الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
1-مذاهب الناس في السعادة. 2- المال والجاه والغنى المادي كله لا يحقق السعادة. 3- السعادة هي طمأنينة القلب وقربه من الله عز وجل. 4- نماذج للسعداء وأحوالهم. 5- السعداء مؤمنون عاملون يفرون إلى الله سبحانه في جميع أمرهم. 6- أسباب السعادة وكيفية تحصيلها في نفوسنا.
أيها الناس، السعادةُ مطلبُ العقلاء ومبتغى الكبراء وحلمٌ يراود الضعفاء، تفاوت الناس بفهم حقيقتها وتباينوا في طرق الوصول إليها، من يقاسي شدائدَ الفاقة والبؤس يرى السعادَةَ في الغنى وعند الأغنياء، ومن تتقلب به الأوجاعُ والأمراض يرى السعادة في صحة الأبدان وسلامةِ الأعضاء، والمستضعَف الذي سُلِبت حقوقُه ولم يقو على ردها يرى السعادة في السلطان والجاه، ومن أشرب في قلبه الفسوقُ والمجون والخلاعة والدعارة يرى السعادة في أن تأتيَه الشهواتُ من كل جانب ليطلقَ لها العِنان كيف يشاء.
يبحث الناس عن السكينة والطمأنينة، وينشدون السعادة والرضا، ويبتغون السرورَ والحبور، يطلبونها في القوة والجاه والثراء والحرية والمناصب والمراتب.
السعادة ـ عباد الله ـ ليست في المال الوفير، ولا الجاه العريض، ولا في البنين ونيل المآرب، ولقد قال الله عز وجل في أقوام: فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْو?لُهُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ?للَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا [التوبة:55] .
عذابٌ في الحياة الدنيا، مشقةٌ وألم، وهمٌ وسقم، معذبُ النّفس، مُتعَبُ القلب، لا يغنيهِ القليل، ولا يشبعه كثير، عذاب وشقاء لا ينفك عن ثلاث: همٌ لازم، وتعب دائم، وحسرة ٌلا تنقضي، وصدق الرسول عندما قال: (( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ويتوب الله على من تاب ) )متفق عليه.
السعادة شيء لا يُرى بالعين، ولا يقاسُ بالعدد، ولا تحتويها الخزائن، ولا تُشترى بالدراهم والدنانير. السعادة شيء داخل الجوانح، يغتبط به الجنَان، ويمتلئ به الجنْبان. السعادة صفاءٌ في النفس وراحة في الضمير وطمأنينة في القلب وانشراح في الصدر وهدوء في البال. السعادة شعورٌ جميل بالغبطة وإحساس لذيذ بالطمأنينة وانطلاقةُ نفسٍ في سكينة.
إخوةَ الإسلام، واحد من ذوي الثراء والجاه ابتلي بمرض مزمن، يؤتى له بأطيب الطعام فلا يأكل، وإن أكل فلا يستلذ، أشرف من نافذة قصره وأطل من سرير مرضه، فلاحت منه نظرة على عامل من عماله قد افترش جانبًا من الأرض تحت ظل الشجرة، يأكل رغيفًا مع إدام يسير، لُقمة في فمه وأخرى في يده وثالثة ترقبها عينه، عندها تمنى هذا الوجيه لو كان في متعة هذا العامل وصحته.
فالسعادة ـ عباد الله ـ مصدرها القلب، ومظهرها الرضا، ودليلها إدراكُ النعمة والاعترافُ بها.
أجل عباد الله، لقد أخطأ من طلب السعادة في شهوات الدنيا، وقد علم أن طالبَها يظل منهومًا لا تنقضي شهواته، هلِعًا تتشعب رغباته، ثم يقود همه إلى منازعة الآخرين أرزاقَهم وخصامهم في حقوقهم، ملأ فكره بهموم الحياة وفتنه اللهو ومتع الحياة، وقد أغَمَّتْهُ فوادح الزمن وقوارع الدهر.
السعادة وجدها المصطفى الذي يقول لمؤذنه بلال: (( قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة ) )رواه أبو داود بسند صحيح. ويقول لأبي بكر وهما في الغار: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ?للَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] .
ووجدها يونس بن متَّى عليه السلام وهو في ظلمات ثلاث: ظلمةُ الحوت، وظلمةُ اليم، وظلمةُ الليل، حين انقطعت به الحبال إلا حبل الله، وتمزقت كل الأسباب إلا سبب الله، فهتف من بطن الحوت بلسان ضارع حزين: لاَّ إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـ?نَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأنبياء:87] ، فوجد السعادة.
ووجد السعادةَ يوسفُ عليه السلام، وهو يسجن سبع سنوات، فيسألونه عن تفسير الرؤى، فيتركها ثم يبدأ بالدعوة فيقول: ي?صَاحِبَىِ ?لسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ?للَّهُ ?لْوَاحِدُ ?لْقَهَّارُ [يوسف:39] ، فيعلن الوحدانية للواحد الأحد، فيجد السعادة.
وجدها أبو بكر الصديق الذي قال عنه النبي: (( لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، لكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد خَوْخَة إلا خوخة أبي بكر ) )متفق عليه. والخوخة هي الباب الصغير.
ووجد السعادةَ عمرُ بن الخطاب والذي يقول: (لو تعثرت بغلة في العراق لخشيت أن يحاسب الله بها عمر) .
ووجدها ابن تيمية رحمه الله والذي يقول:"ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أين سرت فهي معي".
ووجدها إبراهيم بن أدهم رحمه الله وهو ينام في طرف السكك في بغداد، لا يجد إلا كسرة الخبز يغمسها في نهر دجلة ويقول:"والذي لا إله إلا هو، إنا في عيش لو علم به الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليه بالسيوف".
هذه هي السعادة، وهذه هي أحوال السعداء.
عباد الله، لن يجد امرؤ ما يملأ نفسه رضًا بأقدار الحياة سوى الإيمان بالله واللجوء إلى جناب ربه والانطراح بين يديه، الحياة بغير الدين تعقيدٌ تَحفُّها المنغصات، الحياة بغير الدين اضطرابات اجتماعية وأمراض نفسية، يفزع المبتلون إلى المهدئات والمسكنات، بل إلى المسكرات والمخدرات عياذًا بالله منها، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] .
الدنيا عند المؤمن مرحلة ومزرعة، ودار ممر واختبار، يرجو بعدها لقاء الله، الإيمان سفينته، والعبادة وسيلته.
المؤمن تغمره السعادة لأنه موقن بأن الحياة محكومة بأقدار الله، فلا يأس على ما فات، ولا يفرح بما حصل، لا يستسلم للخيبة، ولا يهلك نفسه تحسرًا، بل كل مواقف الدنيا عنده ابتلاء بالخير وبالشر، إذا زلزلته وقائع البلوى رده الإيمان إلى استقرار النفس وبرد اليقين ورباط الطمأنينة، فنعم بالسكينة من غير هلع ولا شقاء.
المؤمن يملك السعادةَ والراحة التي تجمع له بين التوكل والعمل الكادح، لا يزعزعه جزع ولا يرهقه قلق، يغمر الحياةَ نشاطًا ويعمرها جهادًا، فالسعداء مؤمنون عاملون وعلى ربهم متوكلون، وبحكمته واثقون، وبأقداره موقنون، نصيبهم المقسوم في السماء سيهبط إليهم في الأرض، فالسعيد لا يأكل أكثر مما يأكل الناس، ولا يملك أكثر مما يملك الناس، ولكنه يرضى أكثر مما يرضى الناس، فالسعادة في المسجد وفي المصحف وفي السنة وفي الذكر وفي الهداية والاستقامة والطاعة.
وهناك ـ عباد الله ـ أسباب يحسن تحصيلها لنيل السعادة، من أهمها الإيمانُ الصادق المقرون بالعمل الصالح، مَنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَو?ةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97] ، فإن للإيمان والعمل الصالح أثرًا حميدًا في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] .
قال ابن القيم رحمه الله:"إن في القلب لشَعَثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وإن فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وإن فيه حزنًا لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وصدق معاملته، وإن فيه قلقًا لا يسكنه إلا الفرار إليه، وفيه فاقة لا يسرها إلا محبته والإنابة عليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، وفيه حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه والصبر على قضائه إلى يوم لقائه".
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هُوَ ?لَّذِى أَنزَلَ ?لسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ?لْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَـ?نًا مَّعَ إِيمَـ?نِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَكَانَ ?للَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [الفتح:4] .
أيها الناس، ومن أسباب السعادة دوامُ ذكر الله على كل حال، فبذكر الله تطمئن القلوب، أَلاَ بِذِكْرِ ?للَّهِ تَطْمَئِنُّ ?لْقُلُوبُ [الرعد:28] .
ومن أسباب السعادة طلبُ العلم وتحصيلُه، علمٌ واستنارة يرتفع بها صاحبها عن مصاف الجهل والجهلاء، فالجهال تقل راحتُهم وأنسهم، وتصعب إراحتهم، ويشق توجيههم، سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ?لْجَـ?هِلِينَ [القصص:55] ، ولا خير في علم إذا لم يصاحبه خلق كريم وأدب سام.
ومن أسباب السعادة نفع الخلق والإحسان إليهم بالمال أو الجاه أو البدن.
ومن أسباب السعادة طلب الرزق الحلال، قال: (( من أصبح آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ). جاء رجل يشتكي لأخيه الفاقة فقال له: عندك زوجة؟ قال: نعم، قال: هل عندك مسكن؟ قال: نعم، قال: أنت غني من الأغنياء، قال: وعندي خادم قال: أنت ملك من الملوك.
أيها الناس، أنت سعيد إذا عرفت نفسك، وطلبت السعادة من نفسك، لا ممن حولك، سعيد بإيمانك وخلقك وحبك للناس، سعيد إن كنت مع ربك، فشكرت النعمة وصبرت على البلية، فكان لك الربح في الحالين وحسن الثواب في الحياتين.
اللهم أحينا حياة السعداء، وأمتنا ممات الشهداء.
اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين...