الأسرة والمجتمع
الأبناء
هاشم محمد علي المشهداني
الدوحة
الريان الكبير
1-المراحل التي يمر بها الإنسان في حياته الدنيوية. 2- نعمة الله علينا في الأولاد. 3- فضل
رعاية البنات. 4- رعاية الإسلام للمولود في تحريم الزنا. 5- حقوق المولود على أبيه وأمه.
يقول الله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير [الروم:54] .
سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، أن العبد بين ضعفين بين ضعف الطفولة وضعف المشيب وما بينهما إنما هي سحابة صيف توحي بالقوة التي تؤول إلى الأفول.
فما الطفولة؟ وما مظاهر عناية الإسلام بالطفولة؟ وما حق المولود على والديه؟ وما مسؤولية الوالدين تجاه أطفالهم؟
أما الطفل: فهو المولود.
الطفولة: مرحلة بين الميلاد والبلوغ كما جاء في المعجم الوسيط.
وينبغي أن تعلم:
إن الطفل هبة من الله وعطاء قال تعالى: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما [الشورى:50] .
كراهية البنات جاهلية بغيضة، والجهلة من المسلمين من ضعف دينه ويقينه، يفعل فعل الجاهلية في تذمره وألمه إذا ولدت له أنثى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون [النحل:58-59] . أو يهدد زوجته إذا ولدت أنثى فهي طالق، ونسي الغبي أن الفعل والأمر بيد الله وحده للحديث: (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث إليها ملكا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: أسوي أم غير سوى! فيجعله الله سويا أو غير سويا ) ) ( [1] ) .
ومن طرائف العرب أن رجلا يقال له أبو حمزة ولدت له زوجته بنتا فهجرها، فمر على خيمتها يوما فسمعها تداعب ابنتها وتقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينا يضل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا تالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
فرجع أبو حمزة عن هجره وقبل رأس ابنته وزوجته حيث أدرك أن الأمر بيد الله وحده. بل يوصي رسول الله بالبنات فيقول: (( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه ) ) ( [2] ) . وقوله: (( من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جدته(أي ماله) كن له حجابا من النار )) ( [3] ) .
وأما مظاهر عناية الإسلام بالطفولة:
شرع الزواج وحث عليه وجعله الوسيلة الوحيدة الكريمة التي يلتقي عليها الرجل والمرأة لما فيه من حماية النسل من الضياع واختلاط الأنساب فكان آية من آيات الله سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم:21] .
وللحديث: (( ... وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) ( [4] ) .
حرّم الزنا ونفر منه وعاقب عليه، لأنه علاقة حيوانية مبنية على قضاء الشهوة من غير أن يتحمل أحد مسؤولية الولد قال تعالى: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا [الإسراء:32] . الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلده ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله [النور:2] .
أن تتخير لطفلك الأم الصالحة والوعاء الكريم للحديث: (( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) ) ( [5] ) .
وأما حقوق المولود على والديه:
الأذان في أذن المولود: لحديث أبي رافع مولى رسول الله قال: (( رأيت رسول الله أذن في أذن الحسين بن علي - حين ولدته فاطمة - بالصلاة ) ) ( [6] ) يعني بأذان الصلاة وللحديث: (( من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان ) ) ( [7] ) .
وأم الصبيان من الشياطين، فتكون أول كلمة تطرق قلبه"الله أكبر"وما فيها من التعظيم لله عز وجل وحده، ثم شهادة التوحيد"أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله"ثم الدعوة إلى الصلاة والفلاح"حي على الصلاة، حي على الفلاح".
وفي ذلك تأكيد وتذكير بالعهد الأول الذي أخذه الله على الأرواح في عالم الغيب. وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا [الأعراف:172] .
العقيقة: وهي ما يذبح عن المولود من شاة يوم السابع من ولادته.
للحديث: (( كل غلام رهين بعقيقته يذبح عنه يوما سابعه ) ) ( [8] ) ، يقول الإمام أحمد بن حنبل ومعنى:رهين بعقيقته: (أنه إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه لم يشفع لأبويه) ( [9] ) .
ومن أحكامها أن رسول الله: (( عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا ) ) ( [10] ) .
والأكمل والأحسن أن يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية شاة للحديث: (( عن الغلام شاتان متكافئتان(أي متشابهتان) وعن الجارية شاة )) ( [11] ) .
يقول الإمام مالك رحمه الله: (الظاهر أن التقيد باليوم السابع إنما هو على وجه الاستحباب وإلا فلو ذبح عنه في اليوم الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده اجزأت العقيقة) ( [12] ) .
حلق شعر الوليد: يستحب حلق شعر المولود يوم السابع والتصدق بوزنه فضة إن أمكن الحلق وإلا خمنه تخمينًا وتصدق بما يساوي وزنه للحديث: (( لما ولد الحسن قال رسول الله: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة، فوزنته فكان وزنه درهما أو بعض درهم ) ) ( [13] ) .
وفي حلق شعر المولود تقوية له، وفتحا لمسام الرأس وتقوية لحاسة البصر والشم والسمع كما يقول ابن القيم رحمه الله.
تحنيكه بتمرة عقب الولادة: عن أبي موسى قال: (( ولد لي غلام فأتيت به النبي فسماه بإبراهيم وحنكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إلي ) ) ( [14] ) .
والتحنيك معناه مضغ التمرة ودلك المولود بها بحيث يصير مائعا ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه ليدخل شيء منها جوفه ( [15] ) ، ويستحب أن يكون من الصالحين رجلا كان أم امرأة.
التسمية باسم حسن: للحديث: (( إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء أبائكم فحسنوا أسماءكم ) ) ( [16] ) فتخير له الاسم الحسن للحديث: (( إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل هو عبد الله وعبد الرحمن ) ) ( [17] ) .
أن يجنبه الاسم القبيح، وقد كان من هديه تغيير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن فسمى عاصية جميلة، وسمى حربا سلما، وسمى المضطجع المنبعث.
التربية والتعليم: قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم:6] . في الصلاة للحديث: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع ) ) ( [18] ) .
وفي آداب الطعام: يقول عمر بن أبي سلمة: كنت غلاما في حجر رسول الله وكانت يدي تطيش في الصحفة (إناء الطعام) فقال لي رسول الله: (( يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك ) ) ( [19] ) .
وفي الخلق الحسن (( يقول عبد الله بن عامر: دعتني أمي يوما ورسول الله قاعد في بيتنا فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرا، فقال رسول الله: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة ) ) ( [20] ) .
النفقة على الأبناء حتى يقوى عودهم فتتزوج الأنثى ويعود الذكر نفسه للحديث: (( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ) ) ( [21] ) .
التسوية في المحبة: للحديث: (( عن النعمان بن بشير قال: إن أباه أتى به النبي فقال: إني نحلت(أي وهبت) ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله (( أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ) )فقال: لا، فقال رسول الله: (( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) )، وفي رواية: (( فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور ) ) ( [22] ) أي ظلم.
يقول الإمام أحمد رحمه الله: (يجوز التفاضل بين الأولاد إن كان له سبب كأن يحتاج الولد لزمانته(أي مرضه المزمن) أو دينه أو نحو ذلك.
الرحمة بهم مما له الأثر الكريم في استقرارهم النفسي والنشأة السوية الخالية من العقد والاضطرابات النفسية، وحدث أن قبل رسول الله الحسن أو الحسين بن علي وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا قط، فنظر إليه رسول الله وقال: (( من لا يرحم لا يُرحم ) ) ( [23] ) .
وفي رواية أخرى: (( أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك ) ) ( [24] ) .
وإذا ترحلت الرحمة من الأسرة دبت العداوة والبغضاء بين الأبناء والآباء، ومن ثم يعيش كل منهم في عزلة عن الآخرين مما يجعل أمر الانحراف وارد حيث يعيش كل منهم في عالمه الخاص الذي لا يسمح لأحد أن يتدخل فيه أو أن يوجهه.
وأما مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم:
أن مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم عظيمة، فأنت كأب المسؤول الأول بين يدي الله عز وجل للحديث: (( والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ) ) ( [25] ) .
وعلى هذه فمهمتك لا تقف عند توفير المطعم والمشرب والمسكن والسيارة الفارهة بل تتعدى إلى العناية بأمر دينه وآخرته، فليست العبرة بكثرة الأبناء والتباهي بهم وإنما العبرة بصلاح دينهم واستقامتهم.
القدوة الصالحة لهم: فلا تقع أعينهم منك على ما يشين في قول أو فعل أو حال.
وينشأ ناشئي الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
والعرب تقول: ومن شابه أباه فما ظلم.
مراعاة مراحل الطفل حتى البلوغ فلكل مرحلة لها أسلوبها يقول علي: (الولد سبع أمير، سبع أسير، وسبع وزير، ثم تشاوره ويشاورك) .
وأن تدعوا لأبنائك بالصلاح والهداية، ورب العزة سبحانه يعلمنا أن نقول: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان:74] .
واحذر أن تدعوا بالسوء للحديث: (( لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله تبارك وتعالى ساعة يُسئل فيها عطاءً فيستجاب لكم ) ) ( [26] ) .
( [1] ) رواه مسلم.
( [2] ) رواه مسلم.
( [3] ) رواه أحمد.
( [4] ) البخاري ومسلم.
( [5] ) ابن ماجة.
( [6] ) أبو داود والترمذي.
( [7] ) ابن السني.
( [8] ) أصحاب السنن.
( [9] ) نيل الأوطار ج5 ص 255.
( [10] ) ابن خزيمة.
( [11] ) الترمذي وصحيحه.
( [12] ) تربية الأولاد / علوان ص 93.
( [13] ) الترمذي والحاكم.
( [14] ) البخاري ومسلم.
( [15] ) نيل الأوطار / للشوكاني ج2 ص230.
( [16] ) أبو داود.
( [17] ) مسلم.
( [18] ) أبو داود.
( [19] ) البخاري ومسلم.
( [20] ) أبو داود والبيهقي.
( [21] ) أبو داود والنسائي والحاكم.
( [22] ) متفق عليه.
( [23] ) البخاري ومسلم.
( [24] ) البخاري ومسلم.
( [25] ) متفق عليه.
( [26] ) رواه مسلم.
لم ترد.