العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, محاسن الشريعة
خالد بن محمد بابطين
جدة
مسجد الراجحي
1-شرف هذه الأمة. 2- فضل القرآن الكريم. 3- هجر القرآن. 4- مع النداء السادس: الكرم بالتقوى. 5- الميزان الشرعي للتفاضل بين الناس. 6- من خصال الجاهلية.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى الذي أكرمكم بإنزال القرآن وخصّكم بشرفِ أعظم كتبه، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44] ، أي: شرف لك ولقومك. وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15، 16] .
إنه العصمة الواقية والنعمة الباقية والحجة البالغة والدلالة الدامغة، الشفاء لما في الصدور والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، الكلام الجزْل الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، شهاب لا يخمد سناؤه، بحر لا يُدرك غوره، بهرت بلاغتُه العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنى وأبلغ أسلوب، لا يَسْتَقْصِي معانيه فهمُ الخلق، ولا يحيط بوصفه ذو اللسان الطّلق، فالسعيد من صرف همّته إليه ووقف فكره وعزمه عليه، والموفّق من وفّقه الله لتدبره واصطفاه للتذكير به وتذكّره، فهو يرتع منه في رياض ويكرع منه في حياض.
أيها الإخوة المؤمنون، ما أحوجنا أن نعيش مع القرآن ونحيا به لتحيا به قلوبنا وتنشرح صدورنا وتطمئن نفوسنا. الحياة مع القرآن وبالقرآن هي أن يكون منهج حياتنا ومهذِّب نفوسنا ومزكّيها ومقوّم أخلاقنا ومعليها، هي أن نجعله إمامنا ليقودَنا إن اتبعناه إلى سعادةِ الدارين وينجينا من شقاوة الحياتين، فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:123، 124] .
عباد الله، كم من المسلمين من يقرأ القرآن أو يحفظه، كم من المصاحف تطبَع وتباع أو توزّع هنا أو هناك، كم من الكتب ألِّفت وتؤلَّف حول تفسير القرآن وأحكامه، كم نسمع فيه من الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، ولكن كم هو رصيد العمل من بين هذا الكمّ الهائل من العلم؟!
أيها الإخوة المؤمنون، إنه لممّا يؤسَف له أن حال كثير من الناس مع القرآن كحال من قال الله فيهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5] .
الهدى بين أيدينا لكنّا نتعامى عنه، والرشاد أمام أعيننا غير أنا نتغافل عنه، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146] .
كم لكثير من المسلمين من نصيب في هذه الآية وإن كانت جاءت في شأن بني إسرائيل، كم تشقى المجتمعات والأفراد وتشتكي مما بها وبلسَمُ الشفاء بين ظهرانيهم، وصدق من قال:
كالعيس في البيداء يقتلها الظـ ـما والماء فوق ظهورها محمول
وها أنت تراهم يسعَون في طلب السعادة عند أهل الشقاء، ويبتغون العزة عند من أذلّهم الله، قال تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] . بل أعجب من ذلك أنهم يطلبون الرحمة من أشدّ الأعداء.
أيها المؤمنون، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57] .
وها نحن اليوم نأتي على النداء الرباني الأخير في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] .
ذلكم هو الميزان الشرعي للتفاضل بين الناس، تضافرت نصوص الشرع من القرآن والسنة في تقريره والتأكيد عليه، ففي سنن الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله خطب الناس يوم فتح مكة فقال: (( يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بَرٌ تقيٌّ كريمٌ على الله، وفاجر شقي هَيِّنٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) )رواه أبو داود والترمذي. قَالَ الْخَطَّابِيُّ:"الْعُبِّيَّة الْكِبْر وَالنَّخْوَة".
وقال لأبي ذر: (( انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسودَ إلا أن تفضله بتقوى ) )رواه الإمام أحمد، وعن سهل بن سعد قال: مر رجل على النبيّ فقال لرجل عنده جالس: (( ما رأيك في هذا؟ ) )فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حريّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، فسكت رسول الله ، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله: (( ما رأيك في هذا؟ ) )فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خَطَبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَّعَ أن لا يُشَّفع، وإن قال أن لا يُسْمَعَ لقوله، فقال رسول الله: (( هذا خير من ملءِ الأرض مثل هذا ) )متفق عليه، وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله: (( إنّ أنسابكم هذه ليست بمسبّةٍ على أحدٍ، كلّكم بنو آدم طفّ الصاعُ لم تملؤوه، ليس لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إلا بدينٍ أو تقوى ) )، قال ابن الأَثير:"المعنى كلُّكم في الانتِساب إلى أَبٍ واحد بمنزلة واحدة في النقْص والتقاصُر عن غايةِ التَّمامِ، وشَبَّههم في نُقْصانهم بالكيل الذي لم يبلُغ أَن يملأَ المِكيالَ".
أيها المؤمنون، إن خصالا من خصال الجاهلية تظلّ موجودة في طوائف من الناس، فعن أبي مالك الأشعري أن النبي قال: (( أربع في أمتي من الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ) )رواه مسلم، وعن المعرور قال: رأيت أبا ذر الغفاري وعليه حلّة وعلى غلامه حلة مثله، فسألناه عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا فقلت له: يا ابن السوداء، فشكاني إلى النبي فقال لي: (( أعيرته بأمه؟! ) )ثم قال: (( إنك امرؤ فيك جاهلية، إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليُلْبِسْهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم ) )رواه البخاري.
أيها الإخوة، وتأمّلوا كيف طبّق الصحابة هذا الميزان الشرعي في التفاضل: لقي نافع بن عبد الحارث عمر بعُسْفَان، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزَى، قال: ومَن ابنُ أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم قد قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) )رواه مسلم.
وقال الحسن البصري رحمه الله: حضر أناسٌ بابَ عمر وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب والشيوخ من قريش، فخرج آذِنُه فجعل يأذَن لأهل بدر كصهيب وبلال وعمار ، فقال أبو سفيان: والله، ما رأيت كاليوم قط! يأذن لهذه العبيد ونحن جلوسٌ لا يَلْتَفِتُ إلينا، فقال سهيل بن عمرو: أيها القوم، إني والله لأرى ما في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لَمَا سبقوكم به من الفضل فيما يرونَ أشدّ عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه. قال الحسن: صدق والله، لا يجعل الله عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
لم ترد.