الرقاق والأخلاق والآداب, قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات, الكبائر والمعاصي
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-نعمة إقامة الدين وحفظ مصالح الدنيا. 2- خطورة اتباع الشهوات. 3- كبائر الذنوب. 4- ذم الابتداع في الدين. 5- تعريف البدع. 6- تدرج الشيطان في إضلال العبد. 7- أوائل البدع. 8- بيعة الفئة الضالة لواحد منهم. 9- فتنة أهل البدع وتلبيسهم على الناس. 10- الحث على التمسك بالسنة.
أما بعد: فاتَّقوا الله حقَّ التَّقوى يصلِحْ لكم أموركم ويُعظِم لكم أجوركم.
أيّها المسلمون، إنَّ تمامَ النّعَم عَلَيكم أن علَّمكم الله أمورَ دِينِكم، وأعانَكم على إقامةِ هذا الدين، وحفظ لكم مصالحَ دنياكم، قَالَ الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 231] ، وقال تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] .
ألاَ وإنَّ مما يهدِم الدينَ ويضيِّع مصالحَ الدّنيَا أَمرَينِ خَطيرَينِ:
الأمرُ الأول: اتِّباعُ الشّهواتِ الموبقات والفواحشِ والمنكَرَات؛ فإنها تفسِد القلوب، وتعمي البصائرَ، وتحسِّن القبيح، وتقبِّح الحسن، وتجلب الشرورَ والمفاسِدَ، وتُعرِّض صاحبَها لأليم العقوباتِ، قال الله تبارك وتعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59] ، عن ابن مسعود قال: (الغَيُّ نهرٌ أو وادٍ في جهنّم من قيح، بعيد القَعر، خبيث الطَّعم، يُقذَف فيه الذين يتَّبعون الشهوات) رواه الحاكم وصحَّحه وابن جرير والبيهقي، وأخرج عبد بنُ حميد عن ابن مسعودٍ أيضًا في قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ قال: (ليس إضاعتُها تركها، قد يضيِّع الإنسانُ الشيءَ ولا يتركه، ولكن إضاعتُها إذا لم يصلِّها لوقتِها) .
فكبائِرُ الذنوبِ تهدِم دينَ المسلِم، وتوهِي أركانَ الإسلام، وإذا استحلَّها المسلم خرَجَ من دينه والعياذ بالله.
وكبائر الآثامِ كثيرة، وقد أخرج الطبرانيّ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنه قيلَ له: الكبائر سبع؟ قال: (هي إلى سبعين أقرَبُ) وفي رواية: (هي إلى السَّبعمائة أقرَب) . فالكبائر هي كلُّ معصيةٍ أوجب الله فيها حدًّا في الدنيا كالزّنا واللواط، أو توعَّدَ الله عليها بالنّار، أو لعَن الله فاعِلَها، أو تَوَعّدَه بِغَضبٍ أو مَقتٍ، أو أخبر الشَّرعُ بحِرمانِ صاحبها من خير، أو رتَّب الله عَلى فِعلها عقوبةً في الدنيا أو الآخرة.
وقد عيَّن القرآن والسنّةُ بعضَها لكثرةِ شرِّها وضررها، بيّن بعضَها في نصٍّ واحدٍ، وبيّنتها النّصوصُ الأخرى في القرآنِ والسّنَّة، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج: 30] ، وكقولِ النبيِّ: (( اجتنبوا السّبعَ الموبقات ) )، قالوا: يا رسولَ الله، وما هنّ؟ قال: (( الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النّفس التي حرم الله إلا بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّوَلي يوم الزحف، وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات ) )رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وليستِ الكبائر محصورةً في نصٍّ واحد، بل مذكورة في نصوصٍ كثيرةٍ في القرآن والسنة، والنّبيّ قال: (( إنَّ الحلالَ بيِّن، وإنّ الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكلّ ملِكٍ حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه ) )رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
والأمر الثاني الذي يهدِم الدّينَ: البِدَعُ المضِلّة والمحدثات المنكرة، فإنها تنقُضُ الإسلام عروةً عُروة، قال الله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: 18، 19] ، وعن جابرٍ أنَّ النَّبيَّ كانَ يَقول إذا خَطَب: (( أما بَعد: فإن خيرَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة ) )رواه مسلم.
والبِدَع ما أُحدِث في الدين مخالفًا لهديِ رسول الله ، والبِدَع أعظم ضررًا وأكثَر شرًّا من الكبائر، فالكبائر ضرَرُها على صاحبها، أمّا البدع فضَرَرُها على صاحبها وعلى المجتَمَع، ولأنَّ البدَعَ المحدَثَة المخالِفَة لمنهج أهلِ السّنّة والجماعة مطلَبٌ وغايَة لإبليس يسعى لدعوة الناس إليها، فأعظَمُ مطلبٍ وغاية للشيطان دَعوةُ الإنسان إلى الكفر، فإن أجابه إلى الكفر أحبَّه واتخَذَه وليًّا وفرِح به، وصار من حزبه في النار، قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] . فإن لم يستَجِب له الإنسان بالكفر دعاه إلى البدع؛ لأن صاحبَ البدعة قلَّما يتوب منها؛ لاعتقاده بأنها دين، فصَاحب البدعة بعيد عن هديِ الرّسول ومخالف لمنهَجِ أهل السنة والجماعة، والله عزّ وجلّ يقول: وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115] . فإن لم يستَجِب المسلِمُ للشيطان بملابَسَة البِدَع دعاه إلى كبائِرِ الذنوب، وهكذا حتى يَنَال هذا العدوُّ من الإنسانِ بعضَ ما يريد.
وقد حَدَثَت أوائِلُ البِدَع في أواخِرِ عصرِ الصحابة رضي الله عنهم، فدَفَع في نحورِها هؤلاءِ الصحابةُ الأتقياء، وحاربوها بالسيفِ والبيان حتى وقَى الله المسلمين شرَّها في زمانهم.
وأوَّلُ بدعةٍ حدثت في الأمة بِدعَةُ الخوارِجِ الذين سَلّوا سيفَ الفتنة في المسلمين، فشتَّتُوا الشّملَ، وفرَّقوا الصّفَّ، واختلفت الكلِمَة، ثم ظهَرَت البِدَع المضلِّة بعد ذلك واحدةً بعد أخرى، وصار لكلِّ فرقة ضالّة وارثٌ ومنهج خالَفَت به منهجَ أهل السنة والجماعة.
ومِن أقرَبِ الحوادِثِ التي وقَعَت ما ذُكِر أنَّ ناسًا مِنَ الخوارِجِ في الأيّام القريبَةِ الماضية بايَعوا أحَدَهم، وكادهم الشيطان بذلك، فما أشدَّ مَكرَ الشَّيطانِ بهم! وما أعظَمَ جَهلَهم! وسبحانَ الله الذي بيَّن الحقَّ مِن الباطلِ والهدى من الضَّلال، هذَا الفِعلُ الذِي زيَّنه الشّيطان لهم بَيعةُ ضلال وفتنةٍ وبابٌ مِن أبوابِ النّار واستحلال لما حرَّم الله وفتحُ أبوابٍ من الشرور والمفاسِد لا حدَّ لها وغَدرٌ بإمامِ المسلمين في هذه البلاد ونكثٌ منهم لبيعته وشقٌّ لعصا المسلمِين وخروجٌ منهم على جماعةِ المسلمين وإمامِهم، والشريعة الإسلاميّةُ بَرِيئَة من هذِهِ الفتنِ المضِلَّة.
وإنّما ذُكِر فعلُهم حتى لا يقَع في شرِّهم وحتى لا يقَعَ في مِثلِ فعلِهم غيرُهم ممّن قد يغترُّ بأفعالهم. عن عرفجةَ بنِ شُرَيح قال: قال رسول الله: (( من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّقَ جماعتَكم فاقتلوه ) )رواه مسلم.
معشرَ الشباب، إنَّ مجتَمَعَكم باستِقرارِه وبِكيانِه وتَركيبَتِه مِن ولاةِ أمرِه وعلمائِه وعامَّته وخاصَّتِه وصغيره وكبيره دِرعٌ لكم يقيكم الله به سِهام الأعداء، وحصنٌ لكم يحميكم الله به من الفِتن، ويحقِّق الله بِهِ الاستقرارَ لكم، ويمتِّعكم متاعًا حسنًا، فمَن فكَّر في زَعزَعَة أمنِ هذا المجتمع وإشعال فِتنَة فلقد لعِب بدينه وسفِه عقلُه وخدَمَ أعداءَ الإسلام، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 25] .
بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكرِ والحكيم، ونفعنا بهدي سيِّد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله ربِّ العالمين، الرَّحمن الرَّحيم، مالِكِ يومِ الدين، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شريك، وأشهد أنَّ نبينا وسيِّدنا محمّدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتَّقوا الله بعبادَتِه والإخلاصِ له في طاعَتِه، واحذروا من الوقوع في معصيته.
عبادَ الله، يقول ربُّكم جلَّ وعلا: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: 3] .
أيُّها المسلمون، اعرِفوا الحقَّ تعرِفوا أهلَه، واعرِفوا الباطِلَ تعرِفوا حِزبَه، فإنّ أهلَ البدَع قد أحدثوا في أصولِ الإسلام وفروعه أقوالًا وأعمالًا ليسوا بها على شَيءٍ، ولبَّسوا بها على كثيرٍ مِنَ الناس، فمن لا علمَ له ولا بصيرةَ افتتن بما أحدَثوا من المبتَدَعات، ومن اعتَصَمَ بالكتاب والسنة فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم، ومن أخَذَ العلم عن أئمّة المسلمين المتَّبعين للصحابة رضي الله عنهم كان من المفلحين، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا تزالُ طائفةٌ من أمّتي على الحقِّ ظاهرين، لا يضرّهم من خَذَلهم ولا من خالَفَهم حتى تقوم الساعة ) ).
أيها المسلمون، إنَّ مِن أعظم وصايا نبيِّنا محمّدٍ في كلِّ وقت قولَه: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعِش منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة ) )رواه الترمذي وحسنه.
عبادَ الله، إنّ الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، وقد قالَ: (( مَن صلَّى عليَّ صلاةً واحِدَة صلّى الله عليه بها عشرًا ) )، فصلّوا وسلّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد...