الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
عبد الحليم توميات
رايس حميدو
عمر بن الخطاب
1-النفخ في الصور. 2- يفنى الإنسان بعد موته إلا عجب الذنب. 3- الحشر وكرباته.
أما بعد: عباد الله ، فإننا لا نزال نحدثكم عن قيام الساعة وأهوالها، عن صورها وأحوالها، لأنها أكبر شاغل لعباد الله الصالحين، وأعظم هم للعاملين العارفين. كيف لا؟! وسيد الأولين والآخرين يقول: (( كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمَر أن ينفخ فينفخ ) ). كيف لا نكثر عنه الحديث وخير ولد آدم يقول: (( إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ) ).
وقفنا معكم عند النفخة الأولى، وإهلاك الله عز وجل لجميع من في الأرض والسموات، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، ينادي: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين المتكبرون؟ فلا تسمع لأحد منهم همسة.
وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَن فِى ?لأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ?للَّهُ [الزمر:68] ، ثم ماذا؟
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى? فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر:68] ، يَوْمَ تَرْجُفُ ?لرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ?لرَّادِفَةُ [النازعات:6، 7] ، وبين النفختين أربعون سنة، النفخة الثانية ليوم الجمع، ليوم الحشر، ليوم الحساب فيا حسرة على من غفل عن هذا اليوم، ويا لندم من نسي هول المطلع، ويا لفجاعة من لم يتذكر الساعة.
أيها العبد الضعيف، أيها العبد المظلوم، يا من سُن له الصبر على هول ما رأى من مصائب الدنيا وبلائها، يا من صبر على أذى الظالمين وسخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين، جاء اليوم الذي كنت تصبر لأجله.
وأنت أيها المغرور بأحوال أهل الكفر والفجور، يا من رأى الكفار يتنعمون مع كفرهم، يفرحون مع فسقهم، يتلذذون مع فجورهم، لا يغرنك ذلك، ولا تحسبن الله غافلًا عنهم، كل ما فعلوه من لدن آدم إلى اليوم سيحاسبون عليه حسابًا مفصلًا، ما بينهم وبين الحساب إلا نفخة في الصور، وَ?سْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ?لْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [ق:41] ، يَوْمَ يَدْعُو ?لدَّاعِ إِلَى? شَىْء نُّكُرٍ ، يدعونهم فَإِذَا هُم مّنَ ?لأجْدَاثِ إِلَى? رَبّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51] .
قد فني كل شيء في الإنسان إلا عجب الذنب، وهو عظم صغير في صلب الإنسان، فهذا لا يبلى ولا يفنى، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (( إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يركب يوم القيامة ) )، قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: (( عجب الذنب ) )، وروى مالك مرفوعًا: (( كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب ) ).
هناك يأمر الله السماء فتمطر مطرًا ينبت منه العباد كما ينبت البقل، فلا يبقى أحد إلا بعثه الله تعالى، وفي القرآن إشارات لطيفة إلى ذلك قال تعالى: وَهُوَ ?لَّذِى يُرْسِلُ ?لرّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَـ?هُ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ?لْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ ?لثَّمَر?تِ كَذ?لِكَ نُخْرِجُ ?لْموْتَى? لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف:57] ، وفي آية أخرى قال سبحانه: كَذَلِكَ ?لنُّشُورُ [فاطر:9] .
يخرج الناس ليوم الجمع، ذ?لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ?لنَّاسُ وَذ?لِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ [هود:103] ، وأول من يبعث مِن خلق الله وأول من تنشق عنه الأرض هو محمد بن عبد الله سيد ولد آدم ، فقد روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع ) ).
ثم تنشق الأرض عن الأولين والآخرين قال تعالى: قُلْ إِنَّ ?لأَوَّلِينَ وَ?لآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى? مِيقَـ?تِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [المعارج:49، 50] ، وقال عز وجل: أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ?للَّهُ جَمِيعًا إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ [البقرة:148] ، وقال تعالى: إِن كُلُّ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ إِلاَّ اتِى ?لرَّحْمَـ?نِ عَبْدًا لَّقَدْ أَحْصَـ?هُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَرْدًا [مريم:93-95] ، وقال: وَحَشَرْنَـ?هُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:48] .
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويدفع نقمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله لا نبي بعده.
أما بعد: يحشر الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حفاة عراة غُرلًا، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء:104] ، قالت عائشة رضي الله عنها عندما سمعت هذا: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: (( يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ) )لِكُلّ ?مْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] .
ثم يكسى الأنبياء، أولهم إبراهيم، ثم الصالحون، فيقف العباد جميعهم يوم القيامة في أرض أخرى غير هذه الأرض قال: (( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي ) ).
أما الكفار، فيا ويلهم ويا حسرتهم في ذلك اليوم، يذهبون إلى المحشر خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، لا يلتفتون يمنة ولا يسرة يقولون: ي?وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا [يس:52] ، فإنهم ـ والله ـ ما كانوا في مرقد، ولكنهم ينسون ما لاقوه من العذاب إذا رأوا أهوال ذلك اليوم.
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ?لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ ?لأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ?للَّهَ حَدِيثًا [النساء:42] ، وَيَقُولُ ?لْكَافِرُ يَـ?لَيْتَنِى كُنتُ تُر?بًا [النبا:40] ، فلا يجد إلا أن يعض على يديه ندمًا، وَيَوْمَ يَعَضُّ ?لظَّـ?لِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ ي?لَيْتَنِى ?تَّخَذْتُ مَعَ ?لرَّسُولِ سَبِيلًا ي?وَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ?لذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ ?لشَّيْطَـ?نُ لِلإِنْسَـ?نِ خَذُولًا [الفرقان:27-29] .
فيشتد الكرب، ويعظم الخطب، ويطول الوقوف، يوم مقداره خمسون ألف سنة، فتدنو الشمس من رؤوس الخلائق حتى لا يكون بينها وبينهم إلا مقدار ميل واحد، فقد روى مسلم عن المقداد بن الأسود مرفوعًا: (( تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل ) ).
قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟
قال: (( فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا ) )، وأشار بيده إلى فمه.
عباد الله، ما السبيل إلى النجاة من هذا الهول؟ ما السبيل إلى النجاة من هذا الموقف؟
والله لو كتب الله علينا الفناء حينئذ لذاب الناس كما تذوب الشمعة في وهج النار، لا ينفع يومئذ إلا التقوى:
إذا المرء لم يلبس لباسًا من التقى تجرد عريانًا ولو كان كاسيًا
وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيًا
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حيًا وباقيًا
ولكن الدنيا تفنى ويفنى نعيمها فلا تبقى إلا الذنوب والمعاصيا
نسأل الله عز وجل الكريم البر الرحيم العفو والعافية في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.