قضايا في الاعتقاد
الاتباع
مازن التويجري
الرياض
جامع حي النزهة
1-فضل التمسك بالكتاب والسنة. 2- التحذير من الإعراض عن الكتاب والسنة وخطورة ذلك. 3- الواجب تجاه الكتاب والسنة.
سبيل النجاة وطوق السلامة وطريقُ الفلاح ومهيَع النجاح هو النور كتاب الله تعالى؛ إذ لا نور ولا ضياء من غيره، بل ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ظلمات جهل وشرك وضلال، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] . الهدى والرشاد في سبيله، والتوفيق والسداد في طريقه. هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، من أخذ به أُجِر، من عمل به هُدي إلى صراط مستقيم، اتباعه دليل حب الله، والاسترشاد بهديه علامة التوفيق، والانتفاع بما يحويه أمارة القرب والزلفى. الدين ما فيه، والشرع ما أودعه الله فيه، لا نجاة ولا زكاة ولا فلاح للعبد إلا بالتمسك به، ولا عز ولا نصر ولا سناء ولا رفعة للأمة إلا إذا نهلت من معينه وغرفت من صافي مائه، محفوظ بحفظ الله له، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] . لا نقص يعتريه، ولا زلل يتطرق إليه.
ما الأمة قبله إلا كقطعان غنم لا راعي لها، ينهش الذئب منها ويأكل، لا مأوى لها ولا مرقد، أو كقافلة قائدها أعمى وروادها صٌم بكم، متى سيصلون؟ وأين يتجهون؟ ما الأمة قبله إلا ركام من العادات والتقاليد عاثت فيها لغة القويّ يأكل الضعيف، والغني يقضي على الفقير، حتى جاء ليرفعها من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى.
إنه حبل الله، نعمته، فضله، منته، إنه وحي السماء في كتاب الله وسنة رسوله ومصطفاه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15، 16] .
في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) )، وفي البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاءت ملائكة إلى النبي وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرّق بين الناس.
إي والله، لا صلاح لهذه الأمة ولا نجاة إلا بالأخذ بالهدى والارتباط بحبل السماء والنهل من نور الوحيين وتحكيمهما في شؤون الحياة، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، في البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي قال: (( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ).
نعم، لم يزل كتاب الله وسنة رسوله فينا نذيرًا بين يدي الناس، من اتبع سبيلهما كانت له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن حرم السبيل والنهج القويم وأعرض عن الاتباع وقدّم قول فلان وفلان عليهما كانت عليه الوبال والخسارة في الدنيا والآخرة، فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون [الزخرف:43، 44] .
عجبًا لنا ولبني قومنا! كيف استبدلوا الذي أدنى بالذي هو خير؟! كيف عافوا النقاء والصفاء في وحي السماء، وراحوا يلهثون وراء غرب أو شرق، يثنون ويعجبون، ثم يأمرون ويدعون إلى هجر الشرع والدين والابتعاد عن النور والهدى؟!
روى أحمد في مسنده وحسّنه الألباني عن جابر بن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النّبيّ فغضب فقال: (( أمتهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟! والّذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً، لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبروكم بحقٍّ فتكذّبوا به أو بباطلٍ فتصدّقوا به. والّذي نفسي بيده، لو أنّ موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني ) ).
هذا في أمر كتاب أصابه عمر من أهل الكتاب، قد لا يقدمه على شريعة محمد ، وقد يكون لم يتطرق إليه التحريف بعد، ومع هذا يغلق النبي كل باب يمكن أن يفضي إلى التهلكة والبعد عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده، ليشتدّ توبيخه للفاروق؛ أمتحيرون أم أنتم غير مبالين؟! ثم يكون البيان العظيم: (( والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا لما وسعه إلا أن يتبعني ) )، وصدق الله سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ [المائدة:48] ، والمهيمن هو الرقيب والشاهد عن ما سبقه.
ها هو عليه الصلاة والسلام يقطع الشك باليقين، ويبين الحق فلا مرية فيه ولا التباس أو اختلاط؛ ليعلم أن الحق هو ما جاء به محمد عن ربه الذي تكفل بحفظه، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] .
أخرج الإمام أحمد في مسنده والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله خطًا ثم قال: (( هذا سبيل الله ) )، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: (( هذه سبل ـ قال يزيد: متفرقة ـ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ) )، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] .
والمقصود ـ أيها الأفاضل ـ أن خير الأمة الذي به عزّها وشرفها لا يكون إلا بالتمسك بالكتاب والسنة وأخذ الإسلام بقوة، وقد كان الفصل في هذا شرع الله في وحي السنة كما روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: (( كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلا من أبى ) )، قالوا: يا رسول اللّه، ومن يأبى؟! قال: (( من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى ) ).
إذا عُلم الداء وتبين الخلل فما الواجب على الأمة تجاه أمرِ لا صلاح لها إلا به، ولا نجاة ولا فلاح؟
أولًا: البيت والأسرة هما المحضن الأول للأجيال القادمة، ولزامًا أن تقوم الأسرة بدورها الريادي في تربية الأولاد على حب الكتاب والسنة وتعظيم الوحي، تربيتهم على حب الله ورسوله ، توثيق صلتهم بإسلامهم، تغرس قيمه ومبادئه في نفوسهم.
من البيت يتخرج الشاب والفتاه، لا يقدم قول أحد كائنًا من كان على كلام الوحي وشرعة الله، الأمة في وقتها الراهن بأمس الحاجة إلى بيوتات تنشئ الأفراد على أن الحق كلّ يدعيه وكل يتعلق به، ولكن لا حقّ إلا مع القرآن والسنة، فما تسمع آذانهم وما ترى أعينهم وما يقرؤون بألسنتهم لا بد وأن يعرضوه على ما جاء في الوحي، فإن وافقه فحيّ هلا، وإن كانت الأخرى فلا حيَّ ولا هلا ولا كرامة، يفهمون هذا، بعيدًا عن التعاطف مع فلان وفلان أو التخوف لهذا أو ذاك، ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا [الجاثية:18، 19] . يسعى الوالدان لغرس الإيمان في نفوس الأبناء والبنات منذ نعومة أظفارهم، في ترسيخ القيم، وتعميق المفاهيم، عبر مناشط متعددة، وبأساليب متنوعة.
ثانيًا: المدرسة هي المحضن الثاني لأبناء الأمة، فالدور المنوط بها عظيم، والأمل كبير في أن يكون هاجس تعبيد الخلق لخالقهم هو الذي يشغل فكر المعلمين والمعلمات على اختلاف تخصصاتهم، تربي الأجيال بين ردهات المدارس على أخذ الحق من معينه الصافي وينبوعه النقي. وتتكامل عملية التربية بين أهل الإسلام في مدارسنا حينما يشغل همّ تربية الأبناء على الكتاب والسنة هيكل التعليم كله من رئيسه إلى أصغر عضو فيه.
ما أجمل أن يسمع الطالب الآية والحديث من معلم الرياضيات أو اللغة الإنجليزية، وما أروع أن يسمع الحادثة من السيرة من معلم الفيزياء أو الكيمياء. لم لا يسعى أحدنا ـ معاشر المعلمين ـ أن يربط أبناءه الطلاب بخالقهم سبحانه وتعالى؟! فمعلم العلوم والجغرافيا يرسخ الإيمان ويعمق اليقين بالخالق تعالى وتقدس من خلال مخلوقاته وآياته، بل حتى معلم الرسم والرياضة يقف مع أبنائه وقفات مع نعم الله وبركاته على الإنسان مما أعطاه من قوة وحواس وأطراف، وأن من أولى أنواع شكرها أن يستخدمها العبد في طاعة الله.
المهم أن تغدو المدرسة خلية لا تهدأ في عمل دؤوب لتعميق جذور الإيمان في القلوب، ويكون هذا هو الهم والهدف، يتذاكره الجميع ويقدمونه على ما سواه، ومن ثم يسعى المجتمع بأسره وخاصة أرباب التعليم إلى ردّ قالة السوء التي تتّهم مناهج التوحيد والسنة بافتراءات لا أصل لها، بل مصدرها الهوى والشيطان.
ثالثًا: الإعلام عليه واجب عظيم ومسؤولية كبيرة نحو تبصير الناس وبيان الحق لهم وردهم إلى منهج القرآن والسنة، إن على أصحاب القلم وأرباب الإعلام أن يتقوا الله في هذه الأمانة ولا يخونوا الله فيها، ماذا يريد أولئك الذين يتندرون من الدين ويسخرون به؟! أين عقولهم؟! ماذا يريد أولئك الذين يملؤون الأعمدة والزوايا بأحبارٍ ما خافت الله ولا صدقت في النصح لدينه، وهي تسعى جهدها لتبث للناس زعمها بأن مناهجنا تفرخ الإرهاب وتربي على العنف، أين هذا أو ذاك من أفلام الكرتون المتحركة وألعاب الحاسب التي تربي صوتًا وصورة على العنف والتعدي؟! كيف يجرّأ أولئك أن يصِموا دينهم وعقيدتهم بأنها تربي على الإرهاب والعنف؟! أين عقول القوم؟! هل زاغت الأبصار أم غابت أفهام القوم؟! كيف ينالون من دينهم وشرعة ربهم؟! أين تلك البرامج التي يقدمها الإعلام بجميع وسائله لربط الناس بخالقهم ودعوتهم للتمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم ؟!
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
لم ترد