الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
1 ـ انقضاء رمضان وفتور البعض عن الطاعة. 2 ـ المداومة على الطاعة والاستقامة عليها في كل الشهور والأزمان. 3 ـ ثمرة العمل الصالح. 4 ـ عبادات وأذكار يومية حث عليها النبي ورغب في المحافظة عليها. 5 ـ نوافل أخرى حثت الشريعة على المحافظة عليها. 6 ـ ترك المعاصي وهجرها أعظم الطاعات.
أما بعد:
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم.
أيها المسلمون، هاهو رمضان قد انتهى، فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد فات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، لقد انتهى شهر القيام وانتهى شهر الصيام، وقد ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، فيا ليت شعري من المقبول فيه فنهنيه، ومن المطرود المحروم منا فنعزيه.
لقد مضى شهر رمضان المبارك وترك الناس قسمين:
ففريق مأجورون مشكورون، لم ينقض رمضان حتى غفر لهم، وبدلت سيئاتهم حسنات، وأصبحوا من عتقاء الله من النار، وفريق آخر خاسرٌ لم يظفر من نفحات المغفرة والرحمة في الشهر الكريم بشيء، ووالله إنه لمسكين من أدرك هذا الموسم العظيم ثم لم يظفر من مغانمه بشيء، ما حجبه إلا التفريط والإهمال.
وإن مما يحزن النفس ويؤلم القلب أنك ترى كثيرًا ممن عطروا المساجد بأنفاسهم الزكية في رمضان يعرضون عن طاعة رب البرية بعد رمضان، والأدهى من ذلك والأمر أن يوفق أناس للعمل الصالح في رمضان حتى إذا انتهى الشهر الكريم وانقضى نقضوا ما أبرموا من عهود، ونكصوا على أعقابهم خاسرين، سئل بعض السلف عن قوم يجتهدون في شهر رمضان فإذا انقضى ضيعوا وفرطوا فقال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان.
وقال الحسن: أبى قوم المداومة، والله ما المؤمن الذي يعمل شهرًا أو شهرين أو عامًا أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت.
وقرأ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس على المنبر: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] ، فقال: استقاموا والله على طاعة الله، ثم لم يروغوا روغان الثعلب.
أيها المسلمون، ما أجمل الطاعة إذا تبعتها الطاعة، وما أجمل الحسنة تتلوها الحسنة، وإن أيام العيد ليست أيام لهو وغفلة بل هي أيام عبادة وشكر، والمؤمن يتقلب بأنواع العبادة والعمل الصالح الذي هو قرين الإيمان في كتاب الله، وكل بني آدم خاسر إلا من آمن وعمل صالحًا.
لا بد للمؤمن من معرفة العمل الصالح لكي يحتسب الأجر في جزئيات حياته التي لا يأبه لها كثيٌر من الناس وإن العمل الصالح ـ أيها المسلمون ـ له ميدانه الفسيح ومفهومه الواسع، فهو يشمل أعمال القلوب والجوارح، في الظاهر والباطن.
وإن من الأعمال الصالحة ما يمتد إلى ما بعد الممات.. من الصدقة والعلم والذرية الطيبة.. (( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) ).
أيها الإخوة، إن من الأعمال التي يقوم بها الإنسان أعمالًا يومية معتادة، بل منها ما هو من لوازم بناء الحياة، ولكنها تكون أعمالًا صالحةً محسوبةً في ميزان العبد، إذا صحَّت بها النوايا، واستقامت على الطريقة، وأُتقن أداؤها؛ فاحفظوا أوقاتكم رحمكم الله، ولا تحقروا من الأعمال شيئًا، فكل عمل في الإسلام معتبر، مهما قلَّ أو صغر فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7، 8] .
إن العمل الصالح بشتى أنواعه وألوانه.. يحفظ على المرء دينه وعرضه، ويُكْسِبُ الحياةَ المطمئنة الطيبة، ويقود إلى الخير وراحة البال.
وأعمالكم سوف يراها ربكم ونبيكم والمؤمنون: وَقُلِ ?عْمَلُواْ فَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ?لْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] .
وإن الله بحكمته قد شرع للمسلم في يومه وليلته أعمالًا كثيرة، هي يسيرة على من يسرها الله عليه، فإذا ذهب وقتها فقد فات الإنسان أجرها، وعليه الحفاظ على ما يستقبل منها، أما ما مضى فقد فات؛ لأنها متعلقة باليوم والليلة، تأتيك فرصتها كل يوم، من حافظ عليها حاز الأجر الوفير ورجع الخير الكثير، ومن ضيعها فقد ضيع نفسه وباعها بأبخس الأثمان.إذ فيها يجمع الأجر ويغتنم العمر ويتقرب إلى الله العزيز الحميد.
ولك أن تتأمل يا أخا الإسلام ذلك التوفيق العظيم لصدّيق هذه الأمة عندما يوفق لجمع الكثير من الأعمال الصالحة في يومه وليلته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ) )قَالَ أَبُو بَكْرٍ:أَنَا، قَالَ: (( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ) )، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ) )، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ) )قَالَ أَبُو بَكْرٍ:أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّه: (( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )رواه البخاري.
ولا شك أن هذا من توفيق الله لصديق هذه الأمة، والمؤمن يدعو الله: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فإذا استجاب الله دعاءه ووفقه سهل عليه الأعمال العظيمة ويسرها له وبارك له في وقته وبدنه لكي ينال منها النصيب الأوفر والحظ الأعظم، وإذا لم يحرص الإنسان عليها ولم يسأل الله تيسيرها فإنه لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
معاشر المسلمين، لقد جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة بالحث على كثير من الأعمال في اليوم والليلة، منها: المحافظة على الصلوات المكتوبات بركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، فهذه الصلاة هي عمود الإسلام وأعظم أعمال اليوم والليلة ثم يحافظ المسلم على السنن التابعة لها وهي المسماة بالرواتب وهي: ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم إذا عرفوا الطريق لزموه، ولا يتركون شيئًا علموا فضله عن رسول الله.
وتأمل يا أخا الإسلام في حديث السنن الرواتب الذي روته أم حبيبة وماذا قال رواته عن أنفسهم لما علموا به.
روى مسلم من طريق النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ ) )قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ.
إخوة الإسلام، ثم يحافظ المسلم بعد الفرائض والرواتب على الصلوات المسماة بالنوافل وهي: قيام الليل، وصلاة الوتر، وصلاة الضحى، فيحافظ المسلم على قيام الليل بإحدى عشرة ركعة أو بتسع ركعات أو بسبع أو بخمس، أو بثلاث، أو يوتر بواحدة فقط، ويصلي الضحى أربع ركعات أو اثنتين.
قال رسول الله لعبد الله بن عمرو: (( يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) )متفق عليه.
وقال: (( أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) )رواه مسلم، وكان النبي لا يدع الوتر حضرًا وسفرًا، وكان بعض السلف لايقبل شهادة الذي لا يوتر، والإمام أبوحنيفة يوجب الوتر، وكل ذلك يدل على تأكده، وفي الحديث عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قال: (( الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ ) )رواه أبوداود والنسائي ورجح وقفه وصححه الألباني.
وأما صلاة الضحى فقد قالت: عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله) رواه مسلم. وعن أنس قال: (( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ) )رواه مسلم. أي حين تشتد الرمضاء في أواسط الضحى على صغار الإبل.
معاشر المسلمين، ويحرص المسلم أيضًا على أن يكون من الذاكرين الله كثيرًا طيلة يومه فيحرص على أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والاستيقاظ والأذكار الواردة عقب الصلوات المفروضة وأذكار المناسبات في البدء والفراغ من الوضوء والطعام ونحوهما وفي الدخول والخروج من المسجد والمنزل والخلاء ونحو ذلك.
عملًا بأدلة كثيرة متضافرة متظافرة من كتاب الله يقول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?ذْكُرُواْ ?للَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41، 42] ، ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ?للَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ?للَّهِ تَطْمَئِنُّ ?لْقُلُوبُ [الرعد:28] ، وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ?لشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء ?لَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ?لنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى? [طه:130] ، فَسُبْحَانَ ?للَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ?لْحَمْدُ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17، 18] ، وَ?صْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ ?لَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَإِدْبَـ?رَ ?لنُّجُومِ [الطور:48، 49] .
معاشر المسلمين، ويحرص المسلم في يومه وليلته على كتاب الله تعالى حفظًا وقراءة وتدبرًا بحيث يكون له حزب أو ورد يومي يحافظ عليه، سواء كان حفظًا أو تلاوة، وقد كان من هدي السلف تحزيب القرآن وتقسيمه فمنهم من يقسمه على شهر، ومنهم ومن يقسمه على سبعة أيام، ومنهم من يختمه في ثلاث ليال، وقد أرشد النبي عبد الله بن عمرو إلى ختمه كل شهر كما في الصحيحين، فلما قال: إني أطيق أكثر من ذلك أرشده النبي إلى ختمه في أقل من ذلك بحيث لا يقل عن ثلاثة أيام.
ولو تفكر المسلمون في عظيم ثواب قراءة القرآن لما فرط فيها هذا التفريط الملحوظ عند كثير من المسلمين.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: (( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ ) )فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: (( أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ ) )رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ ) )قُلْنَا نَعَمْ قَالَ: (( فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ ) )رواه مسلم أيضًا.
إنه أجر عظيم ذلك المترتب على قراءة القرآن.
ولو حرص المسلم على التبكير لصلاة الجماعة لاجتمعت له أجور وفضائل عظيمة، فهو ينال أجر التبكير إلى الصلاة ويدرك تكبيرة الإحرام والصف الأول ثم يقرأ آيات من كتاب الله تعالى يحصل بها الأجر العظيم، ويستطيع بذلك أن يختم القرآن في أقل من الشهر دون عناء أو تكلف، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وصلاته تختلف عن صلاة ذلك الرجل الذي يأتي ولم ينفصل قلبه عن الدنيا فجثمانه في المسجد وقلبه في السوق، ففرق ما بين الصلاتين كالفرق مابين السماء والأرض.
ولما كان التبكير إلى الصلاة فيه كل هذه الفوائد وزيادة عليها، حرص الشيطان الرجيم على إضلال المسلمين عن حيازة هذه الأجور العظيمة فنرى التقصير في شأن الصلاة حتى من كثير من المنتسبين إلى الخير، نسال الله للجميع التوفيق والهداية.
معاشر المسلمين، وينبغي أن يحرص المسلم أيضًا على بعض الأعمال الدورية وإن لم تكن يومية كالتبكير إلى صلاة الجمعة وصيام الإثنين والخميس وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام الستة أيام من شوال وصيام يوم عرفة وصيام يوم عاشوراء وغير ذلك وقد ورد في فضل ذلك أحاديث كثيرة يطول الحديث ببسطها.
ولو تأملنا هذا الحديث في فضل صيام التطوع لعلمنا ماللصيام من منزلة عظيمة في هذا الدين العظيم، يقول رسول الهدى: (( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ) )متفق عليه من حديث أبي سعيد. يبعد الله وجه الصائم عن النار سبعين سنة، فعليكم إخوة الإسلام بصيام التطوع لما فيه من الفضل العظيم، وقد أوصى النبي الشباب الأيامى بالصيام ابتغاء الثواب ولمصالح أخرى، فهم في الوصية بالصيام مخصوصون أكثر من غيرهم فعليكم بالصيام يا شباب الإسلام فإنه لكم وجاء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أما بعد:
فيا عباد الله، هذا هو عمل اليوم والليلة، الذي يكون به التفاضل بين الصالحين وغيرهم، ليس التفاضل بالمظهر فقط وإنما بالعمل أيضًا، ونرى أناسًا ظاهرهم الاستقامة قد قصروا في هذا الأعمال المعروفة عندهم تقصيرًا عظيمًا، ونرى أناسًا يحرصون على كثير من أعمال اليوم والليلة لكنهم يقصرون في بعض أوامر الله المتعلقة بالمظهر فلا تظهر عليهم علامات الاستقامة.
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كعجز القادرين عن التمام.
نطمع منكم ياشباب الصحوة والاستقامة أن تكونوا أنتم القدوات السباقة لأعمال اليوم والليلة، ونطمع منكم يا من حرصتم على كثير من أعمال اليوم والليلة ولم تظهر عليكم مراعاة المظهر الإسلامي في شعر الوجه والثوب ونحوها أن تراعوا هذه الأمور بدءًا من اليوم، فالله تعالى يقول: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?دْخُلُواْ فِي ?لسّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] ، فلا بد أن نأخذ الدين بجميع جوانبه ونحيط به ولا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ولا نعمل ببعض ونترك البعض.
إخوة الإسلام، لمَ لا نطبق ما نعلمه وما نتعلمه؟ إن هذه مشكلة كبرى، كل فرد تقع منه ينبغي أن يحاسب نفسه جيدًا، والموفق من وفقه الله لتدارك هذا الأمر العظيم أسأل الله أن يوفقنا جميعًا للعمل بالعلم والدعوة إليه.
إخوة الإسلام، كان يثنى في أحد المجالس على أحد طلبة العلم المعروفين فأكثر الناس في الثناء عليه فقال أحدهم: هو باختصار لا يتميز عن غيره إلا بأمر واحد، فقيل كل هذه الفضائل وكل هذا الثناء وهو لا يتميز إلا بأمر واحد قال: إن جميع مزاياه يجمعها أمر واحد هو أن يعمل بما يعلم وهذه والله مزية أي مزية، وهي المزية التي عجز عنها الكثير نسأل الله أن يجعل علمنا حجة لنا ولا يجعله حجة علينا.
معاشر المسلمين، ومهما عملنا من الأعمال الصالحات فإن شرط ذلك هو ترك المعاصي والمنكرات فإنها هي فساد العمل وهي التي تضيع أجره ولكي نتبين أهمية ذلك فلنتأمل هذين الحديثين َعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ) )قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) )رواه مسلم وغيره.
وعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) )، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: (( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) )رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
اللهم أنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات واحفظهم في أفراحهم من المنكرات وبارك لهم في أوقاتهم وأموالهم وأولادهم واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، واحفظهم من نزغات الشيطان ياحي يا قيوم.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد...