فهرس الكتاب

الصفحة 5312 من 5777

البكاء

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب, خصال الإيمان

علي بن حارب القاسمي

غير محددة

غير محدد

1-فضل الخوف من الله تعالى. 2- ظاهرة انتشار الغفلة وقسوة القلب. 3- فضل البكاء من خشية الله تعالى. 4- أسباب قسوة القلوب. 5- بكاء النبي. 6- بكاء السلف الصالح.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18] .

أيها المسلمون، إن الخشية من الله والخوف منه من كمال الإيمان، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: 12] .

والناظر الآن لحال كثير من الناس يجد الغفلة قد تحكمت في قلوبهم، فقست القلوب، وتحجرت العيون، حتى إنها لا تتعظ بسماع آيات تتلى أو أحاديث تذكر أو موعظه تقال، وما هذا إلا بسبب الركون إلى الدنيا وطول الأمل والغفلة عن الموت ونسيان الآخرة.

كثير منا من يقرأ القرآن ولكن لا تدمع عيونه من خشية الله، وكثير منا من يستمع إلى أحاديث تذكره بالآخرة وتخوفه بالنار وتحببه في الجنة ولكن قلبه لا يخشع ولا يخضع ولا يلين، فقد عمت البلوى، وانتشرت المعاصي والآثام، فلم يبقَ لهذا القلب خوف من الله، ولم يبق لهذه العين خشية حتى تدمع شوقًا إلى الله.

إخوة الإسلام، ليسأل الواحد منا نفسه: بالله عليك، متى آخر مرة دمعت عيناك خشية وخوفًا من الله؟ ولعل جواب كثير منا قد يكون: من سنوات عديدة، فلماذا هذه القسوة في القلوب؟! ولماذا هذا التحجر في العيون؟! ما هو إلا بسبب الابتعاد عن منهج الله والركون إلى هذه الدنيا الفانية، فقد نقرأ القرآن ولا نتأثر ولا نبكي، ونسمع أحاديث النبي ولا تقشعر الجلود، ونسمع المواعظ والتخويف بالله وبالآخرة ولا نحرك ساكنا.

عباد الله، يقول الله سبحانه وتعالى عن أولئك الذين تدمع عيونهم من خشية الله وترق قلوبهم لذكر الله، يقول سبحانه: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: 83] ، ويقول عنهم سبحانه أيضًا: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58] ، ويقول كذلك: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: 109] .

وانظروا ـ إخوة الإسلام ـ إلى الفضل العظيم الذي أعده الله سبحانه لصاحب العين التي تدمع خشية وخوفًا من الله، يقول النبي: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ) )، ويقول: (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) )، وقد عدّ النبي الرجل الذي يبكي من خشية الله من السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة، يقول النبي: (( سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ) )، ذكر منهم: (( ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عينا ) )، فاضت عيناه بالدموع رهبة وخشية من الله.

فوالله، ما تحجرت العيون وقست القلوب إلا بتراكم المعاصي والآثام، فأصبح القلب لا يجد مساغًا لآيات تتلى وأحاديث تذكر، والنبي يقول: (( إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن ) )، كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فقد أظلم هذا القلب بشؤم المعصية، فكيف لقلب علاه الران أن يبكي من خشية الله؟! وكيف لقلب سودته المعاصي والآثام أن يتفكر في خلق الله؟!

أيها المسلمون، يقول الله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21] ، فهل كان يبكي نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام؟! نعم كان يبكي بأبي هو وأمي، وكان يتأثر بالقرآن عندما كان يقرؤه أو حتى عندما كان يسمعه من غيره، فقد قال يوما لعبد الله بن مسعود: (( اقرأ علي القرآن ) )، فقال له عبد الله: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (( نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري ) )، فأخذ عبد الله يقرأ من سورة النساء حتى بلغ قول الله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: 41] فقال له النبي: (( حسبك ) )، يقول عبد الله: فنظرت إلى النبي فإذا عيناه تذرفان، أي: تبكيان تأثرًا بالقرآن.

ومر ذات ليلة على بيت امرأة عجوز تقرأ القرآن، فسمعها تقول: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: 1] ، والمخاطب هنا رسول الله، هل أتاك حديث يوم القيامة؟ فقال عليه أفضل الصلاة والسلام وهو يبكي: (( نعم أتاني، نعم أتاني ) ).

وروي أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها سئلت عن أعجب ما رأته من رسول الله ، فبكت ثم قالت: كان كل أمره عجبًا، أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاضطجع بجنبي حتى مسّ جلدي جلده، ثم قال: (( يا عائشة، ألا تأذنين لي أن أتعبّد ربي عز وجل؟ ) )فقلت: يا رسول الله، والله إني لأحب قربك، وأحب هواك ـ أي: أحبّ أن لا تفارقني وأحب ما يسرك مما تهواه ـ قالت: فقام إلى قربة من ماء في البيت، فتوضأ ولم يكثر صبّ الماء، ثم قام يصلي ويتهجد، فبكى في صلاته حتى بلّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الفجر رآه يبكي، فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال له: (( ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة هذه الآيات: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190، 191] ) )، فقرأها إلى آخر السورة، ثم قال: (( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) ).

هذه الآيات التي أبكت نبينا ـ أيها الأحبة ـ وأقضت مضجعه ولم تجعله يهنأ بالنوم في ليلته تلك، فكان يقرؤها في صلاته، ويبكى قائمًا وساجدًا، وبكى وهو مضطجعًا، نعم إنها لآيات عظيمة تقشعر منها الأبدان وتهتز لها القلوب، قلوب أولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السموات والأرض، وليست كلّ القلوب كذلك، فهلا تفكرنا في ملكوت الله؟! وهلا أكثرنا من ذكر الله واستشعرنا عظمته سبحانه وتعالى؟! لو فعلنا ذلك لبكينا من خشية الله عند سماع أو قراءة هذه الآيات، ولكن لله المشتكى من قسوةٍ في قلوبنا وغفلة في أذهاننا.

ويقول الصحابة: كنا نسمع لجوف النبي وهو يصلي أزيزا كأزيز المرجل من البكاء. وكان يبكي عليه الصلاة والسلام خوفًا من عذاب القبر، فقد حضر جنازة صحابيّ من الأنصار، وبعد أن دفنه بكى بكاء شديدًا حتى بل الثرى، فقال للصحابة: (( لمثل هذا فأعدوا ) ). والمواقف في ذكر بكاء النبي كثيرة.

وكذلك الصحابة والتابعون، فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقالوا له: ما يبكيك وأنت صاحب رسول الله وأنت وأنت؟! فقال: ما أبكي جزعًا من الموت أن حلّ بي، ولا لدنيا تركتها بعدي، هما القبضتان: قبضة في الجنة وقبضة في النار، ولا أدري في أي القبضتين أكون، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] . وبكى الحسن رضي الله عنه فسئل عن ذلك، فقال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي. ومر سيدنا عبد الله بن مسعود على الحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار، فقام ينظر إلى الحديد وهو يبكي.

سبحان الله! كان الواحد منهم يبكي تأثرأ بالقرآن، ويبكي خوفًا من الآخرة وأهوالها، ويبكي خوفًا من النار واشتياقًا إلى الجنة.

وهذا الفضيل بن عياض رضي الله عنه قرأ ذات ليلة سورة محمد، فلما وصل إلى قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31] ، فجعل يردّدها ويبكي، ثم جعل يبكي ويقول: وتبلوَ أخبارنا وتبلو أخبارنا، إن بلوت أخبارنا فضحتَنا وهتكت أستارنا، إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا، ويبكي. وبكى ابنه علي بن الفضيل مرة فسأله أبوه: ما يبكيك يا ولدي؟ قال: يا أبتِ، أخاف أن لا تجمعنا القيامة.

امنع جفونك أن تذوق مناما وذر الدموع على الخدود سجاما

واعلم بأنك ميت ومُحاسب يا من على سخط الْجليل أقاما

لله قوم أخلصوا في حبّه فرضى بهم واختصهم خدّاما

قوم إذا جن الظلام عليهم باتوا هنالك سجدًا وقياما

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، وادعوه يستجب لكم، إنه هو البر الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: إن أهل المعاصي ليسوا من الله في شيء، فقد اجتمعت على قلوبهم الذنوب حتى صارت قلوبًا قاسية كالحجارة أو أشدّ قسوة، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، أما أهل الإيمان فهم أهل الله وخاصته، الذين ما تركوا لله طاعة إلا شمروا عن ساعد الجد لأدائها، وما علموا بشيء فيه رضا لله إلا فعلوه راغبين راهبين، فأورثهم الله نور الإيمان في قلوبهم، فصارت قلوبهم لينة من ذكره تعالى، وقادت جوارحهم للخشوع، فما تكاد تخلو بالله إلا فاضت أعينهم من الدمع من كمال خشيته، وكانت تلك الدموع أكبر حائل يحول بين صاحبها وبين النار، يقول سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: 23] ، ويقول سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2] ، ويقول النبي عن أولئك الذين تقشعر جلودهم من خشية الله ويخافون عقابه، يقول عنهم: (( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها ) ).

إخوة الإسلام، بكت فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله ذات مرة، فسئلت فقالت: رأيت عمر بن عبد العزيز ذات ليلة قائمًا يصلي، فأتى على هذه الآية: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة: 4، 5] ، فبكى ثم قال: وا سَوءَ صباحاه، فسقط على الأرض وجعل يبكي حتى ظننت أن نفسه ستخرج، ثم هدأ فظننت أنه قد قضى، ثم أفاق إفاقة فنادى: يا سَوءَ صباحاه، ثم قفز فجعل يجول في الدار ويقول: ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر، ثم سقط كأنه ميت، حتى أتاه الإذن للصلاة، فوالله ما ذكرت ليلته تلك إلا غلبتني عيناي، فلم أملك رد عبرتي.

ومرّ أحد الصالحين على طاهي لحم يشوي اللحم على النار، فأخذ هذا الرجل الصالح يبكي بكاء شديدًا بلا سبب يذكر، فاستغرب الطاهي، فقال له: ما يبكيك؟! إن كنت تبكي لعدم توفّر المال لديك لاشتِراء اللحم فسوف أعطيك بدون مقابل، فقال الرجل الصالح: والله، ما أبكي لهذا، ولكني أبكي على ابن آدم، الحيوان يدخل النار وهو ميت، وابن آدم يوم القيامة يدخلها وهو حي، ومع هذا فهو لا يخشَى الله. نعم، إن الحيوان يشوى على النار بعد أن يموت، فلا يحس بحرارة النار، وابن آدم يوم القيامة يدخل النار ويعذّب فيها وهو حيّ والله المستعان، ومع هذا تجد الواحد منا لا يخشى الله ولا يعمل للخلاص من هذه النار التي أعدّت لمن عصى الله ورسوله.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وابكوا على ذنوبكم، واخشوا ربكم، وخافوا عقابه، وإن لم تبكوا فتباكوا فلعل دمعة صدق تنجي صاحبها من عذاب الله يوم القيامة.

هذا وصلوا على إمام المرسلين سيدنا محمدٍ ، فقد أمركم الله سبحانه وتعالى بالصلاة والسلام عليه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت