فهرس الكتاب

الصفحة 2155 من 5777

وقفة تفكر مع بعض النعم

التوحيد, موضوعات عامة

الربوبية, مخلوقات الله

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1-دعوة القرآن للتفكر في مخلوقات الله. 2- بعض عجيب صنع الله في الإنسان وخلقته. 3- ثمة مخلوقات في الكون أعظم خلقه من الإنسان. 4- التفكر يقودنا إلى الإيمان والخشوع والذلة لله.

أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين، تقدم لنا حديث عن التفكر في عظمة الله تعالى، وعظمة صنعه فيما أو دعه في هذا الكون الفسيح من إنسان وحيوان، وسماء وأرض، وسهل ووعر، وبر وبحر، وخصب وجدب، وأن ذلك طريق صحيحة سابلة إلى خشية الله، وأن معرفة ذلك طريق إلى العلم بالله، فإذا تأملنا جميعًا تلك الأمور التي دعا الله عباده إلى التفكر فيها أوقعنا ذلك على العلم بالله وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبره، ولطفه وعدله، وثوابه وعقابه؛ فبهذا تعَّرف ربنا إلى عباده، وندبهم إلى التفكر في آياته القريبة والبعيدة، الظاهرة والباطنة.

معاشر المسلمين ، ولقد دعا ربنا في كتابه وندب إلى التأمل في آية صغيرة من مخلوقاته، ليست هي بأعظمها، لكنها كافية في الدلالة عليه سبحانه، وفي المخلوقات ما هو أعظم منها، لكن هذه الآية قريبة من كل فرد منا، لو تفكر فيها، لم تخطئه العبرة، ولأدرك منها عظمة الله التي قد غفل عنها، ألا إن هذه الآية هي خلق الإنسان، فقد ندب سبحانه إلى تفكرِ الإنسانِ في خلقه، في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: فَلْيَنظُرِ ?لإِنسَـ?نُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5] ، وقوله تعالى: وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] ، وقال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ?لْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـ?كُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ?لاْرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى? وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ?لْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج:5] ، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ ?لإِنسَـ?نُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَى? ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى? فَجَعَلَ مِنْهُ ?لزَّوْجَيْنِ ?لذَّكَرَ وَ?لأُنثَى? أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـ?دِرٍ عَلَى? أَن يُحْيِىَ ?لْمَوْتَى? [القيامة:36-40] ، وقال تعالى: أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـ?هُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى? قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ?لْقَـ?دِرُونَ [المرسلات:20-23] ، وقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنْسَـ?نَ مِن سُلَـ?لَةٍ مّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَـ?هُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ?لنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ?لْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ?لْمُضْغَةَ عِظَـ?مًا فَكَسَوْنَا ?لْعِظَـ?مَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـ?هُ خَلْقًا ءاخَرَ فَتَبَارَكَ ?للَّهُ أَحْسَنُ ?لْخَـ?لِقِينَ [المؤمنون:12-14] .

وهذا كثير في القرآن، يدعو ربنا عباده إلى النظر والتفكر في مبدأ خلقهم ووسطه وآخره، إذ نفسُ المرءِ وخلقُه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، قال ابن القيم - رحمه الله:"وفي خلق الإنسان من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره قال الله تعالى: قُتِلَ ?لإِنسَـ?نُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ ?لسَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ [عبس:17-22] ، فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكرَ هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلم بها فقط، ولا لمجرد تعريفنا بذلك، بل لأمر وراء ذلك كله، هو المقصود بالخطاب، وإليه جرى ذلك الحديث أ.هـ."

إخوة الإسلام ، ولنتأمل الآن في خلق الإنسان، وهو أعجوبة كبرى في هذه الأرض، ولكن الإنسان يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين.

إنه عجيب في تكوينه الجسماني، في أسرار هذا الجسد.

عجيب في تكوينه الروحي، في أسرار هذه النفس.

عجيب في ظاهره، عجيب في باطنه.

وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى أسرارًا تدهش وتحير، تكوينُ أعضائه وتوزيعها، وظائفها وطريقة أدائها، عملية الهضم والامتصاص، عملية التنفس والاحتراق، دورة الدم في القلب والعروق، الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم، الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد ونشاطِه وانتظامِه، تناسقُ هذه الأجهزة كُلِّها وتعاونُها، وكلُّ عجيبة من هذه تنطوي تحتها عجائب، وفي كل عضو وكل جزء من عضو آية تحير الألباب.

أيها الإخوة ، ودعونا فلننظر إلى النطفة بعين البصيرة، وهي قطرة من ماء مهين، ضعيف مستقذر، لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت، كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب، منقادةً لقدرته، مطيعةً لمشيئته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما وكيف قادهما إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين، مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد، جعل لهما قرارًا مكينًا لا يناله هواء يفسده، ولا برد يُجمِّده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه، وجعل في تلك النطفة خصائص الأبوين والأجداد والأقربين، ثم قلب تلك النطفة البيضاء المُشربة إلى علقة حمراء تقرب إلى السواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ثم جعله عظامًا مجردة لا كسوة عليها، مباينةً للمضغة في هيأتها وقدرها، وملمسها ولونها.

وانظر كيف قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعظام، والعروق والأوتار، واليابس واللين، وبين ذلك، وكيف صورها فأحسن تصويرها وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ، ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثم قسم الأصابع بالأنامل، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه.

ثم انظر الحكمة البالغة في تركيب العظام قوامًا للبدن وعمادًا له، وكيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مختلفة، وأشكال مختلفة، فمنها الصغير والكبير والطويل والقصير والمنحني والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف، ثم إذا اكتمل خلقه وأذن الله له بالخروج ترى في ذلك العجب، وإن وقفة أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته، وهو ينفصل عن أمه ويعتمد على نفسه، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة، إن وقفة أمام هذه اللحظة وأمام هذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب وتغمر النفس بفيض من الإيمان.

أيها المؤمنون، يا من عناه الله بقوله: وَفِى ?لأَرْضِ ءايَـ?تٌ لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات:20، 21] ، يا أيها العاصي الذي لم تدرك نعمة الله عليك، من الذي دبَّرك بألطف التدبير وأنت جنين في بطن أمك؟؟ في موضع لا يدَ تنالُك، ولا بصرَ يدركك، ولا حيلةَ لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذو الماءُ النبات، وقلَبَ ذلك الدم لبنًا ولم يزل يغذيك به وأنت في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، حتى إذا كمُل خلقك، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرُك على ملاقاة الضياء، وصلُبت عظامك على مباشرة الأيدي والتقلبِ على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج إيَّما إزعاج، إلى الدنيا وعالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضةً من مكانك، كأنه لم يضمَّك قط، وقد كان مبتهجًا بحملك، فصار يستغيث ويعُج إلى ربك من ثقلك، فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت؟ ثم ضمه عليك حتى حفظت؟ ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت ؟لم يخنقك ضيقه!!! ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه!!! فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب كل مذهب!!!!.

فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفةٌ حتى لاتفسد هناك، وأوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا لا قشرة ولا لباس، ولا متاع ولا مال، أحوج خلق الله وأضعفُهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها ثم ساقه إلى تَينك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة، فمن رققه لك وصفَّاه وأطاب طعمه وحسَّن لونه وأحكم طبخه أعدل إحكام، لا بالحار المؤذي ولا بالبارد الردي، فوافاك في أشد أوقات الحاجة إليه على حين ظمأ شديد وجوعٍ مفرط، جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي قد تدلى إليك وأقبل بدره عليك.

ثم جَعَلَ في رأسه تلك الحُلمةَ التي هي بمقدار صغر فمك، فلا يضيق عنها ولا تتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسها نقبًا لطيفًا حسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق باللبن ولم يضيقه فتمصه بكلفة.

فمن الذي أعطف عليك قلب الأم ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة؟؟،حتى تكونَ في أهنأِ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها، منقادة إليك بغير قائد ولا سائق إلا قائدُ الرحمة وسائقُ الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها وأنه لم يطرقك منه شيء، وأن حياتها تزاد في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟؟.

حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمة بك وإحسانًا إليك ولطفًا بك فلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك ؟؟ ولو أنك مُنِعْتَها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة التي لا تسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها؟؟

أيها المسلم ، لقد اقتضت حكمة الله أن أخرجك من بطن أمك لا تعلم شيئًا، بل غبيًا لا عقل ولا فهم ولا علم، وذلك من رحمته بك، فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة بل جعل ذلك ينتقل فيك بالتدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفك ذلك وهلة واحدة بل يصادفك يسيرًا يسيرًا، حتى يتكاملَ فيك.

ثم إنك لو ولدت عاقلًا فهيمًا كحالك في كبرك تنغصت عليك حياتك أعظم تنغيص !! كيف ترى نفسك محمولًا رضيعا معصَّبا بالخرق مربوطًا مسجونًا في المهد، عاجزًا ضعيفًا عما يحاوله الكبير؟ فكيف يكون عيشك؟ ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ما يوجد للمولود الطفل بل تكون أنكدَ خلق الله وأثقلَهم وأعنتَهم وأكثرَهم فضولًا، وكان دخولك هذا العالم وأنت غبي لا تعقل شيئًا ولا تعلم ما فيه أهله محض الحكمة والرحمة بك والتدبير، فتلقى الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئا فشيئًا حتى تألف الأشياء وتتمرن عليها وتخرج من التأمل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحسن التصرف فيها والتدبير لها!!! فمن هذا الذي هو قيم عليك بالمرصاد يرصدك حتى يوافيك بكل شيء من المنافع والآراب والآلات في وقت حاجتك لا يقدمها عن وقتها ولا يؤخرها عنه.

حتى إذا كبرت بك السن ووصلت إلى سن التكليف وأنت في كل ذلك تتقلب في نعم الله، حسن بك أن تشاهد نعمة الله عليك وتبصر من خلالها عظمة الله، فلا تكن من الذين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون.

يحسن بك إن كان لك عقل وفهم أن لا تبارز الله بالمعاصي، وأنت تعلم أنك لم تعش إلى هذه السن إلا بفضل الله، ولم يمهلك ربك في هذه الدنيا إلا لأمر عظيم هو (عبادة الله) بجميع معانيها السامية، من الذل لله، والخضوع بين يديه، مع غاية الحب، المنتج للطاعة والذكر والشكر والثناء.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وعصيان، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.

أما بعد:

فيا عباد الله ، يحسن بنا أن نرجع إلى النطفة ونتأمل حالها أولًا وما صارت إليه ثانيًا، وندرك الإدراك الجازم، أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها سمعًا أو بصرًا أو عقلًا أو قدرة أو علمًا أو روحًا بل عظمًا واحدًا من أصغر عظامها بل عرقًا من أدق عروقها بل شعرة واحدة؛ لعجزوا عن ذلك، بل كلُّ ذلك آثار صنع الله الذي أتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين، فَمَنْ هذا صنعُه في قطرة ماءٍ فكيف صنعه في ملكوت السموات، وعلوها وسعتها واستدارتها، وعظم خلقها وحسن بنائها، وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها، فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة، بل هي أحكم خلقًا وأتقن صنعًا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات قال الله تعالى: أَءنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ?لسَّمَاء بَنَـ?هَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات:27، 28] ، وقال تعالى: إِنَّ فِى خَلْقِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَ?خْتِلَـ?فِ ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ لاَيَـ?تٍ لاِوْلِى ?لاْلْبَـ?بِ [آل عمران:190] .

وهذا كثير في القرآن فالأرض والبحار والهواء، وكلُّ ما تحت السموات، مقارنة بالسموات كقطرة في بحر، ولهذا قال تعالى: لَخَلْقُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ?لنَّاسِ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر:57] ، وقلّ أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكر السماء إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها كقوله: وَ?لسَّمَاء ذَاتِ ?لْبُرُوجِ [البروج:1] ، وَ?لسَّمَاء وَ?لطَّارِقِ [الطارق:1] ، وَ?لسَّمَاء وَمَا بَنَـ?هَا [الشمس:5] ، وَ?لسَّمَاء ذَاتِ ?لرَّجْعِ [الطارق:11] ، وَ?لشَّمْسِ وَضُحَـ?هَا [الشمس:1] ، وَ?لنَّجْمِ إِذَا هَوَى? [النجم:1] ، ?لنَّجْمُ ?لثَّاقِبُ [الطارق:3] .

فإذا كان ربنا أمرنا بالتفكر في أنفسنا لنعلم أنه الله الذي لا إله إلا هو، فكيف إذا تفكرنا في خلق السماوات والأرض، فماذا سيصل إليه القلب من اليقين، بل كيف بمن ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته ويرى السماوات السبعَ - التي وصفنا عظمتها قبل قليل - ويرى الأرضين السبعَ بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة، ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها، فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإسعاد قوم وشقاوة آخرين، وإنشاء ملك وسلب ملك، وتحويل نعمة من محل إلى محل، وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها، من جبر كسر، وإغناء فقير وشفاء مريض، وتفريج كرب ومغفرة ذنب، وكشف ضر ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل وأمان خائف، وإجارة مستجير، ومدد لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقًا لهيبته، خاشعًا لعظمته، عان لعزته، تارك لمعصيته، فما أحسنه من تدبر وما أبركه على القلب وما أنفعه للنفس وأعظم ثمرته وربحه وأجلّ منفعته وأحسن عاقبته.

إخوة الإسلام، تجدون كثيرًا مما أسلفت لكم وأضعافه في السِفْر العظيم الموسوم بـ:"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"للإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى -.

ثم اعلموا أيها المسلمون أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ عنهم شذ في النار عياذًا بالله من ذلك. واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل وعلا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:65] .

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت