الإيمان
الجن والشياطين
عبد الله بن فهد السلوم
بريدة
جامع الجردان
أما بعد:
عباد الله فاتقوا الله حق تقاته واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد أيها المسلمون غدًا يهرع الأولاد مبكرين خائفين لأداء الإختبارات مستعدين ومعتنين بهذه المهمة الكبيرة التي لأجلها بذلوا السهر والعناء والكد والتردد على المدرسة طوال العام الدراسي وبذل الأهل لأبنائهم كل ما يستطيعون لإعداد الولد والحرص عليه وهيؤه للإختبارات لتحقيق النجاح وهذا عمل طيب وجهود مشكورة إن شاء الله إذا صلحت النية وصارت العناية بالأولاد ليست خاصة في أمر الدراسة فحسب بل استشعر الأبوان تربية أبنائهم تربية صالحة على الأخلاق الحسنة والمحافظة على حقوق الله ورسوله والبعد عن سيئ الأعمال والأقوال وجلساء السوء لأن الله عز وجل سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع وقال النبي: (( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) )خ، أيها الإخوة وأمام الجموع المحتشدة غدًا التي ستكرم عند الإمتحان أو تهان لنا وقفة اعتبار وادكار ولنا موقف محاسبة مع النفس عن اليوم العظيم يوم القيامة الشديد وأهواله وشدائده وكرباته الذي أكثر الله من ذكره ونوع من أسمائه لعظيم شأنه وطول وقوفه الذي فيه سيصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ثم يصير الناس بعده إما إلى الجنة أو إلى النار يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفود ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا، يوم الوقوف بين يدي الله وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه قال النبي: (( من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقر إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت ) )وإنشقاق السماء هو إنفطارها وتناثر نجومها وتكور الشمس أن تجمع ثم يمحى ضوؤها ثم يرمى بها وإذا الجبال سيرت أي حولت من الحجارة لتكون كثيبًا مهيلًا كالعهن وتكون سرابًا وإذا العشار عطلت الإبل الحوامل يعطلها أهلها فلا يحلبونها لأنهم إذا قاموا من قبورهم رأوا الوحوش والدواب محشورة لم يهتموا بها لأنهم مشغولون بأنفسهم وإذا البحار سجرت أي أوقدت وصارت نارًا وإذا النفوس زوجت أي تلحق كل شيعة بشيعتها وأتباعها فيتبع اليهود باليهود والنصارى بالنصارى والمجوس بالمجوس وكل من يعبد من دون الله شيئًا يلحق ببعضهم البعض والمنافقون بالمنافقين والمؤمنون بالمؤمنين، ويقرن الغاوي بمن أغواه ويقرن المؤمنون بالحور العين والكافرون بالشياطين وإذا الصحف نشرت للحساب وإذا الجحيم سعرت أي أوقدت وإذا الجنة أزلفت أي قربت لأهلها ودنت إليهم.
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاد جسور
وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير
يوم القيامة يوم الصاخة والقارعة والطامة يوم الزلزلة والآزفة والحاقة يوم يخرجون من الأجداث سراعًا يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم الكرب والأهوال يوم الشدائد والأعمال يوم يقول كل واحد: نفسي نفسي قال المحاسبي رحمه الله: حتى إذ تكاملت عودة الموتى وخلت الأرض والسماء من سكانها لم يفجأ روحك إلا نداء المنادي لكل الخلائق للعرض على الله بعظمته وجلاله فتسمع بانفراج الأرض على رأسك فوثبت مغبرًا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك شاخصًا ببصرك إلى النداء وجميع الخلائق معك مغبرون من غبار الأرض فتصور نفسك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك في زحمة الخلائق عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة وقد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمتهم الذلة والصغار ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال منكسة رؤسها لذل يوم القيامة وأقبلت السباع بعد ضراوتها منكسة رؤسها ذليلة يوم القيامة وأقبلت الشياطين بعد تمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه الذي جمعهم بعد طول البلاء واختلاف الطبائع فإذا استووا جميعًا في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر وأظلمت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها ثم انشقت السماء وبغلظها البالغ خمسمائة عام ثم تمزقت وانفطرت والملائكة قيام على أرجائها حافون بها ثم كسيت الشمس بحر عشر سنين وأدنيت من رؤوس الخلائق على مقدار ميل ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين ثم ازدحمت الأمم وتدافعت وتضايقت فاختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش ففاض العرق منهم سائلًا على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله بالسعادة والشقاوة فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه ومنهم إلى حقويه ومنهم إلى شحمة أذنيه ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا قال الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش واحترقت أجوافهم من الجوع صرفوا إلى النار فسقوا من عين آنية قد اشتد حرها واشتد لفحها فلما بلغ المجهود منهم ما لاطاقة لهم به كلم بعضهم بعضًا في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو النار من وقوفهم ففزعوا إلى آدم ونوح ثم إلى ابراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وكلهم يقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وكلهم يقول: نفسي نفسي حتى إذا يئس الخلائق من شفاعتهم أتوا إلى النبي محمد فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها ثم قام إلى ربه عز وجل واستأذن عليه فأذن له ثم خر لربه ساجدًا ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله حتى أجابه ربه عز وجل إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم لفصل القضاء بينهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وجاء ربك والملك صفًا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ، يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.
الحمد لله العفو الكريم الرحمن الرحيم مالك يوم الدين جعل الحياة الدنيا دارًا للإبتلاء والإختبار ودارًا للعمل والاتعاظ والإنتفاع بشرعه وجعل الآخرة دارين دارًا لأهل كرامته وقربه دار المكرمين الأتقياء الأبرار ودارًا لأهل غضبه وسخطه دار الجحيم للكفار والفجار الذين تكبروا وفجروا وأغرتهم شهواتهم وقرناؤهم فقادوهم إلى النار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أيها الإخوة سمعنا شيئًا عن خبر اليوم العظيم يوم المعاد يوم يجمع الله الرسل والخلائق ليقضي الله سبحانه بينهم بالحق والعدل يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، وإليكم أيها الإخوة شيئًا من الأعمال الصالحة التي تكون سببًا في النجاة من أهوال ذلك اليوم العظيم وسببًا في الفوز برضوان الله وجنته والنجاة من غضبه وناره فمن ذلك تفريج الكرب عن المكروبين قال النبي: (( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) )م، ومن الأعمال بر الوالدين قال النبي في حديث الرؤيا: (( إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي جاء ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد عنه ) )ومنها ذكر الله (( ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين وأحاطوا به فجاءه ذكر الله مخلصه من بينهم ) )ومنها الصلاة (( رأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ) )ومنها الاغتسال من الجنابة (( رأيت رجلًا والنبيون قعود حلقًا حلقا كلما دنا من حلقة طردوه فجاء اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده بجنبي ) )ومنها صلة الرحم (( ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه فكلموه ) )ومن الأعمال الصدقة (( ورأيت رجلًا من أمتي يتقي شرر النار ووهجها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترًا على وجهه وظلًا على رأسه ) )ومنها حسن الخلق (( ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله الله ) )ومنها الخوف من الله (( ورأيت رجلًا من أمتي قد هوت صحيفة من قبل شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه ) )ومنها موت الأطفال (( ورأيت رجلًا من أمتي قد خف ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه ) )ومنها البكاء من خشية الله (( ورأيت رجلًا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار ) )ومنها حسن الظن بالله (( ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعده ومضى ) )ومنها الصلاة على النبي (( ورأيت رجلًا من أمتي على الصراط يزحف أحيانًا ويحبو أحيانًا فجاءته صلاته علي فأخذت بيده ومضى على الصراط ) )ومنها شهادة أن لا إله إلا الله (( ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته ) )ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (( ورأيت رجلًا من أمتي قد أخذته الزبانية(ملائكة العذاب) من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله مع ملائكة الرحمة ))ومنها التجاوز عن المعسر وإنظاره قال النبي: (( حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال الله عز وجل: أنا أحق بذلك منه تجاوزوا عن عبدي ) )رواه مسلم ومن الأعمال عمل السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله وهم (( الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) )م، ومن الأعمال إشباع الجائع وكسوة العريان وإيواء المسافر قال رسول الله: (( من أشبع جائعًا وكسا عريانًا وآوى مسافرًا أعاذه الله من أهوال يوم القيامة ) )أيها الإخوة وبالجملة فكل عمل صالح شرعه الله ورسوله يفعله المسلم صادقًا مخلصًا يبتغي به وجه الله لا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا مالًا ولا جاهًا ولا منزلة عند الناس فإن هذا العمل هو سبب يرجو به العبد النجاة من النار وأهوال يوم القيامة ويرجوا رحمة ربه وجنته قال تعالى: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا وقال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا خالدين فيها لا يبغون عنها حولًا أيها الإخوة فالبدار البدار قبل الممات والحساب الحساب قبل يوم الحساب والزرع الزرع قبل يوم الحصاد يوم تجزى كل نفس ما كسبت واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله.