فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 5777

الشرك الأصغر(الرياء)

التوحيد

الشرك ووسائله

محمد بو سنه

عين النعجة

مبارك الميلي

1 -درجات الرياء

2 -مراتب المرابين

3 -طرق علاج الرياء

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي قال: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) ). اعلم يا عبد الله أصلحك الله: أن العمل الذي لا يقصد فاعله وجه الله أقسام: فتارة يكون رياءً خالصًا كحال المنافقين كما قال عنهم جل وعلا: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا وهذا الرياء المحص هو أخطر وأغلظ أقسام الرياء لأنه يقدح في أصل الإيمان وهو لايكاد يصدر من مؤمن في غرض الصلاة والصيام، وقد يكون كثيرًا في الصدقة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز. ولا يشك مسلم في أن هذا القسم من الرياء محبط للعمل، وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة من الله، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، هذا القسم دون الأول بكثير، كمن يحضر الجمعة أو الصلاة ولو لا خوف مذمة الناس له ما حضرها أو يصل رحمه أو يحسن الى والديه لا عن رغبة وحب، ولكن خوفًا من كلام الناس، أو يزكي أو يحج فيكون خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله، وهذا غاية الجهل، وما أجدر صاحبه بالمقت.

وقسم يرائي بالنوافل يكسل عنها إذا كان خاليًا ثم يبعثه الرياء على فعلها كحضور الجماعة وعيادة المريض واتباع الجنائز وصوم عرفة وعاشوراء طلبًا للمدح والثناء، ويعلم الله تعالى أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض، وهذا القسم عظيم الخطورة كالذي قبله فقد روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبدالله قال: قال النبي: (( من سمع سمّع الله به، ومن يرائي الله يرائي به ) )أي من أظهر عمله الصالح للناس من أجل أن تعظم مكانته عندهم أظهر الله سريرته وفضحه على رؤوس الخلائق يوم القيامة.

وعند أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من تعلم علمًا يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا - أي متاعًا وحطامًا من الدنيا - لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) )أي لم يجد ريحها، ليعلم أيضًا أن الله رائٍ مقصوده لا محالة. وإنما يرائي المرء حين يرائي ليدرك مالًا أو منزلة أو غرضًا من أغراض الدنيا وله درجات:

أشدها خطرًا أن يكون مقصوده من إظهار العبادة التوصل إلى معصية الله، كالذي يظهر للناس التقوى والصلاح، لكن غرضه أن يعرف بالأمانة فيتولى منصباُ أو يسلم إليه ثفرقة المال فيأخذ منه ماقدر عليه أو تترك عنده الودائع فيأخذها أو يتوصل إلى التحبب بإمرأة لفجور ونحوه فهؤلاء أبغض المرائين الى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلمًا إلى معصيته.

وأما الدرجة الثانية أن يكون غرض المرائي نيل حظ من حظوظ الدنيا من مال أو تزوج بإمرأة شريفة، كالذي يظهر العلم والعبادة ليرغب الناس في تزويجه أو إعطائه فهذا رياء ممقوت صاحبه، لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا.

وأما الدرجة الثالثة: أن لايقصد نيل حظ وإدراك مال، ولكن يظهر عبادته خوفًا من أن ينظر إليه الناس بعين النقص فلا يعدونه من الزهاد والعباد كالذي يكثر من الضحك والمزاح فإذا رأى الناس أظهر الحزن وأكثر الإستغفار، ولربما قال: ما أعظم غفلة بني آدم عن نفسه ويكثر هذا النوع في التطوع في الصيام فإنه قد يعطش يوم عرفة أو عاشوراء فلايشرب خوفًا من أن يعلم الناس أنه غير صائم أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم، وقد لايصرح بقوله إني صائم ولكن يقول: لي عذر فإنه يري أنه صائم، ثم يري أنه مخلص، وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيًا، فيريد بذلك أن يقال عنه إنه ساتر لعبادته مخلص فيها، فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء.

أما المخلص فإنه لايبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم، وقد علم الله ذلك منه فلايريد أن يلبس شيئًا على الخلق مما فيه خلاف علم الله وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه غيره، وقد يلبس الشيطان على المخلص في أن يعمل عملًا صالحًا يظهره ليقتدي غيره به فيحرك فيه رغبة الناس فيه فليحذر الإنسان من مكايد الشيطان وغروره، فهذه درجات الرياء ومراتب المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه ومن أشد المهلكات عافاني الله وإياكم من الرياء وجعلني وإياكم من المخلصين آمين والحمد الله رب العالمين.

اعلم أخي المسلم يامن تريد إخلاص عملك لله وقبوله عنده أن من أسباب الرياء تعظيم الناس ونقصان تعظيم الله في النفس، فمن أحسن أنواع العلاج لهذا الداء القاتل معرفتك لأنواع التوحيد معرفة كاملة.

أورد طرفًا يسيرًا منها عسى أن تكون ذكرى وعبرة لك. إن الله تعالى وحده هو الذي ينفع ويضر من شاء، فأطرح عن نفسك الإعتقاد الفاسد بأن الناس ينفعونك ويضرونك متى شاؤوا ومتى أرادوا، وإنما يدخل الشيطان عليك ليجعلك تزين العبادة أمام الناس لظنك أنهم قادرون على النفع والضر فانظر ماذا يقول رسول الله لابن عباس: (( ياغلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، اذا سألت فأسأل الله، وإذا أستعنت فأستعن بالله، واعلم أن الأمة لو إجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو إجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).

واعلم أيضًا أن مما يعينك على الإخلاص والتخلص من الرياء أن الله تعالى سميع بصير يراك ويسمعك ويعلم ماتخفي وما تعلن: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وقال جل وعلا: ألم يعلم بأن الله يرى وقال سبحانه: ألا يعلم من خلق ، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ، والآيات في عظمة الله عز وجل وإطلاعه وسعة علمه ومراقبته لخلقه كثيرة، وأنه سبحانه لايغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، فما لي أراك تراقب الناس ولا تراقب الله، وهو سبحانه مطلع عليك ألا يكفيك إطلاعه عليك وهو يقول: أليس الله بكاف عبده إذا علمت هذا القدر من الله فليعظمه قلبك وفؤادك وعندئذ تخلص له أعمالك بلا شك.

واعلم أيضًا أن من أسباب الرياء والشرك عدم خشية القلب من عذاب القبر والنار وأهوال ما بعد الموت، فإنه كلما إزدادت معرفتك بذلك إزداد خوفك من ربك فأخلصت له عملك ومن أسباب الرياء والشرك أن تشعر باللذة والتنعم عندما يمدحك الناس، ولكنك إذا علمت قيمة هذا المدح والثناء مع ما أعده الله تعالى للمتقين في الجنة أدركت أنه لابد من صرف الأعمال كلها لله وحده، وأنك لاتبالي أرضي الناس عنك أم سخطوا، ومما يعينك أخي المسلم على الإخلاص والتخلص من الرياء تذكر الموت وقصر الأمل قال الله تعالى: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وعن ابن عمر قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )وكان إبن عمر يقول: اذا أمسيت فلا تنتظر الصباح واذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.

معرفتك أخي المسلم بقيمة الدنيا وعدم بقائها خير معين لك على الإخلاص والبعد عن الرياء، وحسبك في ذلك قول ربك: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا ، مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها كمثل هذا الهشيم الذي نثرته الرياح يسير وسهولة فاتقوا الله عباد الله وراقبوا أنفسكم وأعمالكم، وتفقدوا نواياكم، اجتهدوا في إخلاصها لله تعالى فما جاهد أحدكم شيئًا أشد عليه من نيته نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المخلصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت