فهرس الكتاب

الصفحة 1407 من 5777

بم يفرح المؤمنون

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أعمال القلوب, العلم الشرعي, القرآن والتفسير

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-الفرح بأمور الدنيا مذموم. 2- الفرح بفضل الله ورحمته. 3- من الفرح ما هو محمود ومنه

ما هو مذموم ومنه ما هو مطلق ومنه أيضًا المقيد. 4- التمثيل لذلك في لقران. 5- فرح ابن

مسعود بموافقة فتياه لفتيا النبي.

عباد الله: كنت قد ذكرت في آخر خطبة قول الله تعالى المتعلق بقارون في الآية السادسة والسبعين من سورة القصص حيث يقول ربنا تعالى: إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وذلك في معرض الكلام على أن الفرح بالانتصارات الكروية فرح مذموم شرعًا. ثم خشيت بعد ذك أن يظن أن هناك تعارضًا بين بغض الله للفرحين وبين إثبات الفرح للمؤمنين كما في سورة الروم مثلًا في قوله تعالى: ويومئذ يفرح المؤمنون.

فرأيت تتميمًا للفائدة أن أشفع الخطبة الماضية بخطبة أخرى يكون موضوعها"ما جاء في الفرح في القرآن الكريم والسنة المطهرة".

وينبغي أولًا قبل الخوض في مواضع الفرح في القرآن والسنة أن نعرف أن الفرح هو نعيم القلب وبهجته وسروره، والحزن عذابه. والفرح فوق الرضا هو طمأنينة القلب وسكونه وانشراحه فحسب، وهو ضد السخط، ولذلك فإن السخط لا يؤلم القلب، والحزن يؤلمه إلا إن كان مع العجز على الانتقام والله أعلم.

ذكر الفرح في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعًا، هذا الفرح المذكور في القرآن تسمان: مطلق ومقيد.

مطلق لم يقيد بسبب للفرح، ومقيد ينقسم إلى قسمين: مقيد بالدنيا وهو مذموم كالقسم الذي قبله، فالفرح المطلق الذي لم يذكر له سبب مذموم، والمقيد بأمور الدنيا مذموم، والقسم الثاني من أقسام المقيد: هو الفرح بفضل الله ورحمته وينقسم أيضًا قسمين: فرح بالمسبب وفرح بالسبب، فتكون أقسام الفرح بعد هذه التفريعات والتقسيمات أربعة: مطلق ثم مقيد بالدنيا ثم مقيد بفضل الله ورحمته ينقسم إلى فرح بالمسبب وفرح بالسبب.

أما القسم الأول: وهو الفرح المطلق: فقد ذكر في خمسة مواضع من مواضع ذكر الفرح بالقرآن.

والمقيد بالدنيا: ذكرى في ثلاثة عشر موضعًا منها.

والمقيد بفضل الله ورحمته: ذكر في أربعة مواضع موضع واحد للفرح بالمسبب وثلاثة للفرح بالسبب.

وسأتكلم عن موضع واحد من مواضع كل قسم بإيجاز: فأختار من مواضع القسم الأول وهو القسم المطلق. أختار من الآيات التي وردت فيه الآيتين التاسعة والعاشرة من سورة هود حيث قال ربنا تبارك وتعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور فهذا فرح مطلق ولهذا فهو مذموم. يخبر الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم لأنه إذا أذاقه سبحانه منه رحمه كالصحة والرزق والأولاد ونحو ذلك ثم نزعها منه فإنه يستسلم لليأس وينقاد للقنوط فلا يرجوا ثواب الله تعالى ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها أو خيرًا منها عليه. وإذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته أنه يفرح ويبطر ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، فيفرح بما أوتي مما يوافق هواه، ويفخر بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس والتكبر على الخلق واحتقارهم وازدرائهم وأي شيء! وأي عيب أشد من هذا. وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضدّه، ولهذا أعقب الله تعالى هاتين الآيتين بقوله تعالى: إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات صبروا إذا آتاهم الله نعمة ثم نزعها منهم، صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة أجر كبير.

وأما القسم الثاني: فأختار من مواضعه تلك الآيات الأربع من سورة الأنعام من الآية الثانية والأربعين إلى نهاية الآية الخامسة والأربعين في قسم الفرح المقيد بالدنيا قال الله تعالى في هذه القسم المذموم:

ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

يقول الله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلكم: من الأمم السالفين المتقدمين. فكذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا فأخذناهم بالبأساء والضراء: أي بالفقر والمرض والآفات والمصائب. رحمة منا بهم لعلهم يتضرعون: إلينا ويلجئون عند الشدة إلينا. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم: لم يتضرعوا عند البأس والشدة. ولكن قست قلوبهم: أي استحجرت فلن تلين للحق وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون: ظنوا أن ما هم عليه دين الحق فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان ولعب بعقولهم الشيطان.

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء: أي من الدنيا ولذاتها وغفلاتها. حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الدنيا. أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون أي آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب أن يؤخذوا على غرة وغفلة وطمأنينة ليكون أشد لعقوبتهم وأعظم لمصيبتهم. فقطع دابر القوم الذين ظلموا: أي اصطدموا بالعذاب وتقطعت بهم الأسباب، فاستأصلت شوكتهم ولم تغن عنهم شيئًا قوتهم. والحمد لله رب العالمين على ما قضاه وقدره من هلاك المفسدين، ولأنه بذلك تتبين آياته وتكريمه لأوليائه، وإهانته لأعدائه، وصدق ما جاءت به المرسلون.

وأما القسم الثالث: وهو المقيد بفضل الله ورحمته، فأختار من فرعه الأول (المقيد بالمسبب) الفرح المقيد بالمسبب الموضع الوحيد الذي جاء في سورة آل عمران في الآيتين التاسعة والستين والسبعين بعد المائة حيث يقول ربنا عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أي لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل إعلاء الدين قاصدين إعلاء كلمة الله تعالى. لا يخطرن ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها الذي يحذر من فواته من جَبُن عن القتال وزهد في الشهادة لا يخرطن ببالك ذلك فإنه قد حصل لهم أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون، فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته، وقوله: عند ربهم يقتضي علو درجتهم وقربهم من ربهم سبحانه: يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعرفه إلا من أنعم به عليهم. وهم مع ذلك صاروا فرحين. أي مغتبطين بما أتاهم الله من فضله، قرت به عيونهم وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته وعظمته وكمال اللذة في الوصول إليه وعدم المنغص.

فجمع الله تبارك وتعالى لهم بين نعيم البدن بالرزق ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله، فتم لهم النعيم والسرور وجعلوا يستبشرون أي يبشر بعضهم بعضًا بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم وأنهم سينالون ما نالوا، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور.

وأما الموضع الأخير: وهو المقيد بفضل الله ورحمته في قسمه المقيد بالفرح بالسبب، فأختار من ثلاثة مواضعه الموضع الذي جاء في سورة يونس في الآية الثامنة والخمسين في قوله تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. أمر الله تبارك وتعالى بالفرح بفضله أي بالإسلام على قول من أقوال المفسرين، وبرحمته: أي بالقرآن على قول من أقوال المفسرين.

افرحوا أيها الناس بفضل الله، أي الإسلام ورحمته أي القرآن، فإنهما أعظم نعمة ومنة تفضل الله بها عليكم، ليست نعمةً دنيوية تنسي فضل الله ومنته بل هي نعمة عظيمة إسلامية قرآنية دينية تقرب إلى الله تبارك وتعالى وتشعر بالفرح والسرور بهذه المنة الربانية الكريمة. ذلك خير من كل ما يجمعه الناس من زينة الدنيا وزهرتها ومتاعها المضمحل عن قريب. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون.

إذ لا نسبة بين نعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين وبين كل ما يجمعه الناس من حطام الدنيا وزينتها الزائلة، لا نسبة بين هذا وذاك، وإنما أمر الله تبارك وتعالى بالفرح بذلك لأنه يوجب انبساط النفس ونشاطها وقوتها وشدة الرغبة في العلم والدين الداعية للازدياد منها، هذا ما ينبغي أن يفرح به الإنسان، لا بشهوات الدنيا ولا بالفرح الباطل المذموم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صلّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فأما مواضع ذكر الفرح في السنة المطهرة فهي كثيرة، كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد ورغم وجود الكثير في الصحيحين إلا أنني عدلت إلى حديث في مسند الإمام أحمد وعند أصحاب السنن ليتبين من خلاله الفارق الشاسع والبون البعيد بين الصحابة وبيننا، فإنه يتبين من خلال ذكره بأي شيء كانوا يفرحون، وبأي شيء أصبحنا نحن نفرح في آخر هذا الزمان.

نعم، هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن وغيرهم عن عبد الله بن عتبة بن مسعود بسند صحيح، وهو ابن أخ عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل عالي الرتبة البدري المحبوب إلى الله ورسوله يقول عبد الله بن عتبة ابن مسعود: أتى عبد الله بن مسعود فسُئل عن رجل تزوج امرأةً ولم يكن سمى لها صداقًا فمات قبل أن يدخل بها فلم يقل فيها شيئًا. فرجعوا ثم أتوه فسألوه، فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن أصبت فالله عز وجل يوفقني وإن أخطأت فهو مني ومن الشيطان والله عز وجل ورسوله بريئان منه. لها صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة. أي لها صداق نسائها، لم يكن زوجها قد سمى لها صداقًا وعيّن لها صداقًا فيفرض لها من تركته صداق كالذي يفرض ويعين لنسائها لها صداق المثل، ولها الميراث وعليها العدة - وطبعًا هذا لا يعارض أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها لأن هذا مات قبل الدخول. مات ولم يطلق. فهنا فرق.

فقام رجل من القوم المستمعين لفتيا عبد الله بن مسعود فقال: أشهد على النبي أنه قضى بمثل ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: هلم من يشهد لك بذلك (أريد شاهدين على أن النبي أفتى وقضى بمثل هذا، يريد أن يطمئن إلى هذا الأمر الذي يُفرح فرحًا شديدًا، ولكن يفرح من؟ يفرح من كان لا يفرح إلا بفضل الله ورحمته، لا بغرور الدنيا ولعبها وباطلها ولهوها وزينتها ويفتخر بذلك. ويلهو بذلك ويلعب الشيطان بعقله ويذهب كل مذهب بسبب هذا الإفراط في الفرح المذموم، لا، إنه فرحٌ بفضل الله ورحمته، من يشهد لك بذلك. فقام الجراح وأبو سفيان الأشجعيّان وقالا: نشهد أن النبي قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق. تزوجها رجل يقال له هلال ابن مروان مات قبل أن يدخل بها، فعرض ذلك على النبي فقضى بمثل ما قضيت به يا ابن مسعود فجاء في بعض الروايات أن ابن مسعود ما فرح بعد الإسلام بشيء مثل فرحه بموافقة قوله لقضاء النبي.

نعم، نعم وأي شيء يمكن أن يفرح به الإنسان أكثر من هذا الفرح. ألا يجد نصًا في القرآن ولا في السنة فيما يعلم هو فيضطر إلى الإفتاء بعد الاجتهاد وإعمال النصوص بقدر المستطاع ومحاولة الاستنباط ثم يعلم بعد ذلك أن ما اجتهد فيه وافق قضاء النبي هل يُفرح العبد المؤمن المسلم شيء مثل هذا؟ لا، ففرح فرحًا شديدًا حين وافق قوله قضاء النبي ، فبمثل هذا فليفرح المؤمنون والمسلمون.

أيها الأخوة الكرام نسأل الله تعالى ألا يجعل قلوبنا تهش أو تبش أو تفرح إلا بما يرضي الله تعالى، آمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت