، فالعبد إذا امتثل لأمر ربه واجتنب نهيه فقد شكر لله، لذلك نجد أن إبليس لما توعد ابن آدم بالغواية قال: وَلاَ تَجِدُ أَكثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ، وقال الله تعالى: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ. وهذه الفئة القليلة هي التي أذعنت لله تعالى وخالفت ظنَّ إبليس، قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرْيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20] .

فكل عمل خير يصدر من العبد مع النية الطيبة لله تعالى فهو شكر، وكل شر يصدر من العبد فهو كفر، والناس يتفاوتون في درجة الشكر وفي دركة الكفر.

فواجبنا كمسلمين أن نشكر لله على ما أنعم علينا من نعم وما أولانا به من مِنن لا تعَدّ ولا تحصى، ونحن على يقين أن الله تعالى قد منَّ علينا بهذه المنن لينظر أنشكر أم نكفر، وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] .

والشكر لا يكون إلا بما بيّنه الله ووضّحه رسوله ومصطفاه عليه أفضل وأزكى صلاة الله، فنِعمَ المولى مولانا الذي ينعم ويبيّن سبيل المحافظة على النّعم، فينبغي لنا أن نقابل آلاء الله علينا بالشكر والعرفان، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] . يبين لنا المولى جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أوجدنا في هذه الحياة لتأدية رسالة هي من أنبل الرسالات التي دعا إليها أنبياء الله تعالى، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، هذه العبادة بمفهومها الواسع والتي تشمل كلّ ما يحتاجه الإنسان من علم وعمل لصلاح دينه ودنياه بشرط الموافقة لهدي النبي ، كما قال جل وعلا: الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] ، قال الفضيل عليه رحمة الله في معنى هذه الآية:"أَحْسَنُ عَمَلًا: أن يكون العمل خالصا صوابا"، خالصا لله تعالى ووفق ما شرعه الله لنبيه.

وهذه العبادة الشاملة لا تتم على وجهها الصحيح والمطلوب والمشروع حتى تتوفر نِعَم تتمّ بها، وهذه النعم أودعها الله في هذا الكون الرحب، وأمر الله الإنسان بالبحت عنها والعمل لكسبها.

وقد خلق الله تعالى الإنسان وأودع فيه غرائز تشدّه إلى هذه الحياة، فمن شأن الإنسان الخلود إلى الراحة والترفيه عن النفس، كما زيّن له حب الشهوات من النساء والبنين والخيل المسومة والأنعام والحرث وغيرها من زينة الحياة الدنيا، والمولى جل وعلا طلب من عباده السعي والمشي في مناكب الأرض لجلب الرخاء والهناء واستتباب الأمن والعافية، قال الله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4] .

ثم أمر الله تعالى بانتهاج النهج السليم في طلب الرزق، وذلك بأن يسلك العبد الطريق الحلال الطيب، وكم من آية في القرآن وضحت لنا مسلكَ الأنبياء في طلب الرزق وهم خير أسوة وقدوة في هذا الأمر الجليل، فهل خطر في بالك يوما أن نبيّا أكل في حياته ولو درهما حراما؟!

أولو الأمر الرعاة هم المطالبون أولا بتيسير السبل المشروعة لجلب النعم، وعليهم أن يضيقوا على الناس كل سبيل مؤدي لكسب خبيث، فالربا سبيل لمحاربة الله ورسوله، والرشوة سبيل للبوار، والتطفيف سبب الهلاك والدمار.

الحكم لله، قال الله تعالى: إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: 40] ، فقرن الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين الحكم الراشد وبين العبادة الحقة الخالصة لوجهه تعالى، وذلك تبيانا منه جل وعلا أن العبادة لا تتمّ على الوجه الصحيح حتى يقوم العدل وتقوم المساواة بتوفير ما يمكن توفيره من النعم التي تقوم عليها مصالح العباد الدنيوية والأخروية.

ولا يحيف ولا يطغى الحاكم أو المحكوم ويغلب جانبا عن الآخر بل لا بدّ له من الاستقامة والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط من الحاكم والمحكوم على حدّ سواء، قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: 112] .

فإن وجدت هذه النعم وحققها الرعاة للرعية وظفر بها الناس فيجب عليهم القيام بشكرها حتى تحفظ ولا تزول، فإن زالت لسبب أو لآخر فالناس على قسمين:

قسم تعرّف لله في وقت رخائه فسخّر هذه النعم في مرضاته، فلا يخاف ظلما ولا هضما، فالله وليّه في رخائه وفي ضرائه.

وقسم لم يعرف لله فيها حقا في رخائه، وسخرها في مساخطه، فالشدة عظيمة والنهاية أليمة، وليس له من دون الله من أولياء.

تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، والجزاء من جنس العمل. والرخاء هو سعة العيش وطيبه وهناؤه، ولا يكون العيش هنيئا طيبا إلا بتوفر أسبابه من صحة ومال وأمن وعافية.

روى الإمام أحمد في مسنده عن إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ) )إسناده صحيح.

إن الله عز وجل يريد لعباده الحياة الطيبة، يريد لهم الصحة والعافية، يريد لهم رغد العيش وسعته، ولكن سن سننا لا تتبدل ولا تتغير، ومنها أن حفظ هذه النعم لا يكون إلا بشكره وذكره فيها وتسخيرها في مرضاته، بل جعل لمن اتبع رضوانه فيها الجزاء العظيم، وما دام الجزاء من جنس العمل فمن تعرف إلى الله بهذه النعم في حال رخائه أولاه الله بحفظها عليه وزاده خيرا منها، وهو أن الله يطلع على هذا العبد حين تحل به ضائقة في وقت يكون فيه العبد أحوج ما يكون إلى الفرج.

كيف يتعرف العبد لربه بهذه النعم؟

أولا: نعمة المال، فنعمة المسكن والمركب وغيرها من متطلبات الحياة لا تتوفر إلا بالمال، فالمال قوام هذه الحياة كما قال الباري سبحانه وتعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5] ، ومعنى قِيَامًا: ما يقوم به الشيء، فالأموال جعلها الله تعالى تقوم عليها معايش الناس الدنيوية والدينية، لذلك المولى تبارك وتعالى حثّ على الكسب والتكسب فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15] ، فطلب الله من عباده أن يسيروا في أرجاء هذا الكون الفسيح ويبحثوا ويخرجوا ما أودع الله فيه من نعم، والتسابق اليوم في هذا المجال بلغ أوجه حيث جعل الذين لا يحركون له سكنا ضعفاء متأخرين، والله عز وجل يلوم على الكسل الذي كان يتعوذ منه رسول الله صباح مساء.

وقال جل وعلا: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء: 80] . عَلَّمْنَاهُ: ضرورة العلم، صَنْعَةَ: المهنة والعمل، فمن لوازم شكر النعم تعلم الصناعات والمهن التي لا بد منها لحياة البشر، بل من الواجب إتقانها والتفنن فيها، قال جل وعلا: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ: 10، 11] . قَدِّرْ: ضرورة إتقان العمل بلا زيادة ولا نقصان تخرجه عن جماله وكماله، فالله جميل يحب الجمال في كل شيء مشروع، وهو تعالى بصير بما يصنع عباده رقيب على أعمالهم، فينبغي على العامل أن يستشعر هذه الرقابة من الله تعالى حتى يؤدّي عمله على أكمل وأحسن وجه، فيكون صاحبه صالحا مصلحا.

تحرّي الطيبات، أمر الله تعالى أن يتبع العبد طريق الحلال وينأى عن طرق الحرام، وليس ذلك إلا لمصلحة تعود على العبد ذاته لينال الحفظ من الله، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: (( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172] ) )رواه مسلم. فأمر بأن يسلك العبد مسلك الطيبات ليطيب عيشه وينال بذلك السعادة والهناء التي نالها أنبياء الله.

وقال الباري سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97] ، هو وعد من الله بالحياة الطيبة لكل من اقتفى أثر الصالحين في المجالين الديني والدنيوي.

التفاتة: صلاح المجتمع بصلاح الأسرة التي قوامها رجل وامرأة، وإذا طابت فعال وأقوال الناس وطابت نياتهم طاب ما حولهم، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. والأعظم من ذلك قبول أعمالهم وأقوالهم متعلق باتباعهم طريق الطيبات كما ذكر الله سبحانه وتعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] . فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي يشمل مصالح العباد العاجلة والآجلة وهي العبادة الحقة ودين القيمة، ولا يطيب مقال العبد وفعاله إلا إذا كان كسبه من صالح أعماله.

الإنفاق، لقد منّ الله على عباده بوافر النعم، وأوسع عليهم في الأرزاق والمنن، وفتح لهم من أبواب رزقه ما امتلأت به القرى والمدن، ومن أوسع عطائه أن فرض عليهم زكاة في أموالهم يطهّر بها أموالهم ويزكي بها أنفسهم، وحثهم بعد ذلك على عمل البر والإحسان ومجاهدة النفس والشيطان، ورغبهم في المبادرة والمسارعة في الخيرات بأن فتح أبواب جنة عرضها السماوات والأرض للذين ينفقون في السراء والضراء، قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133، 134] . ثم أوصاهم بالتزام الحكمة في صرف هذا المال، وجعل ذلك من لوازم الشكر والعرفان.

الوسطية والاعتدال، ومن الحكمة التي هي ضالة المؤمن ضرورة التوسط والاعتدال في إنفاق المال، بل إن الله تعالى لما أثنى على صنف من عباده الحكماء الذين هم أقرب الخلق لرحمته ولواسع منِّه وعطائه وصفهم بالاعتدال في حياتهم المادية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] . والإنفاق سواء كان في أمور الدين أو الدنيا فلا بد من الاستقامة والاعتدال فيه دون إفراط ولا تفريط، قال الله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29] ، معنى الآية: لا تبخل بما آتاك الله فتمنع ذوي الحقوق حقوقهم فيلومك سائلوك، ولا تفتح يديك بالعطاء فتخرج كل ما تملك فلا يبق لك شيء ولا لأهلك فتنقطع بك الحياة ولم تجد ما تواصل به مسيرك، فكن بين ذلك قواما عدلا وسطا. والخطاب هنا موجه لصفوة الخلق عليه الصلاة والسلام، ففيه من الشأن ما لهذا النبي والرسول الكريم، وفيه من الفضل ما ينبغي التمسك به والعمل به كفضل سنته في التمسك بها والعمل بمقتضاها.

مجانبة الإسراف، في الحقيقة هو من أعظم الشكر الذي يزيد في النعم ويحفظها للفرد والجميع، وبالمقابل ففي الإسراف والترف والبذخ خراب الديار وفناء الأعمار، ولقد بين الله تعالى أن من أسباب غضبه ـ وفي غضبه زوال النعم وحلول النقم ـ التعدي والطغيان ومجاوزة الحد والإسراف، قال الباري سبحانه وتعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه: 81] ، وقال سبحانه وتعالى محذرا من حياة الترف والبذخ: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: 16] ، مُتْرَفِيهَا أي: منعميها من الأغنياء والرؤساء والأمراء، فطغيانهم في النعم وإسرافهم فيها ساقهم إلى التعدّي والطغيان والفسوق والعصيان.

فالحياة تطيب باتباع هذه التعاليم الربانية، من ضرورة الإنفاق في مجال الدنيا والدين بالعدل والمساواة، دون تقتير ولا تبذير، فاجعل من مالك نصيبا لنفسك ولأهلك ولدينك، وذخرًا لوقت الحاجة حتى لا تضيق عليك الضائقة وربما تكفَّفت الناس أعطوك أم منعوك.

فإذا اتبع العبد هذا السبيل بارك الله له في رزقه وماله وحفظه عليه، فإن أكل أكل طيبا، وإن أنفق أنفق طيبا، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولله المزيد، فإن حل بالعبد فقر وفاقة وربما اشتدّت به الحاجة إلى المال الذي به قوام حياته فالله عز وجل وعده بالفرج، فلا يلبث ويوفّقه إلى مخرج يجد فيه ضالته، والله لا يخلف الميعاد، فما دام العبد عرف ربه عند غناه وسعته وسخّر هذه النعمة في مرضاته وعرف بين الخلق بالجود والكرم والإنفاق فقد قدّم ما عليه بأن تعرّف لربه بهذه النعمة قبل حلول النقمة، فتحقّ سنة الله بالحفظ والولاء وعظيم الجزاء، فيخفف على عبده هذه الشدة، ويسخر له من يعينه عليها، فلا يلبث إلا وتنجلي عنه الشدة، وربما وهب له مثلها أو خيرا منها، وهي ذكرى للعابدين في كتابه المبين، قال الرزاق ذو القوة المتين: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] .

هذه في الدنيا، أما في الآخرة فالعبد يسير تحت ظل صدقته من قبره إلى نشره وحشره، وكلما تكفأ به الصراط ثبّته ماله حتى يعبر هذه المحنة التي مقدارها ألف سنة.

والله جل وعلا قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا ممن عرفوه في رخائهم بأموالهم، فتاجروا بها مع الله بصالح أعمالهم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت