فهرس الكتاب

الصفحة 5608 من 5777

التصوير

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الكبائر والمعاصي, قضايا فقهية معاصرة

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-أدلة تحريم التصوير. 2- اختلاف المسلمين في هذه المسألة. 3- التحذير من تعليق الصور وتعظيمها. 4- تأويل بعض المسلمين لأدلة تحريم التصوير 5- مفاسد التصوير.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن من الأمور الواجب معرفتها في هذا الزمان حكم التصوير عمومًا والتفصيل في ذلك خاصة، حيث تجرأ على الْفُتْيا كثير من المسلمين من طلبة العلم وغيرهم وذلك بسبب نظرتهم من زاوية ضيقة لأسباب التحريم، لذلك تأَوَّلُوا الأحاديث الصحيحة وفسروها تفسيرات قد تكون بعيدة في بعض الأحيان عن المقصود، وفيها الشَّطَطُ في غالب الأحيان، وأقنعوا بعض العلماء الذين أفتوا بالحل في التصوير لأنها كالصورة في المرآة وحبس الظل وغير ذلك من الفتيا المبنية على القناعة التي أُخِذت من زاوية واحدة ولم تنظر في الأمر من منظور أوسع وأشمل وتستعرض الأحاديث الصحيحة والواقع الذي يعيشه الناس في هذا الزمن، مع أنَّ مِنْ علمائنا الموثوق بهم مَنْ أَشْبع الموضوع بحثًا وجمع بين الأحاديث ورجّح، ومنهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رحمة واسعة، وأورد بعض الأدلة على التحريم من كلام رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4] .

روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( إن الذين يصنعون هذه الصور يُعذبون يوم القيامة، يُقال لهم: أَحْيُوا ما خلقتم ) )، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله من سفر وقد سترتُ سَهْوَةً لي بِقِرَامٍ فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله تلَوَّن وجهُه وقال: (( يا عائشة، أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ) )، قالت: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين. متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( من صوّر صورة في الدنيا كُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ ) )متفق عليه، وعن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ) )متفق عليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون ) )متفق عليه، وعن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أُصَوِّرُ هذه الصورَ فَأَفْتِنِي فيها، فقال: اُدْنُ مِنِّي، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فَدَنَا منه حتى وضع يده على رأسه، فقال: أنبّئك بما سمعت من رسول الله ، سمعت رسول الله يقول: (( كل مصور في النار، يُجْعَلُ له بكل صورة صورها نفس فيعذبه في جهنم ) )، قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا روح فيه. متفق عليه.

وكل الأحاديث التي تَمَّ ذِكْرُهَا متفق على صحتها مما رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

وروى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: وعد رسولَ الله جبريلُ أن يأتيه فَرَاثَ عليه ـ أي: أبطأ ـ حتى اشتدّ على رسول الله ، فخرج فلقيه جبريل فشكا إليه، فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة. وروى الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي الهياج حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ؟ أن لاّ تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سَوَّيْتَهُ. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبيّ حتى مُحِيَتْ كلُّ صورة فيها. وروى البخاري رحمه الله عن أبي جحيفة رضي الله عنه أن النبي: (( نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور ) ).

هذه بعض الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم التصوير لكل ذي روح، وتدلّ على أن ذلك من كبائر الذنوب المتوعّد عليها بالنار، وهي عامة لأنواع التصوير سواء كان للصورة ظِلٌّ أو لا ظِلَّ لها، وسواء كان التصوير في حائط أو ستر أو قميص أو ثوب أو عمامة أو ورق كبير أو صغير أو غير ذلك، وسواء كان التصوير باليد أو بالآلات الحديثة.

هذا هو حكم نفس التصوير الذي يجب أن يعتقده كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، والاعتقاد ابتداء هو التحريم، ولكن تبقى أمور يخفى حكمها على كثير من المسلمين بحيث يخلطون بين الحرام وبين ما أبيح لضرورة أو غيرها.

وقد يتفق كثير من المسلمين على أن الصور المجسمة لذوات الأرواح من الآدميين والحيوانات البرية والبحرية والطيور يتفقون على أنها حرام، وإذا أبعد وأزيل رأس أي مجسم أو صورة بالكلية ولم يبق إلا بقية الجسم فإن هذا العمل يخرجها عن شكل ذوات الأرواح، وتصبح مشابهة للجمادات، ويصبح هناك مسوغ شرعي لاستعمالها، هذا عند من يرى جواز ذلك، مع أن قطع الصورة وفصلها بخط يوضح أنها مقسومة بحيث لا تكون هناك حياة على حد تعبير الْمُجَوِّزِين والمبيحين لا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّرُ في الحياة؛ لأن الصورة ليس فيها حياة أصلًا فكيف تكون الفتيا بما لا يبقى معه حياة؟! إذًا فالصور التي تصف جسم الإنسان بما فيه الرأس كاملًا والوجه بمعالمه هي صورة حقيقية، وتسمى صورة، وهي تعطي صورة واضحة واقعية وَصْفِيَّةً للشخص خاصَّةً إن كانت مُلَوَّنَةً، وليس من الْمُتَحَتِّمِ والضروري أن يكون الجسد كله ظاهرًا في الصورة، فَالْوجْهُ لوحده يُعْطِي التفاصيل المطلوبة والواضحة عن الشخص الْمُصَوَّرِ.

إن تعليق الصور وتعظيمها واحترام أصحابها وسيلة من وسائل الشرك التي جاء التحذير منها في الإسلام، وإني لأعجب كل العجب كيف يفهم ويدرك الكفار والملحدون خطورةَ الصور والمجسمات ولا يعلمها المسلمون الذين يعيشون في ديار الإسلام ويكادون يغيبون في الكتب الإسلامية التي بين أيديهم من كثرتها؟! إني أُنَزِّهُ هذا المكان عن ذكر أي شيوعي أو غيره من الملاحدة والكفار، ولكن أقول بأن زعيمًا شيوعيًا عاش في عصرنا وأمر بإزالة جميع الصور والمجسمات من جميع المحلات في بلاده، ألا يعني هذا أنه يعرف مدى التقديس لمن سبقه عن طريق هذه الصور؟!

ومع أننا نعلم حرمة تعليق الصور في البيوت وغيرها وكذلك وجود المجسمات للحيوانات وغيرها إلا أننا نجد التهاون بهذا الأمر كما هو الحال في غيره، فعندما يدخل الشخص بيتًا من بيوت المسلمين ـ إلا من رحم الله ـ يجد في الاستقبال عند الباب مجسمًا لأسد أو خيل أو ثعبان أو غير ذلك مما دُفعت فيه الأثمان الباهظة لإعلان العصيان على الله عز وجل، وفي المجلس صورة صاحب البيت مُتَصَدِّرَةً المجلس أو صورة والده أو من يعزّ عليه في شبابهم أو للقادة والزعماء من الرجال، أما صور النساء فإلى الآن لم نشاهدها في المعروضات العامة من المنازل، مع أنها موجودة في الغرف والأماكن الخاصة في البيوت عند كثير من المسلمين، وأعظم من هذا موجود عند دعاة التغريب والتفسخ، وكل ذلك من المنكرات الظاهرة التي يجب أن يعرفها كل مسلم ومسلمة، وأنه لا يجوز تعليقها أو نصبها بأي حال من الأحوال في البيوت والمكاتب أو غيرها من المحلات العامة والخاصة، وتجب إزالتها إلا ما دعت إليه حالات الضرورة في التعليم مثل الطب وغيره.

وهناك امرأة أمريكية أسلمت ولم يمرّ على إسلامها إلا أقل من سنة أي: في عام 1409هـ وكتبتْ عن الصُّور وحُرْمَتِهاِ كتاباتٍ جيدةً استحسنت فيها تحريم التصوير لما علمته من الشرور الناجمة عنها، وتعجبت من واقع المسلمين ومحاولة بعضهم التفسيرات الباردة التي تبيح التصوير.

فالواجب على كل مسلم أن يعرف الحلال من الحرام ويأخذ العلم عن العلماء الذين يخافون الله ويتقونه ويثقون بصدق ما قال رسول الله ، ويؤمنون بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وينظرون إلى أي آية أو حديث بمنظور واسع وشامل وليس من زاوية ضيقة، ويعلمون أن الخير كله في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله ، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7] ، وقال تعالى: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] .

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، لم يترك خيرًا إلا دل عليه، ولا شرًا إلا حذر منه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فقد فسر بعض المسلمين في القديم والحديث الأحاديث السالفة الذكر وغيرها من الأحاديث التي تدل على تحريم التصوير إجمالًا فَسَّرُوهَا بل قَصَرُوهَا على المجسمات أو على رسم اليد أو ما كان له ظل أو ما تمت به الحياة على حد قولهم، وأخرجوا الصُّوَرَ الْمُلْتَقَطَةَ بالآلات الحديثة من ذلك سواء كانت ملونة أو عادية وقالوا بأنَّ الصورةَ حَبْسٌ للظل، ومثلها مثل الصورة التي في المرآة إلى غير ذلك من التأويلات والتفسيرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونسوا أو تناسوا وغفلوا أو تغافلوا ـ خاصة في هذا العصر الذي كثرت شروره ـ عن الواقع وما يحيط بهم ومصدر تلك الشرور والمعاصي والآثام، نسوا شمولية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، وتناسوا صدق خبر رسول الله في الأحاديث الصحيحة الصريحة وأوّلوها حسب أفهامهم ولم يأخذوها جملة ويتأملوا واقع العالم بأجمعه، وغفلوا عن قول الله عن رسوله محمد: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3، 4] .

أعود لأقول: مهلًا أيها المسلمون في أي مكان وَيَا مَنْ تعيشون هذا الزمان، عليكم أن تنظروا نظرة واسعة شاملة متأملة متأنية لهذا الموضوع الخطير، وعلى كل منا أن يستعرض جميع الأحاديث الواردة في التصوير، ثم يسأل ويجيب في الوقت نفسه بكل صدق وإخلاص بعد التفكير فيمن حوله وفيما حوله وعما سمع أو رأى أو قرأ وفيما يدور عبر القنوات والتقنيات الحديثة بجميع وسائلها نتيجة التصوير الذي سبّب الطلاق في بعض البيوت والمشاكل التي تأصّلت في النفوس إلى حدّ الانتقام أو علَّم الإجرام وتهريب المخدرات والحب والغرام عبر المسلسلات التي غرست كثيرًا من الصفات والتصرفات والسلوكيات غير المحمودة في النفوس: هل يرضى أحد منا أن تكون صورة لزوجته أو أخته أو بنته أو إحدى قريباته لدى أحد الأجانب عنها يتمتع برؤيتها أو يتناقلها الشباب بينهم وينسخون منها ما يريدون ويُوَزِّعُونَ، حتى إذا ما أراد أحدهم الزواج مِمِّنْ تَحِلُّ له منهنَّ ولم تَقْبَلْ وَاجَهَ وليَّها بأنها تُحِبُّهُ، والدليلُ على ذلك وُجُودُ صُورَتِهَا عنده، وأنَّ العلاقةَ بينهما قائمةٌ منذ زمن طويل؟! وقد يُقْدِمُ بعضُهم على ذلك التصرف المشين بعد دخول الزوج أو بعد العقد الشرعي أو بعد فترة من الزمن ليتمّ التفريق بينهما ويهدم بيت الزوجية بسبب تلك الصورة التي أخذتها بعضُ زميلاتها في غَمْرَةِ الفرح في عُرْسٍ أو خلافه أو باحتيال من أجل الذكرى أو غير ذلك من الأسباب المقنعة لها حتى وقعت في الشِّباك التي نُصِبَتْ لها وتبقى بسببها عَاضَّةً أصابع الندم على ما فُعِلَ بها، ويصبح ذلك عارًا عليها في حياتها بسبب الأشرار وهذا الاستغلال السيئ، هذا بالنسبة للصورة الواحدة لمن ذُكِرَ عادية أو ملونة، والجواب: لا يرضى أحد بذلك مهما كانت الظروف، إذًا فالأسئلة تَتْرَى للتصوير وطرقه وأساليبه المتنوعة التي تُظْهِرُ الأجسامَ كاملةً وحركاتِها والأصواتِ الْمُصَاحِبَةَ لها، ونبدأ من بعض الحفلات لزواج أو غيره التي يتمّ فيها التقاط الصور عبر الأفلام المسجلة بالصوت والصورة التي تعرض المشاهد المختلفة، فهل يرضى مسلم بأن تكون صورة لإحدى محارمه يتناقلها القريب والبعيد، أو تُعْرَض عبر جهاز الفيديو أو الحاسب أو الهاتف المحمول أو الشبكة العالمية وتتناقلها الأيدي الآثمة لتعرض عليهم رغمًا عن الأنوف؟! هل يرضى مسلم غيور بأن تكون إحدى محارمه ممثلة أو مغنية أو غير ذلك وتظهر على الشاشات في القنوات الفضائية أمام العالم؟! هل يرضى مسلم مؤمن بأن تعرض أفلام الجنس للبهائم البشرية الذين هم في صور البشر والتي أفسدت البيوت والأسر؟! هل يرضى أن تُعرض على أهل بيته الذكور منهم والإناث؟!

لقد وصل الأمر عند بعض ضعاف النفوس وفاقدي الإيمان ممن يدّعون الإسلام وفي غمرة الشهوة البهيمية العارمة أن يُثَبِّتَ أحدُهم آلةَ التصوير بالفيديو عند مباشرة زوجته وبأشكال مختلفة عبر المرايا العاكسة على السرير وفي جوانب الغرفة، فهل بعد هذا انحطاط وسفالة ودناءة وشهوة حيوانية بهيمية متردية؟! إن بعض الحيوانات أغير من هذا الصنف من الناس، واسألوا أهل الجمال عن هذه الْغَيْرَةِ فيما لو رأى جَمَلٌ شخصًا يشاهده أثناء ممارسته عمليته مع النَّاقَةِ، ماذا يفعل بذلك الْمُشَاهِد؟ إنه القضاء على حياة ذلك الشخص ولو بعد حين، وهذا الصنف أضلّ من بهيمة الأنعام، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44] .

أعود للأسئلة وإن طالت فلا بد منها ليُعرف الحكم الشرعي: هل يرضى أحد منا أن تكون صورة إحدى محارمه متصدرة إحدى المجلات العادية أو الخاصة بتصميم الأزياء، أو تعرض عبر الشاشات الفضائية للإعلانات الدعائية لأي سلعة تجارية؟! هل يرضى أحد أن يكون أحد أولاده ذكرًا أو أنثى سارقًا أو قاطع طريق أو مهرِّبًا للمخدرات أو زانيًا أو غير ذلك من الجرائم الخلقية من خلال اقتباسه تلك الأفعال مما يعرض بمسلسلات عبر الفضائيات سلبًا أو إيجابًا؟! هل يرضى عاقل أن يجلس أحد أفراد أسرته عند الحاسب المسمى بالكمبيوتر ليطلع من خلال الشبكة العنكبوتية المسماة بالإنترنت لتظهر له صورة من يريد في أي بقعة من بقاع العالم ويطلب من الجنس المقابل له أن يظهر له من خلال العدسات الموجودة لدى الطرفين في صورة مخلة بالشرف والحياء والفضيلة حتى تمارس الشهوة البهيمية أمام الطرف الثاني داخل البيوت في عُقْرِ الدور من خلال غرف الدردشة على حد تعبيرهم؟!

نعم، لقد وصل الأمر هذا الحد وأكثر، ولم يقف عند الفضائيات وما يبث من خلالها من أفلام مسبقة الإعداد والتخطيط لإضلال المسلمين واستهدافهم بشتى الطرق، بل ولم تَعُدْ قاصرةً عند أفلام الجنس التي كانت تعرض بالفيديو قبل عشرات السنين، لم يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه وازداد سوءًا وطفح الكيل حيث الإرسال المباشر لأيّ بلد في العالم وبأبسط طريقة وأسهلها وأقلها كُلْفَةً وأسرعها وصولًا وإثارةً عبر عدسات الهاتف المحمول والأجهزة الحاسوبية من أي شخص لشخص آخر أو للملايين من الناس وفي أي بُقْعَةٍ من الأرض حتى لو كان بين الأرض والسماء، وكل يوم يأتي الجديد من الجنون التي تحْمل مع الفنون وأهلها، إن كل واحد منا بلا شك يجيب بعدم الرضا عن تلك الْفِعَالِ، إذًا ما مصدر تلك الأفعال التي لا نريدها ونرفضها تمامًا؟ وبِأَيِّ آلة ووسيلة كانت بداية النقل؟ وهل ذلك حَبْسٌ للظلِّ أو نَقْلٌ وتصويرٌ لواقعٍ حقيقيٍّ عبر وسائل تقنية في ثَوَانٍ ولحظاتٍ بدايتها عدسات التصوير الصغيرة أو الكبيرة؟ الجواب: إنه التصوير وعدسات التصوير والمصورون الذين يقفون خلف تلك الأجهزة صغرت أم كبرت عادية أو آلية من عدسةِ هاتفٍ أو حاسوب أو أي آلة أخرى صغيرة أو كبيرة، فهل يرضى المسلم أن تُصَوَّرَ زوجتُه أو إحدى محارمه من عدسات الهاتف المحمول المسمى بالجوال في قصور الأفراح أو المشاغل النسائية محلات إصلاح مظاهرهن مع تخريب البواطن؟! هل يرضى أن يتم ذلك ثم يُرْسَل في الحال أو بعد حين إلى أي شخص أو جهة أو مكان؟! إذًا ما الدافع لعدم رضاك ـ أيها المسلم ـ عن هذه الممارسات؟! الإجابة: هي الغيرة على المحارم والأعراض. هل هذه الغيرة مبنية على أساس من الدين، أم أنه الهوى أو الفطرة التي تتحرك في النفوس؟ كُلٌّ يحاول أن يجد جوابًا شافيًا ولكنه لا يستطيع، والحقيقة أن الغيرة تحركت في النفوس بسبب تحرك الفطرة الإيمانية التي تعلم أن دافعًا إيمانيًا يقف وراءها بالدفع ولكن لا تعلم حرمة التصوير الذي ورد على لسان رسول الله ، فهل يشك مسلم بعد ذلك في صلاح هذا الدين لكل زمان ومكان؟! وهل يراوده أدنى شك في الأحاديث الصحيحة ثم لا يفكر بعقل متفتح لسبب التحريم من كل الجوانب دون قَصْر ذلك على جانب دون آخر أو النظر من زاوية ضيقة؟!

فعلى الذي يقول بأن التصوير بالآلات الحديثة ما هو إلا حبس للظل وكالظل وكالصورة في المرآة، عليه أن يجيب عن الأسئلة السابقة بعد أن يتأمّل كل الأحاديث الصحيحة الواردة في التصوير وينظر في الواقع ويتجرد عن الهوى.

إن الأسئلة والإجابة أو الأجوبة كثيرة ولكن مقام الخطبة لا يسمح بالاسترسال فيها، وخلاصة القول: علينا أن نعتقد حرمة التصوير ابتداءً لا فرق في ذلك بين مجسم وغيره، أو ما كان بيد أو بآلة حديثة، ملونًا أو عاديًا، صورة واحدة أو أفلامًا، للذكور والإناث، من الآدميين والحيوانات والطيور وغيرها من ذوات الأرواح لعموم الأحاديث الدالة على حرمة التصوير، وهو في حق المرأة أخطر وأفسد للمجتمع، وقد حرص ولاة الأمر في هذا البلد بأن لا تظهر صورة امرأة في أي مجلة أو جريدة محلية، نسأل الله تعالى أن يزيدهم هدى وتوفيقًا وثباتًا على الحق، كما نسأله عز وجل أن يوفقهم لمنع دخول ما يفسد على المجتمع أخلاقه وسلوكه من مجلات وأفلام من خارج هذه البلاد المباركة، ومع أن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء قد أصدرت قبل أكثر من شهرين ما يشفي ويكفي حول تلك المجلات والصور الخليعة إلا أن دعاة الشر والانحلال والفساد ودعاة خلع الحجاب والاختلاط كما هي عادتهم لا يهدأ لهم بال ولا ينامون بل يَسْعَوْنَ ليل نهار لإخراج المسلمة من بيتها بأي أسلوب والزَّجِّ بها بين دعاة الشهوة بعد أو قبل نزع الحجاب، وها هي إحدى مجلاتهم الصادرة هذا الأسبوع 29/3/1421هـ والتي تخالف دعوة ولاة الأمر تخطو خطوات تسبق مثيلاتها بعرض الصور النسائية من الداخل والخارج، وتبدأ بمناقشة التصوير النسائي الذي انتشر في محلات خاصة ومن عناوينها: (القبيحات يصبحن جميلات) ليلعبوا لعبتهم ويصلوا لأهدافهم من خلال مكرهم وتخطيطهم ودهائهم في غفلة من أهل الإيمان وفتور ممن يعنيهم الأمر، ومتى انتشرت الصور النسائية وأصبح ضرورة كما يدَّعون ويطالبون ويردِّدُون ولا يَسْأَمُون ولا يَمَلُّون عندها يصلون لما يريدون من نزع المرأة للحجاب، وإذا نزع الحجاب فسوف يكون الاختلاط بين الجنسين في شتى المجالات والأماكن والإدارات والمؤسسات التعليمية بدعوى الاقتصاد وعدم هدر الأموال والحاجة الملحة لذلك، ومن خلال ذلك يكون الاختلاء ويقع البلاء مع الخلوة التي بها ومعها تُمَارَسُ الشهوة، وعندها يصبح بلد التوحيد ومنارة الإسلام كغيره من البلاد، بعد ذلك هل يبقى أحد يعتقد وجوب الحجاب على المرأة المسلمة؟! فإذا قلنا: نعم، فهل يبقى للحجاب معنى إذا كانت صور النساء وظهورهن عن طريق التصوير واختلاطهن بالرجال في كل مجال؟! وإذا قلنا بأنه عليهن حرام، فهل ورد ما يخصهن بالتحريم دون الرجال؟! والإجابة تم توضيحها من خلال الكلام السابق، والصور لذوات الأرواح محرمة، وفي الآدميين أشد، وللمرأة أشد حرمة، ولا يُباح منها إلا ما كان للضرورة للرجال في البطاقة أو الرخصة أو الحفيظة أو الجواز أو استمارات الطلبة الذكور وكشف الجريمة وغير ذلك مما تدعو له الضرورة، وما كان للتعليم وما كان لنشر الإسلام وتعاليمه عبر الوسائل المختلفة دون توسع واهتمام بالمظاهر، مع الابتعاد عن عرض النساء أيًا كان فلا ضرورة في تعليم الدين عن طريقهن، بل لا يجوز أن تظهر المرأة أمام أي أجنبي عنها، وكما هو معلوم بأن الوسائل لها أحكام الغايات، والحكم يتبع المقصود إليه دون التابع.

فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى، ويُعِدّ نفسه للوقوف بين يدي الله تعالى، ويتذكر موقف الحساب والعقاب والثواب، وعلى المصورين الرجال والنساء أن يأخذوا بفتوى ابن عباس رضي الله عنهما ويَقْصُرُوا أعمالَهم على الجبال والأشجار والسفن والطائرات والسيارات والقطارات والمدارس والمساجد والمباني وآيات الله في البحار والجبال والأنهار والأرض والأنفس وفي حدود الضرورة والتعليم.

اللهم رُدَّ كيد أعداء الإسلام والمسلمين في نحورهم، واكفنا إياهم بما شئت وكيف شئت يا ذا الجلال والإكرام.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت