فهرس الكتاب

الصفحة 1561 من 5777

علاج الضعف في الأمة

العلم والدعوة والجهاد, قضايا في الاعتقاد

الاتباع, القتال والجهاد, قضايا دعوية

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-الأمر بكف اليد عن العدو في فجر الدعوة الإسلامية. 2- بعض صور الأذى تلك صبر

عليها المسلمون في تلك المرحلة. 3- تمسك الصحابة بهدي القرآن والسنة سبب عزهم. 4-

أمثلة ذلك في سيرهم. 5- خطورة الحيدة عن الكتاب والسنة ومحاربة من تمسك بهما.

أيها الإخوة: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وإن من هدايته للأمة معالجته لحالة المسلمين إذا ما كانوا في ضعف وقلة وكان العدو أكثر وأقوى مثل ما كان عليه المؤمنون في بداية الدعوة المكية، وذلك بالإخلاص وصدق التوجه إلى الله تعالى.. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد الكفار في مكة بالقرآن حيث قال تعالى: وجاهدهم به جهاداَ كبيرًا وقد جاء القرآن بالأمر بكف اليد حينما كان المسلمون قلة وضعفاء، قال تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة. وجاء في القصص القرآني ما يساعد المؤمنين على ذلك ويثبتهم مثل قصة نوح عليه السلام مع قومه، ويوسف عليه السلام وما حصل له، وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وهكذا سار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النهج فربى أصحابه على الالتزام بشرع الله والصبر على الأذى فيه ولم يأذن لهم إلا بالهجرة إلى الحبشة حتى يقيموا شعائر الله دون أذى ولا اضطهاد.

ولقد جاء أحد الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد عند الكعبة فقال يا رسول الله ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟.. فماذا كان رد النبي صلى الله عليه وسلم؟.. قال: (( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه.. ولكنكم قوم تستعجلون ) )، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك الصبر وصدق التوجه إلى الله لم يمنع المؤمن من حق الدفاع عن النفس والصدع بالحق وإغاظة الكفار والمشركين بإظهار شعائر الدين من صلاة وطواف بالبيت وقراءة للقرآن، كل بحسبه وبقدر ما يتحمل من ردة فعل تجاهه من قومه ومن الكفار، كما حصل بعد إسلام عمر وخروجه أمام الناس، وإعلان ذلك حتى ضربوه وضاربهم حتى تعب.. وقصة الرفع بالصوت عند تلاوة القرآن من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وما لقيه من أذى وضرب بسبب ذلك، وقصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بين الركنين وما لقيه بسبب ذلك من أبي جهل عليه لعنة الله حيث وضع على ظهره الشريف سلا الجزور، وغيرها كثير وكثير، حتى كثر المسلمون الموحدون الصادقون الصابرون فأذن لهم بالهجرة، ثم أذن لهم بالقتال وجهاد الكفار بعد أن أصبح لهم دولة وكيان. فكانوا كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يربيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم الحكمة والالتزام بالسنة النبوية.. هذه التربية سواء عن طريق الخطب والدروس والمواعظ، أو بالممارسة الفعلية كما حصل في صلح الحديبية حينما كبر على المسلمين أن يعودوا دون طواف بالبيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم أمامهم ونحر هديه وحلق رأسه فحينما رأوه، قاموا وفعلوا مثله.

هذه التربية على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم جاء أثرها وقطفت ثمارها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فكان أول درس طبق في ذلك، موقف أبي بكر رضي الله عنه من الجيش الذي كان تحت قيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه وهو ابن ثمانية عشر عامًا، وكان في الجيش أبو بكر وعمر، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وما زال الجيش بالمدينة لم يخرج منها، وبعد أن تولى أبو بكر أمر المسلمين أراد بعض الصحابة أن لا يخرج الجيش حتى يتم ترسية قواعد الدولة الإسلامية في خلافة أبى بكر، ولكن أبا بكر قال: (كيف أحل لواء عقده النبي صلى الله عليه وسلم؟) فأمضى الجيش وخرج في وداعه، وطلب من قائده أن يأذن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في البقاء معه في المدينة ليستعين بن الخليفة في تصريف شؤون الدولة فأذن له القائد بالبقاء مع الخليفة - فماذا كان أثر ذلك؟ لقد لقي هذا الجيش خيرًا كثيرًا، وكان في خروجه للجهاد في سبيل الله أثر على القبائل والدول المجاورة حيث دخل الرعب في قلوبهم وقالوا: لو لا أن هذه الدولة قوية لما أخرجوا هذا الجيش للجهاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد تمسك الصحابة بهدي القرآن الذي أمرهم بالتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والسير عليها في جميع شؤونهم. ولو نظرنا إلى أفعالهم وأقوالهم حتى فيما كتبوه للولاة والقادة والتزامهم في قيادة الأمة وقيادة الجيوش بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه، مثل ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأثر ذلك على الأمة، لعرفنا أن النصر والتمكين والعز لا يكون إلا بذلك إلا بما ساروا عليه من الالتزام بالشرع وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

لنأخذ مثالًا واحدًا لمعركة من المعارك الفاصلة في الإسلام، إنها معركة نهاوند التي تسمى فتح الفتوح في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الحادية والعشرين من الهجرة بعد فتح المدائن، حيث تجمع الفرس وبلغ عدد القوات أكثر من مائة وخمسين ألف مقاتل وتحصنوا في حصون منيعة وحفروا الخنادق، فاجتمع قادة الجيش بالقائد النعمان رضي الله عنه وقرروا إرسال طليعة من الجيش تستفز المجوس، فإذا ما غضبوا خرجوا من حصونهم وعندها يظهر المسلمون الانهزام أمام المجوس مما يجعلهم يلاحقونهم ظنًا منهم أنهم هزموا، فإذا ما وصلت الطليعة المسلمة إلى بقية جيش المسلمين أظهروا أيضًا الانهزام جميعهم حتى يبتعد المجوس عن حصونهم وخنادقهم، عندها يكر المسلمون عليهم ويقاتلونهم حتى يقضي الله فيهم أمرًا كان مفعولًا، طبقت هذه الخطة. علمًا أن جيش المسلمين في هذه المعركة لا يتعدى ثلاثين ألف مقاتل أي ما يقارب خُمس جيش العدو، ولقد قامت فرقة من الجيش بالمهمة المنوطة بها واستفزوا المجوس فخرجوا وراءهم فتظاهر المسلمون بالهرب والهزيمة حتى وصلوا إلى بقية الجيش فانسحب الجيش كله متظاهرًا بالهزيمة والهرب، ففرج الأعداء وخرجوا من حصونهم ومن خنادقهم وأخذوا في محاولة اللحاق بالمسلمين وأخذوا في رميهم بالنبال فاستأذن الجند بعد أن ابتعدوا عن نهاوند في الكر على المجوس، ولكن القائد لم يأذن لهم وبدأت النبال تصل إليهم وتثخن فيهم الجراح، فطلبوا من القائد أن يأذن لهم بالرد والكر عليهم، ولكنه لم يأذن بذلك، فسأله بعض الجيش لماذا لم تأذن لنا ونحن أثخنتنا الجراح؟ فقال: ما منعني من ذلك إلا شيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنه لم يقاتل أول النهار، لم يعجل حتى تحضر الصلاة صلاة الظهر وتهب الرياح ويطيب القتال، فما منعني إلا ذلك.. وفعلًا بعد الزوال صلى المسلمون صلاة الظهر ثم كبر القائد إيذانًا بالكر على العدو وقاتلهم وقال: (اللهم اعزز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم) فقال الجميع: آمين وبكوا وانقضوا على الأعداء وتصافحت السيوف ولاحت بوادر النصر وانتهت المعركة بنصر مؤزر وباستشهاد القائد الذي التزم بشرع الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان فيها خيرًا كثيرًا والتي فيها كل المقومات والأسباب للفوز والنصر وصدق الله حيث قال: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

لو استعرضنا أيها الإخوة: تاريخ الخلفاء الراشدين وسيرة الصحابة المهديين رضي الله عنهم أجمعين لوجدنا فيها من المواقف التي تبين مقدار حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، مما جعلهم يتمسكون بسنته ولا يحيدون عنها قيد أنمله وهذا مما جعلهم في عز وتمكين ففتحوا بلاد العالم ونشروا العلم والدين وأقاموا شعائره في مشارق الأرض ومغاربها وصدق الله حيث قال: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ولن تعود الأمة الإسلامية إلى ذلك المجد والعز والتمكين إلا بالسير على نفس الخطى وعلى نفس المنهج الذي سار عليه الصحابة رضي الله عنهم.

وإن من العجب أن يعلم الجميع ذلك ويعرف أن علاج الضعف في المجتمع المسلم - وأن عودة قوته وعزته ومجده لا يكون إلا بالتمسك بالدين وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم بفهم الصحابة وتطبيقهم، ثم لا يسعى إلى تحقيق ذلك ؟، وخاصة ممن تولى أمر المسلمين، بل إننا نرى في بعض بلاد المسلمين محاربة وظلمًا وعدوانًا على كل من يتمسك بالسنة ويطالب بتحقيقها. حتى أن في بعض بلاد المسلمين يرون ذلك تطرفًا وإرهابًا. وعند البعض يرى ذلك تشددًا وتزمتًا لا داعي له، وعند آخرين يرى ذلك دينًا جديدًا لم يعْهدوه من قبل فيستهزئون ويسخرون ويتندرون بالملتزمين بالسنة النبوية.

إن من يرمي الملتزمين بالسنة بالتشدد أو التطرف فإنما هو يرمي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بهذه الأوصاف.. إن النبي صلى الله عليه وسلم قام بتربية أصحابه على الالتزام بالشرع وبكل ما جاء به النبي دون زيادة ولا نقص، وكذلك الصحابة ربوا أبناءهم وطلابهم وجميع أفراد المجتمع على ذلك، فهذا صحابي لا أريد أن أذكر الأسماء والشخصيات فهذه الحوادث التي سأذكرها الآن ثابتة في كتب السنة وهي صحيحة - صحابي يرى قريبه يخذف بالحصى، تعرفون ما الخذف؟ إنه رمي حصاة - بقدر الحمص - بالسبابتين، يضعها الشخص بين سبابتيه ويرمي بها فحينما رأى الصحابي ذلك الشخص وهو قريب له يخذف. قال له: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف) فاستمر ذلك الرجل يخذف فقال الصحابي: (أقول لك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف ثم تخذف. والله لا أكلمك أبدًا) .

هكذا حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب سنته، هكذا الغيرة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا تنازل عنها، ولا تساهل مع من لا يقدرها ولا يقدمها على رغباته وشهواته فهل هذا تشدد أو تطرف ؟!. لا والله بل هذا هو الحق، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون.. وهذا هو معنى حب النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقي.

وهذا صحابي آخر يحدث بالأحاديث التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما روى الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تَفِلات ) )أي غير متزينات، فرد ابنه الشاب المتحمس غيرة على النساء، على قريباته ومحارمه، فقال: والله لنمنعهن. فقال والده: أحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فترد برأيك وتخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم؟ والله لا أكلمك أبدًا. فبقي والده لا يكلمه حتى مات، رغم محاولات كثيرة من الأقارب لثني الأب عن هجره لابنه، والتكفير عن يمينه إلا أنه أصر على هجره حتى مات ولم يكلم ابنه.

وهكذا كانت مواقف الصحابة مع المخالفين وأهل البدع من الناس أو من الحكام، والتي تبين أهمية السنة النبوية في قلوب المتمسكين بها ومقدار محبتهم لمن سنها لهم صلى الله عليه وسلم.. فأين الأمة الآن من هذه السنة؟.كيف نرى الضعف والذلة والهوان في مجتمعاتنا الإسلامية ولا نسعى للرفع من قوتنا وعزتنا؟.. يقولون: نحن لا نستطيع إعلان الجهاد في سبيل الله، فالتقنية لدينا متأخرة، وجيوشنا ليست في مستوى جيوش الكفار من اليهود والنصارى.. وأمور أخرى كثيرة لا تسمح لنا بمجابهتهم الآن، فنقول لهم: إذًا لنبدأ بأنفسنا لنبدأ بتحكيم شرع الله وإقامة الحدود وإقامة شعائر الإسلام في جميع البلدان الإسلامية والإعلان أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، فلا قومية ولا وطنية، ونمنع كل ما يخالف شرعنا فلا عبودية إلا لله وحده، ونهدم كل مكان يعبد فيه غير الله سواء كان قبرًا أو حجرًا أو شجرًا.

ويلزم ولاة الأمور في بلاد المسلمين أنفسهم بذلك ثم نبدأ بتطبيق السنة النبوية كما فعل الخلفاء الراشدون وبقية الصحابة وكما سار عليه سلفنا الصالح، فيعفي الرجال اللحى وتتحجب النساء ويمنع الاختلاط وتقام صلاة الجماعة في المساجد وتمنع المنكرات من الأسواق والبيوت والمجتمعات، ويمنع كل ما هو مخالف للشرع وللسنة فلا بنوك ربوية ولا صور نساء ولا مجلات خليعة ولا معازف ولا رقص ولا أعياد وطنية ولا قومية حتى المسابقات الرياضية تكون موافقة للسنة، وتكون في الجري وفي السباحة أو الرماية أو ركوب الخيل وغيرها من الرياضات المفيدة، ولا يكون الهدف منها إلا تربية الشباب التربية الإيمانية الرشيدة لتي تهيئهم للجهاد في المستقبل، إذا ما أصبحنا قادرين على الجهاد ومواجهة الأعداء.

وهكذا. نربي أنفسنا رويدًا رويدًا داخل مجتمعاتنا، ولا نسمح للمنافقين وأشياعهم، أو لدعاة الحزبية وأهل البدع بممارسة أي دور مؤثر على شبابنا داخل البلاد الإسلامية حتى لا يفسدوا الأمة ويبعدوها عن الصراط المستقيم.. فهل في هذا صعوبة على من تولى أمر المسلمين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت