فهرس الكتاب

الصفحة 3290 من 5777

خطر المجاهرة بالمعاصي

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-تعظيم المؤمن لحُرُمات الله تعالى. 2- موقف المؤمن إذا زلّت به القدم. 3- هلاك المجاهرين بالمعاصي. 4- التحذير من إشاعة الفاحشة. 5- التحذير من صُحبة دعاة الرذيلة. 6- الحثّ على استخدام التقنية الحديثة فيما يخدم الإسلام.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، في قلبِ المؤمنِ تعظيمٌ لحرماتِ الله، وفي قلبِ المؤمنِ تعظيمٌ لشعائِر الله، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30] ، وفي الآية الأخرى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] . فتعظيمُ العبدِ لنواهي الله تعظيمُه لحرُماتِ الله يقتضي البُعدَ عنها وعدمَ مواقعَتها والبعدَ عن كلِّ سببٍ يقرِّبه إليها. وتعظيمُ الشعائر تعظيمُ الأوامِر بالامتثال والإسراع في الأداء.

أيّها المسلم، كَونُ المؤمن يعظِّم حرُماتِ الله وكونه يتَّقي الوقوعَ فيها هذا ناتجٌ عمّا وقر في قلبِه من الإيمانِ بالله، فإنّ القلبَ إذا استقرَّ فيه الإيمانُ وعظُم فيه الإيمان ظهرت آثارُ ذلك عَلى الجوارِح، في الحديث يقول: (( ألا إنَّ في الجسَد مضغةً إذا صلَحت صلَح لها الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدت فسَد لها الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب ) ) [1] .

أيّها المسلم، المؤمن حقًّا يعتقِد تحريمَ ما حرَّم الله ويدين لله بذلك، فالمحرَّمات التي حرَّمَها الله عليه في كتابه هو مؤمنٌ بحرمَتِها، موقنٌ بذلك، سامعٌ مستجيب، لا يرتاب ولا يشكّ، فإنَّ المؤمن حقًّا يحرِّم ما حرَّم الله، ويعتقِد ذلك دينًا يدين الله به، ولكن إذا زلَّت به القدمُ يومًا وضعفت نفسُه وتسلَّط عليه عدوُّه فوقع في معصيةٍ ما من المعاصي وجريمةٍ ما من الجرائم فما هو حاله؟ وما موقفُه؟

نعم أيّها المؤمن، إنّ موقفَه ندمٌ واستغفارٌ وأسَف شديدٌ وحياءٌ من الله وخشيةٌ من الله، كلّما تذكَّر معصيتَه ندِم عليها، وحزن عليها، والتجأ إلى الله ليتوبَ عليه منها ويمحوَ خطأه ويعفوَ عن زلَلِه. إذًا فالمعصية ينظُر إليها مِن نظَر الحياء من الله والخوفِ من الله؛ لأنه يعلمُ حرمَتَها، لكن زلَّ به القدَم.

وقد أرشَد الله الأبَوين لمّا أكلا من تِلكم الشجرة التي نهاهم الله عن أكلِها بقوله عنهما أنهما قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] . هكذا كان الأبوان عليهما السلام، وهي أيضًا طريقةٌ يكون عليها كلُّ مسلِم، ولذا قال الله عن يونسَ عليه السلام لما التقَمه الحوت في البحر، قال في دعائه: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ، فيُرجِع الخطأَ والنقصَ والتقصير إلى نفسه الأمَّارة بالسوء.

أيّها المسلم، في قلبِ العبدِ المؤمن حياءٌ من الله وخوفٌ منه يدعوه دائمًا إلى النَّدم والتّوبة.

أخي المسلم، إنَّ المجاهرةَ بالمعاصي والتفاخرَ بها والتحدُّث بها ومحاولَة إشاعتها ونشرها بين أفراد المجتمع لا يقع إلاَّ من قلبٍ ضَعُف فيه الإيمان وقلَّ فيه الحياء، ولذا جاء في الصّحيح عنه قال: (( كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإنَّ مِن المجاهرةِ أن يعملَ الرجلُ العملَ بالليل، فيصبح وقد ستَره الله، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحةَ كذا وكذا، أصبح وقد ستَره الله، فيهتِك سِترَ الله عليه ) ) [2] .

فتأمّل ـ أخي ـ هذا الحديثَ تأمّلًا جيِّدًا، نبيُّنا يقول لنا: (( كلُّ أمتي مُعافى إلاّ المجاهرين ) )، كلُّ مَن أخطأ وزلَّت قدمه فهو معافًى إن تاب وندِم ورجع واستغفرَ وأناب، لكنِ المجاهرون بالمعاصي هم على خطرٍ عظيم، أولئك الذين يجهَرون بإجرامهم، ويتبجَّحون بأخطائهم، ويُلقون ثوبَ الحياء، ويعدُّون الجرائمَ والأخطاءَ، وينشرونها بين الناس، جمعوا بين خطَأ وقعوا فيه وبين نشرٍ للفاحشةِ وترويجٍ لها ودعوةٍ إليها، فهؤلاء دعاةُ سوء ودعاةُ إجرام ودُعاة فساد وناشرون للرّذيلة، أعاذنا الله وإيّاكم من شرِّ أنفسِنا والشيطان. ما كفى واحدًا مِنهم أن أخطأَ، ما كفاه خطؤُه، ما كفاه ذنبُه وزَلَلُه، إلى أن تجاوزَ الحدَّ أن ينشرَ الجريمةِ ويشيعَها بين الناس، لا حياءَ من الله، ثمّ لا خجلَ من عبادِ الله.

أولئك المجاهرون ليسوا بمعافَين من أخطائهم، بل هم والعياذُ بالله قد يكون في قلوبهم مرضُ النفاق والشهوات؛ لأنهم لم يقتَصروا في الذّنب على فِعله، وإنما نشروه وأذاعوه وأشاعوه، ودعَوا الناسَ إليه، وأسفروا عن نفوسٍ وقِحة وقلوبٍ مَريضة، خِلوة من الخير والحياء والعياذ بالله. وفي الحديث: (( إنّ مما أدركَ الناس من كلامِ النبوّة الأولى: إذا لم تستحيِ فاصنَع ما شِئتَ ) ) [3] . ذنبُهم يسيرٌ بالنّسبة إلى نشرِهم للجريمةِ وإشاعتهم لها وبثِّهم لها وما حصَل منهم من عُدوانٍ وإجرام على الآخرين.

أيّها المسلم، هذا الضّربُ من الناس الذين ابتُلوا بهذه المصائب إن لم يتدَاركهم الله بتوبةٍ نصوح ورُجوع إليه وإنابةٍ إليه يُخشَى عليهم من أن يكونوا من دعاةِ الضلال ومروِّجي الفَساد، يقول الله جل وعلا في حقِّ هؤلاء وأمثالهم: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] .

إنّ الله تعالى حذّرنا من أن نشيعَ الفاحشةَ أو أن ننشُرَها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] . الذين يُحبُّون أن تشيعَ الفاحشة يحبّون أن تنتشرَ ويحبّون أن يطّلعَ كلٌّ على هذه الجريمةِ وينظرَ إليها ويشاهدَها، ويعدّون أنفسَهم أبطالَ تلك الجريمةِ الذين استطاعوا إخراجَها بين الناس. جريمةٌ نكراء، فاحشةٌ قبيحة، ومواصلةُ جريمة، ومع الفِعل القبيح الشنيع لم يكتَفُوا بذلك حتى نشَروه بين الناس، وصوَّروه وجسَّدوه، ورأَوا أنفسَهم أنهم أحرارٌ فيما يعملون، وأنَّ هذا أمرٌ لا إشكالَ فيه، فعياذًا بالله من زَيغ القلب، كيف يرضى لنفسه بهذا الفعل القبيح؟!

إنّ الخطأ لا يُعصَم أحدٌ منه، فكلُّنا خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون، لكن أن يزيدَ على الجريمة نشرًا لها وتجسيدًا لها وبثَّ صُوَرها بين الناس هذا أمرٌ خطير ومنكَر شنيع، لا يرضى به مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ولذا يقول: (( كلّ أمّتي معافى إلاّ المجاهرين ) )، فالمجاهرون لن ينالَهم العفوُ لأنهم جمَعوا مع الجرم إشاعةَ الفاحشةِ والدعوةَ إليها وتعريفَ الجاهِل بها كيف يعملها، وهذا من المنكر الشّنيع، يبيت يستُره الله في سِتره، ثم يصبِح يهتِك سِتَر الله، يقول: يا فلان، فعلتُ وفعلت، سكِرت وفعلتُ الفاحشةَ وفعلتُ وفعلتُ، ليعدِّد للملأ إجرامَه، ويعرِّفهم بأخطائِه، ويكشف بينهم عورتَه، ويبدي لهم سَوأَته، فعياذًا بالله من زيغِ القلب.

إنّ المؤمنَ يخطئ، ولكن يتدارَك خطأَه، ويندَم من فعله، أمّا أن ينشرَ الجريمةَ بهذا الشّكل الفظيع فذاك والله منكر عظيم وخطرٌ شديد، لا يقرُّه مؤمِن يؤمِن بالله واليوم الآخِر.

يُصبح وقد ستَره الله، فيكشف سِتر الله عليه، ويتحدَّث بالجريمة وفِعلها وكيف واصَلها وكيف توسَّل إليها. هذا منكرٌ عظيم، ظلمٌ للإنسان، ظلمٌ لمن وقعَت عليه الفاحشة وعدوان عليه وعونٌ على المصائب والجرائِم، فليتَّق المسلم ربَّه، وليحافِظ على دينه، وليخشَ الله فيما يأتي ويذَر.

أيّها الإخوة، إنَّ ترويجَ الفاحِشة والدعوةَ إليها وبثَّ أشرطتِها من المنكراتِ العظيمةِ التي تدلُّ على انتزاع الحياءِ من أولئك وانعِدام روح الغَيرة في قلوبهم.

فاتّقوا الله ـ معاشرَ المسلمين ـ في أحوالكم كلِّها، وتستَّروا بسِتر الله عليكم، وفي الحديثِ: (( إيّاكم وهذه القاذوراتِ، ومن ابتُلي بشيء فليستتِر بستر الله ) ) [4] ، وليتبْ إلى الله، ومن تاب وندِم تاب الله عليه.

يقول بعض السلف: إنَّ المؤمنَ إذا عمِل المعصيةَ نظر إليها كجبلٍ يوشك أن يقعَ عليه لهمِّه وغمِّه وحُزنه، وإنّ المنافقَ أو الفاجرَ إذا عمِل المعصيةَ كأنها ذُباب وقع عَلى أنفِه فقال بيده هكذا. يعني لا يكتَرث منها، ولا يحزَن، ولا يغتمّ، وما كأنه فعَل شيئًا؛ لأنّ القلبَ ليس فيه إحساسٌ ولا غَيرة، ففِعل الفاحشة أو عدمُها سواء، لكن أضِف إلى ذلك مَن يدعو إليها وينشرُها ولا يخجَل ولا يستحي ولا يبالي.

فاتّقوا الله يا عبادَ الله، وتناجَوا فيما بينكم على البرّ والتقوى، واحذَروا مجالسةَ أصحابِ السّوء ودُعاة الرّذيلة، فكما قال الله: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] .

يا أخي المسلم، إنَّ أربابَ الفسادِ وأصحابَ الرّذيلة ودعاةَ الإجرام إذا جالسهم شَخصٌ لن يقومَ عنهم حتى يلوِّثوه بكلِّ جَريمة، وإن أبى بذَلوا كلَّ مَكرٍ وحِيلة أن يوقعوه في الشرّ حتى يكونَ مثلَهم، لا يرضَون لِجليسهم أن ينفكّ بدون إثمٍ يقع فيه، يغيظهم أن يرَوا مجالسَهم محافظًا مستقيمًا، لا بدّ أن يلوِّثوه بجرائمِهم وأخلاقهم الرّذيلة.

فيا أخي المسلم، تأكَّد وتثبَّت من حالِ من تصحَبه، ومِن حال من تُجالسه، ومِن حال من تسهَر معه، تثبَّت من أخلاقِهم وأقوالهم وأفعالهم، فإنّهم يقتنِصون كلَّ كلمةٍ سيئة تقولها، وكلَّ فعلةٍ قَبيحة تعمَلها، تظنّ أنهم الأصدقاءُ وأنهم الأخلاّء وأنهم أهلُ المودَّة والمحبّة، وحاشا لله أن يكونوا كذلك، هم أهلُ عداوةٍ وإن أظهروا لك الصفاءَ والمودَّة والمحبة، هم أهل الفجور والخيانةِ وإن أظهروا لك الأمانَة، فغدًا ينشرون صُوَرَك وأفعالك على الملأ علانيةً من غير حياءٍ ولا خَجَل.

تأكَّد ممّن تصحب ومن تجالِس ومن تسهَر معه، اسأل عنه وعن سيرتِه وفِعله، وراقِب تصرُّفاتِه، فإن رأيتَ تصرُّفاتٍ سليمةً فالحمد لله، وإن رأيتَ أمورًا تُخلّ بدينك ثمّ بشرفك فابتعِد عنهم كلَّ البعد، وانجُ بنفسك من أن تقعَ في شباكهم، فهم الأعداءُ الألدّاء، وهم الخصوم، وهم الذين لا خيرَ فيهم، الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] .

يا أخي المسلم، اتَّق الله، وراقبِ الله، واحذَر من أولئك من أن يوقعَوك في شراكِهم ويضعوك في خطرٍ لا تستطيع النّجاةَ منه، احذَرهم كلَّ الحذَر، وصُن سمعَك وبصرَك وفؤادَك، واحفَظ نفسك من مُصاحبة من لا خيرَ في صحبتهم لعلّك أن تنجوَ من هذا.

أسأل الله أن يحفظَ الجميعَ بحفظه، ويحيطَنا وإيّاكم بعنايته، ويوفِّقَنا وإياكم لما يحبّه ويرضاه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:110-112] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في الإيمان (52) ، ومسلم في المساقاة (1599) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في كتاب الأدب (6069) ، ومسلم في كتاب الزهد (2990) عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

[3] أخرجه البخاري في كتاب الأدب (6120) عن أبي سعود رضي الله عنه.

[4] أخرجه مالك في الموطأ (1299) عن زيد بن أسلم مرسلا، ووصله البيهقي (8/330) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (7616) ، قال ابن حجر في التلخيص (4/57) :"وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في العلل وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسندا ومرسلا، والمرسل أشبه"، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (3/171) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (663) .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، التّقنيةُ الحديثة في الاتصالات وغيرها هي نعمةٌ من الله لعبادِه إن سخَّروها فيما يُرضي الله، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25] .

فيها منافعُ وفوائدُ وتيسي ر وتسهيلُ الاتّصال ولقاءُ البعض بالبعض، هذا أمرٌ لا يُشَكّ فيه، ولكن ممّا يؤسَف له أنَّ بعضًا منَّا سخَّر هذه التّقنية وهذه الوسيلةَ [في] أمر يُخلّ بدينه ثم يُخلّ بشرَفه ومروءَته، وأصبحت هذه الأجهزةُ بأيدي مَن لا حياءَ عندهم مِن رجالٍ ونساء، فكم تُلتَقَط صورٌ لأبرياءَ من رجالٍ ونساء، وكم تحوَّر وتدبَّج حتى يُظَّنّ أنها حقيقةٌ وليست بالحقيقة، لكنّها من مكرِ الشيطان ومكائده. فليحذر المسلمُ أن يشتغلَ بهذه الترَّهات وبهذه القاذورات.

يا أخي، لو أحدٌ حاول أن يلتقطَ صورةً لزوجتك أو بنتِك أو يلتقطَ صورتَك وأنتَ مع زوجتك هل ترضى بذلك؟ الجواب: لا ترضى ولا تطمئنّ، فكيف ـ يا أخي ـ تجعلُ هذه الوسيلةَ معك في اقتناصِ صُوَر الآخرين والاطّلاع على عوراتِ الآخرين ومحاولة اكتشاف ذلك؟! كلُّ هذا ـ يا أخي ـ من الأخطاء التي يجب علينا أن نبتعدَ عنها، وأن نسخِّر ما هُيِّئ لنا من تقنيةٍ فيما يعود علينا بالخير والمنفَعة، وأن لا نجعلَها وسيلةً للانحطاطِ والإضرار بالآخرين.

إنَّ أقوامًا بَلَغ بهم المُجونُ ما بلغ إلى أن يصوِّروا الفاحشةَ ومن يفعلُها ومن يمارِسُها وهو ينظُر ويلتقِط الصوَر ويشاهدها ثم يبثّها، أين الحياء من أولئك؟! وكيف يظُنُّ أولئك خيرًا؟!

فاتّقوا الله يا عبادَ الله، وسخِّروا ما يسّر الله لكم فيما يخدِم دينَكم ومصالحَ دنياكم دون أن تسخِّروها في التقاطِ صُوَر الآخرين وهتكِ أستار العفيفاتِ والعفيفين من الرجال والنساء. اتقوا الله في أنفسكم، وراقبوا الله في أحوالكم كلِّها.

أسأل اللهَ للجميع التوفيقَ والسداد، وأن يعيذَنا وإياكم من شرِّ أنفسِنا ومن شرّ الشيطان وشِركه، وأن لا نقترفَ على أنفسِنا سوءًا أو نجرّه إلى مسلم.

اعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت