فهرس الكتاب

الصفحة 2452 من 5777

وما تخفي صدورهم أكبر

الإيمان, العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم, الولاء والبراء

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-فضل أمة محمد. 2- شروط النصر. 3- حال العالم الإسلامي المزري. 4- كيد أعداء الإسلام بالمسلمين. 5- ضرورة اللجوء إلى الله تعالى. 6- اليهود أمة الغدر والخيانة.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، يقول الله جل جلاله: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ?لَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ أَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَآتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَمَرُواْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَـ?قِبَةُ ?لأمُورِ [الحج:40، 41] .

أمة الإسلام، أمةُ محمد أمةٌ مرحومة، وأمة منصورة، وأمة معصومةٌ أن تجتمع على خطأ وباطل، أمةٌ اختارها الله، فجعلها خير الأمم وأفضلَها، وجعل غيرَها تابعًا لها، فهي أمةٌ متبوعة، لا أمة تابعة لغيرها، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ [آل عمران:110] ، أمةٌ منصورة، وحقًا إن النصرَ مضمونٌ لها، ولكنه مشروط بنصرةِ دين الله، وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ ، والناصر لله هو الناصر لدينه، المقيم لشرعه، المحكِّم له، العالِمُ به، فهذا هو الناصر لدين الله جل وعلا.

وهذا النصر له علاماتٌ واضحة، وقد بيَّن الله في هذه الآية أسبابَ النصر بقوله: ?لَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ أَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَمَرُواْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَـ?قِبَةُ ?لأمُورِ. فالمنفِّذون لفرائض الإسلام والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم الذين ينالهم نصر الله وتأييدُه، والله تعالى قادر أن ينصر دينَه بلا قوّة من البشر، ولكنه الابتلاء والامتحان، وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـ?كِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] ، ويقول جل وعلا مخبرًا عبادَه المؤمنين بأسباب نصره لهم بقوله: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، فنصرُ الله مشروط بأن ينصرَ المسلمون ربَّهم، بأن ينصروا دينَه، وينصروا شريعتَه، ويقوموا بها علمًا وعملًا، فإذا قاموا بذلك تحقَّق وعدُ الله، وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا [النور:55] ، فهؤلاء المستحقّون لوعد الله بفضل الله وكرمه.

أمة الإسلام، العالم الإسلامي يمرّ بمنعطفٍ خطير، عالمُنا الإسلامي اليومَ مستهدفٌ دينُه، مستهدفة أخلاقه وقيمُه، أعداؤه تكالبوا على الإسلام وأهله، في كل بقاع الأرض يحاولون اجتثاثَ هذا الدين من الأرض، ولكن يأبى الله إلا أن يتمَّ نورَه ولو كره الكافرون، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ?للَّهِ بِأَفْو?هِهِمْ وَ?للَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْكَـ?فِرُونَ [الصف:8] .

هذا الدين دينٌ لا يزال باقيًا إلى أن يأذن الله بقيام الساعة، لا يزال هذا الدين باقيًا، ولا يزال في الأرض من يقيم حجةَ الله، وفي الحديث: (( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) ) [1] .

أمةَ الإسلام، ضعفُ الأمة الإسلامية ضعفُ المسلمين ووهنُهم وذلتهم إنما سببها الإعراض عن الله، الإعراض عن دينه، عدمُ القيام بما أوجب الله، عدم الثقة بدين الله، عدم الالتجاء والاضطرار إلى الله.

إن الله جل وعلا أخبرنا في كتابه بقوله: إِن يَنصُرْكُمُ ?للَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ?لَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] . إن الأمة حينما تريد النصرَ من غير الله، وتمدُّ يدها هنا وهناك، وتلتجئ إلى غير الله، إلى أعدائها ليكشفوا ضرَّها، ويرفعوا بلاءها، ذَلِكَ هُوَ ?لْخُسْرَانُ ?لْمُبِينُ [الزمر:15] . إن عدوَك لا يمكن أن ينصرَك، ولا أن يقف معك أيَّ موقف شئت، فإنه العدو اللدود لك ولدينك، وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] ، هذه أمنيتُهم أن يكون الناس كفارًا كما كانوا كفارًا، وأن يكونوا على ضلال وباطل كما هم عليه، ويخبرنا تعالى أن مودَّتهم لنا مستحيلة، وأنهم يكنُّون البغضاءَ والعداء لنا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] ، صدق الله وبلَّغ رسوله، إن ما تخفي صدورهم أكبر، وحقًا ما يخفونه من بغضنا وعدائنا وكراهيتنا أمر عظيم في غاية العظمة والكثرة.

أمة الإسلام، إن أعدائنا من خلال منظماتهم وهيئاتهم إنما يقصدون عداءَ الإسلام وأهله، يتشبّثون دائمًا بترّهات يرونها وسيلةً لهم لضرب الأمة الإسلامية والقضاء عليها، يتشبَّثون بالإرهاب عند العالم الإسلامي، وإنهم أهلُ الإرهاب والحاملون للوائه بظلمهم وعدوانهم وتسلّطهم على المسلمين وإمدادهم عدوَّ الأمة بكل ما يملكون من قوة. إنه العداء الصريح للإسلام وأهله، فواجبُ الأمة الرجوعُ إلى الله، والالتجاء إلى الله، مع الأخذ بالأسباب النافعة المنجية، مع الاعتماد على الله والالتجاء إليه، والاضطرار إليه، والله ناصرٌ دينَه ومن ينصر دينَه.

إن محمدًا أفضلُ الخلق على الإطلاق، إنه أخذ بكل سبب نافع مع التجائه إلى الله، واستعانته بالله، وثقته بالله، واستمداده النصر من رب العالمين، قال تعالى: وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَكِيمِ [آل عمران:126] ، وقال: إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ?لْمَلَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لرُّعْبَ فَ?ضْرِبُواْ فَوْقَ ?لأعْنَـ?قِ وَ?ضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] .

فنصر الله لن ينقطع، ونصر الله باقٍ لمن أتى بأسباب النصر، أما الأعداء فلا نصر عندهم، ولا عون عندهم، كيف ترجو النصر ممن هو عدوٌّ لك؟! كيف ترجو المددَ ممن يحاول القضاء عليك؟! كيف ترجو التأييد ممن هو ضدُّك في كل الأحوال؟! فهو عدوُّك اللدود الذي يفرح بذلِّك وهوانك، ويحزن إن رأى منك قوةً وعزة، لكن الأمة إذا تمسَّكت بدينها حقَّ التمسك، وربَّت أبناءَها على هذا الدين علمًا وعملًا، وقامت بما أوجب الله فالنصر من الله آت، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] ، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ [غافر:51] . أما الأعداء من خلال هيئاتهم ومنظماتهم فكلُّها لا قيمة لها، وكلها لا حقيقة لها، هي موجَّهة ضدَّ الإسلام وأهله، إن يكن الأمر لهم جعلوها وسيلة لما يريدون، وإن يكن الأمر ضدَّهم لن يبالوا بها ولا بقراراتها، ولكنهم يصبُّون سخطَهم وغضبَهم على الإسلام وأهله، تكاتفوا على الإسلام.

إن أمة الإسلام تعيش فرقةً واختلافًا وتباينًا في الآراء مما مكَّن الأعداء من مرادهم، فليحذر المسلمون ذلك، وليتقوا الله، وليصحِّحوا أوضاعهم، وليعلموا أنه لا نجاة لهم من عدوهم ومكائد عدوهم إلا برجوعٍ إلى الله، وتمسك بدين الله، واعتصامٍ بحبل الله، وتعاون على البر والتقوى، فَعَسَى ?للَّهُ أَن يَأْتِىَ بِ?لْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ [المائدة:52] .

إن أمة الإسلام اليوم في بلاء وامتحان، وما ذاك إلا بإعراضهم عن دين الله، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] ، فالعدو المأفون إذا قوبل بالإيمان الصادق والعزيمة الصادقة والإخلاص لله فإنه أذلّ خلق الله، ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ?لذّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ?للَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ?لنَّاسِ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ?للَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ?لْمَسْكَنَةُ ذ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِئَايَـ?تِ ?للَّهِ وَيَقْتُلُونَ ?لأنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ ذ?لِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [آل عمران:112] .

إن الذلةَ مضروبة عليهم، فهم أذلّ خلق الله، لكن إنْ واجهتهم قوةٌ إيمانية مستعينة بالله، معتمدة على الله، آخذة بكل سبب نافع، مؤمنة بأن النصر بيد الله، ينصر عبادَه وأولياءه إذا عظَّموا الله وقاموا بما أوجب عليهم، فلا بد لنصر الله لهم، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .

فالله ناصرٌ لدينه، وناصر لأوليائه إن صدقوا الله، وقويت عزائمُهم، وصدقت نواياهم، وابتعدوا عن معاصي الله، فإن مخالفةَ شرع الله وارتكابَ محارم الله أعظمُ من نكاية العدو عليهم، فليقابلوا عدوَّهم بالإيمان الصادق، والثقة بالله، والبعد عن محارم الله، والله لا بد أن ينصر دينه، وإن ابتلي العباد أحيانًا فالعاقبة للمتقين. جعلني الله وإياكم من المتقين في الأقوال والأعمال.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في المناقب (3641) ، ومسلم في الإمارة (1037) من حديث معاوية رضي الله عنه بنحوه، وورد عن غيره من الصحابة.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن الله يقول عن أعدائه اليهود: وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمُ [المائدة:13] . فالخيانة والغدْر من أخلاقهم وصفاتهم وأعمالهم، فكيف يرجو الناس منهم خيرًا؟! كيف يؤمِّلون في مواعيدهم واتفاقياتهم؟! إن كلَّ اتفاقياتٍ معهم وكلَّ أمر معهم فمآله إلى النقض والفشل، فهم أعداء الله، لا يرضيهم إلا القضاءُ على الإسلام وأهله، أعداءُ الله لا يرضيهم إلا القضاء على الإسلام وأهله، أعداء الله لا يرضيهم إلا إذلالُ المسلمين.

فليتق المسلمون ربهم، وليعملوا بشرعه، وليعتمدوا عليه، وليثقوا بنصره، بعد قيامهم بما أوجب عليهم خيرَ القيام، فذاك من أسباب نصرهم، وأما تخاذلٌ ووعودٌ وأماني من مواثيق ومؤتمرات ونحوه فهي لا تحقِّق للمسلمين شيئًا، ولا تفيدهم شيئًا؛ لأن المبرمين لها هم أعداؤنا، فلا يغرُّونا بوعودهم ولا بكلِّ ما يقولون، فالمسلمون عليهم تقوى الله في كل أمورهم، والتمسكُ بدين الله، فعسى الله أن يمدهم بنصره وتأييده، وَمَا ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:17] .

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت