الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الكذب من أعظم آفات اللسان. 2- صور منتشرة من الكذب. 3- المجالات التي يباح فيها
الكذب. 4- كيفية علاج آفات اللسان.
أما بعد: عباد الله، لعل هذه الخطبة تكون آخر خطبة في سلسلة آفات اللسان، وإني لأعلم أن بعضكم قد ملّ من هذا الموضوع ويرى أننا قد أطلنا فيه بشكل زائد عن حده الطبيعي، فلو سألت من جاءه هذا الشعور سؤالًا، أنت لماذا تصلي، ولماذا تحرص على باقي أركان الإسلام، بل ما هو هدفك الأخير الذي تريد أن تصل إليه بعد هذه الدنيا؟
لا شك أن جواب جميع المسلمين واحد، وهو أن هدفه، تخليص هذه الرقبة من نار جهنم، كل الذي يتمناه كل مسلم، أن ينجو من النار، ويفوز بالجنة، من أجل ذلك هو يعبد الله عز وجل.
فماذا تقولون لو أخبركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس يكبون على مناخرهم في نار جهنم بحصائد ألسنتهم.
إن هذا اللسان أيها الأخوة، من أشد وأخطر الأشياء التي قد تعرض صاحبها لعذاب الله عز وجل.
يقول عليه الصلاة والسلام، حديث سهل بن سعد المتفق عليه: (( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة ) ).
عباد الله، نختم هذه الآفات، بأعظم آفة من آفات اللسان، وهي آفة الكذب، وتكون بذلك الآفة السابعة عشر من آفات هذا اللسان قال الله تعالى: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] ، وقال سبحانه: إِنَّمَا يَفْتَرِى ?لْكَذِبَ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـ?تِ ?للَّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ ?لْكَـ?ذِبُونَ [النحل:105] ، وقال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [البقرة:10] ، وقال عز من قائل: وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية:7] ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ) )، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أوتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ).
أيها المسلمون، هناك أمور لا يعدها الناس من الكذب، وذلك: إما لتهاونهم بها، أو لجهلهم، وهي تعتبر في الإسلام كذبًا، وسوف يحاسب عليها صاحبها، أمام الله عز وجل يوم القيامة.
فمن هذه الأمور مثلًا، وهذا كثيرًا ما يقع فيه الأباء والأمهات، مع أطفالهم الصغار، وهو دعوة الطفل الصغير لأخذ شيء، وليس مع الداعي شيء، تجد الأب أو الأم، لو أراد أن يأتيه ابنه الصغير قبض على يده، كأن في يده شيء، فيأتي الطفل يجري نحو أبيه، وإذا به يقع في فخ الأب، ولا شيء فيه، وهذا من الكذب ودليل هذا من الشرع حديث عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي، يا عبد الله تعال أعطيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وما أردت أن تعطيه؟ ) )قالت: أعطيه تمرًا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما إنك لو لم تعطيه شيئًا، كتبت عليك كذبة ) ).
فاتقوا الله أيها المسلمون، فلينتبه الآباء، ولتنتبه الأمهات إلى هذا، ولنرب أبناءنا على الإسلام ـ أيها الأخوة ـ، ولنغرس فيهم الصدق، وإيانا أن نكذب عليهم.
فإن مثل هذه التصرفات مع الأولاد، من أقوى الأساليب التي تجعلهم كذابين، والشاهد على ذلك أيها الأخوة أن هذا الصحابي الجليل عبد الله بن عامر، هو الذي روى لنا هذا الحديث بنفسه، ما جرى بينه وبين أمه، حين كان صغيرًا، ولم ينس هذه الحادثة وبقيت عالقة في ذهنه، فما بالكم لو أن أمه قد كذبت عليه فعلًا، لا يمكن أن ينساها لأن الطفل شديد الحفظ، إضافة إلى أنه يتأثر بوالديه.
ومن الأمور أيضًا والتي لا يعدها الناس كذبًا وهي من الكذب، التحدث بكل ما سمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ) )وهذا أمر شائع يا عباد الله، أغلب الناس يتكلم ويحدث بكل ما سمعت أذناه، ويبرر لنفسه بقوله: هذا ما سمعته ولا أنقل سوى ذلك، هذا منهي عنه ـ أيها الإخوة ـ في دين الإسلام، فمثلًا: ماذا لو كان ما سمعه تهمة زنا مثلًا لرجل عفيف، أنت سمعت هذا الخبر ونقل لك، فهل يحق لك شرعًا، أن تحدث به في كل مجلس بحجة أنك سمعته، بل من منا يرضى لنفسه أن يتحدث عنه بمثل هذا؟
فاتقوا الله أيها المسلمون، لا تتحدثوا بكل ما تسمعون، فكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.
أمر ثالث ـ يا عباد الله ـ منتشر واعتاده الناس ولا يعده الناس كذبًا، وهو عين الكذب، ألا وهو التحدث بالكذب لإضحاك الناس فيقول عليه الصلاة والسلام من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ) ).
أتدرون أين ينتشر هذا كثيرًا، هذا منتشر ـ أيها الأخوة ـ في بيئة المسارح والتمثيليات الموبوءة، أغلب التمثيليات أيها الأخوة وغالب المسرحيات، عبارة عن قصة معينة وأحداث وأغلبها، بل جميعها كذب في كذب، قصص غير واقعية، وأحداث لا مجال للصحة فيها.
بعضكم يتصور أن هذه تمثيلية ليس القصد من ورائها إلا إدخال السرور في نفوس الناس، وما هي إلا ترويح للنفوس لكنها ليست كذلك في ميزان الشرع، إنها من التحدث بالكذب لإضحاك الناس، وهذا أمر محرم في دين الإسلام، فكم اشتهرت أسماء ويا للأسف من وراء هذه الكبيرة، وهي الكذب، كم أتلفوا الأموال، في هذه المسرحيات، وكلها معاصي نسأل الله السلامة والعافية، ينهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ويهدد بالويل عن فعل هذا القبيح، وهم يهنئونه ويبشرونه على نجاح الفيلم، أو المسرحية، فإلى الله المشتكى.
عباد الله، هناك بعض المجالات، أباح الشرع فيها للإنسان أن يكذب وهي في ثلاثة مواضع فقط:
الموضع الأول: الرجل يصلح بين الناس.
الثاني: الكذب على الأعداء للحفاظ على أسرار الجيوش الإسلامية.
الثالث: كذب الرجل على امرأته.
ودليل ذلك ما ثبت عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا ويقول خيرًا ) ).
ولحديثها الآخر رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا أعده كاذبًا: الرجل يصلح بين الناس، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها ) ).
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم إنا نسألك أن تحفظ ألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
أكتفي بهذا القول وأستغفر لله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له تعظيمًا لألوهيته وربوبيته وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا
أما بعد: عباد الله، نكون بذكر آفة الكذب قد انتهينا من هذه السلسلة، ولا أقول: قد أحصيت جميع عثرات اللسان وزلاته، لكن لعله أن تكون هذه أبرزها وأهمها.
وختامًا لهذا الموضوع نحاول أن نجمل بوصف بعض الأدوية علاجًا لهذا الداء فما من داء إلا له دواء، إلا الموت والهرم.
فأول علاج ـ أخي المسلم ـ لآفات اللسان معرفة عظمة الله تعالى وأسماءه وصفاته وأفعاله، إذ كلما عظم المسلم الله سبحانه وتعالى في قلبه حقيقة التعظيم عظم تبعًا لها حرماته عز وجل، وهو دواء ناجع للقلب لنبذ الشهوات والفسوق والعصيان.
ومن العلاج أيضًا أخي المسلم معرفة النصوص التي تبين ما أعد الله تعالى للمتقين من عباده في الجنة، فمن تفكر في الجنة وآمن بها كما يحب ربنا ويرضى فإنه سيؤثر نعيم الجنة على كل نعيم، ومن لم يعرف الجنة وما بها من نعيم، فإنه يبحث عن النعيم، فيدله الشيطان على آفات اللسان.
ومن العلاج أيضًا معرفة ما في القبر من عذاب ونعيم ففي قراءة النصوص المتعلقة بالقبر عبرة لأن ماذكر فيها من العذاب كان للردع عن الخوض باللسان بما يغضب الله سبحانه وما ورد عن النعيم في القبر يدفع المسلم للصبر عن الخوض بلسانه أو الإمساك عن الشر.
ومن العلاج ـ أيها الأخوة ـ معرفة الآيات والأحاديث التي تبين عذاب النار فإن من تفكر في النار وأحسن التفكير هانت عليه الدنيا وما فيها وحاسب نفسه على الكلمة قبل أن يخرجها لئلا يمسه من عذابها أو يناله من حرها.
ومن العلاجات المهمة أيضًا يا عباد الله تذكر الموت وقصر الأمل قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
وقال سبحانه: حَتَّى? إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] . والمتأمل المتدبر ـ يا عباد الله ـ للآيات والأحاديث التي تذكر الموت وقصر الأمل لا يمكن أن يسمح للسانه أن يقع في الآثام والخطايا لأنه يخشى أن يموت وهو يخوض في الباطل فهو يستحضر قوله عليه السلام: (( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) ).
ومن علاج حفظ اللسان أيضًا أيها الأخوة الدعاء، إنه الملجأ العظيم الذي يلجأ العبد فيه لربه يدعوه ويبتهل إليه أن يحفظ لسانه ويتحرى الساعات المستجابة ويراعي آدابه داعيًا بلسانه وقلبه، فمن أخلص لله في دعائه فإنه بإذن الله مهتد للحق، نائل ما أراد، ومن العلاج أيضًا الاشتغال بالطاعات كالعلم والتعلم، والصلاة، والصيام، والذكر، وقراءة القرآن إذ أن المشتغل بالعبادات والطاعات، يعظم عليه بعد التعود عليها أن يصرف أوقاته في سواها فهي تملأ فراغه وتسد السبل أمام تلبيس الشيطان للمعاصي وآفات اللسان.
ومن العلاج أيضًا الصمت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رحم الله عبدًا قال خيرًا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم ) ). وقال عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) )وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: (( أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) ).
والمتدبر لهذه الأحاديث أيها الأخوة، يجد أن الصمت فيه النجاة والسعادة، ولم يقل عليه الصلاة والسلام عن المتكلم أنه ينجو لأن النجاة في الكلام مشروطة بالإخلاص لله في النية وأن يكون الكلام موافقًا للشريعة، فعليك بالصمت أخي المسلم فليس لك في النجاة مثله
ومن العلاج أيضًا اعتزال الناس والقعود في البيت، وذلك حين يحس الإنسان بضعف لسانه عند لقاء الناس ولا يقوى على حفظه، فعندئذ لا حل أسلم من اعتزالهم.
فاتقوا الله أيها المسلمون، استخدموا هذه العقاقير الشرعية، إذا أصبتم لا سمح الله بمرض آفات اللسان.
أيها المسلمون، لقد صدق من قال: ما لم أتكلم بالكلمة فأنا أملكها، فإن تكلمت بها ملكتني وقال ابن القيم رحمة الله تعالى:"من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والسرقة وشرب الخمر والنظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يزل بالكلمة الواحدة، أبعد مما بين المشرق والمغرب".
وقال أيضًا:"إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كله".
وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في كتابه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .