فقه
الصوم
يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه
القدس
المسجد الأقصى
1-كلمة في وداع رمضان. 2- دعوة للاستقامة على الطاعة بعد رمضان. 3- صيام ستة أيام في شوال. 4- الصيام لظمأ يوم القيامة. 5- صلة الرحم في العيد. 6- مظاهر مؤلمة في مجتمعاتنا للغش والخداع.
أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله، وتوبوا إليه واستغفروه من تقصيركم، وأنيبوا إليه، وإياكم والمجاهرة في الأعياد بقبيح الإثم والفساد، واحذروا طاعة الشيطان، فإنها مقرونة بغضب الرحمن، ويحذركم الله نفسه.
اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ذنبًا إلا غفرته، ولا كربًا إلا فرجته، ولا عيبًا إلا سترته، ولا دَينًا إلا أديته، ولا مريضًا إلا وشافيته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا غائبًا إلا إلى أهله رددته.
اللهم استر العورات وآمن الروعات وأحسن الختام يا رب العالمين.
ويا شهر رمضان غير مودع ودعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نهارك صدقة وصيامًا، وليلك قراءة وقيامًا، فعليك منا تحية وسلامًا، يا شهر الصيام أتراك تعود بعدها علينا أو تدركنا المنون فلا تؤول إلينا، مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا فيك معمورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح.
عباد الله، من كان منع نفسه في شهر الصيام من الحرام فليمنعها فيما بعده من الشهور والأعوام، فإن إلهكم واحد، وهو مطلع عليكم وشاهد.
واعلموا أن يوم العيد يوم سعيد، يسعد فيه أناس ويشقى فيه عبيد، فطوبى لعبد قبلت فيه أعماله، والويل لمن عمله عليه مردود، وباب التوبة عنه مسدود، وهو يوم يهنئ فيه المقبول ويعزى فيه المطرود، فيا أيها المقبول هنيئًا لك بثواب الله عز وجل وغفرانه، وتعسًا لك يا مطرود بإصرارك على عصيانه، لقد عظمت مصيبتك، فأين دمعتك وتوبتك، فلأي يوم أخرت توبتك؟ ولأي عام ادخرت عدتك؟ أإلى عام قابل أو حول زائل؟ كلا فما إليك مدةُ الأعمار ولا معرفة المقدار، فكم من أعد طيبًا لعيد، جُعل في تلحيده، وثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه، ومتأهبا لفطره صار مرتهلًا في قبلاه.
فاحمدوا الله على بلوغ ختام الشهر الفضيل، وسلوه قبول الصيام والقيام والصدقات، لله در أقوام تركوا الدنيا فأصابوا، وسمعوا منادي الحق يدعو فأجابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا وما خابوا.
فبادروا بالتوبة إلى الله عز وجل من جميع الذنوب والآثام، واعلموا أن الله تبارك وتعالى قد خلقنا لعبادته فقال جل من قائل: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون كان السلف رضي الله عنهم يرون أن من مات عقب عمل صالح كصيام أو حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والاستغفار عند الموت وفي كل وقت.
وتذكروا يا عباد الله أن يومكم هذا أعظم الله قدره، وأفاض عليكم فيه من النعم ما يوجب شكره، جعله عيدًا لما أديتم قبله من فريضة الصيام، وأباح لكم ما مُنعتم في صيامكم من شراب وطعام، فاحمدوا الله على إتمام الصيام، وسلوه التوفيق والقبول للتمسك بالدين وشرائع الإسلام.
وتذكروا واعتبروا يا عباد الله بمن كان معكم في مثل هذه الأيام من الأقارب والأهل والأحباب والجيران والأصدقاء والخلان، كيف جرعتهم المنية كؤوس الحِمام، وأودعتهم بطون القبور، لا يقدرون على زيادة حسنة، ولا ينتفعون في مضي يوم ولا سنة، تجردوا من هذه الحياة، والتحقوا التراب، وسكنوا بعد القصور العالية القبور الواهية البنيان، فلو رأيتم تحت التراب أحوالهم لرأيتم أمورًا هائلة وأعناقًا من الأبدان زائلة، وعيونًا على الخدود سائلة، ونحن إلى ما صاروا إليه صائرون، وعلى ما قدتم من العمل قادمون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله، عندما ينقضي رمضان كان للرسول صلى الله عليه وسلم ستة أيام يصومها في شوال، ولا يشترط في صيامها أن تكون بعد رمضان مباشرة، بل إنها جائزة طوال شهر شوال، ولا يشترط أن تصومها متتابعة، وإنما يجوز أن تفرقها تيسيرًا من الله الواحد العلام، وقد يسأل سائل ويقول: ما فضل هذه الأيام؟ وما فضل صيامها؟ يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله ) ) [1] .
وبيان ذلك أن صيام يوم واحد من رمضان يعدل عشرة أيام، فصيام رمضان بثلاثمائة يوم، وصيام يوم واحد من شوال يعدل عشرة أيام كذلك، فصيام الستة بستين يومًا، فإذا ما صمت رمضان والأيام الستة من شوال، فكأنك صمت ثلاثمائة وستين يومًا، كأنك صمت السنة كلها، فإذا لقيت الله تبارك وتعالى على ذلك أعطاك ثواب من صام العمر كله.
سيدي يا رسول الله، يا خير من صام وأفطر وهلل وكبر وبشر وأنذر، وبدين الحنيف أمر، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فما ولى ولا كلَّ ولا أدبر، هو صاحب الجبين الأقمر والوجه الأزهر، صلى الله عليه وسلم.
عباد الله، ومن كان من النساء عليه قضاء، فالواجب في الأصل أن تقدم المرأة المسلمة القضاء على صيام الأيام الستة من شوال، وكذلك من كان مريضًا فليقدم الأيام الأخر على صيام الأيام الستة، لأن القضاء مقدم على النافلة.
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أيامًا أخر يصومها في غير رمضان، صيام ثلاثة أيام من كل شهر مع رمضان، يقيك الله تبارك وتعالى من شر الظمأ يوم القيامة.
أتدرون يا عباد الله ما يوم الظمأ؟ إنه يوم يقول الله تبارك وتعالى فيه كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَ?صْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4، 5] ، في ذلك اليوم يشتد الظمأ بالعباد وتدنو الشمس من الرؤوس، وليس هناك من يسقي الماء إلا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (( حوضي على مقدار مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وريحه أطيب من ريح المسك، وطعمه أحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا ) ) [2] اللهم إنا نسألك أن تسقينا من حوض نبيك شربة من يده الشريفة لا نظمأ بعدها أبدًا يا رب العالمين.
عباد الله ومن الواجب عليكم في هذه الأيام السعيدة صلة الأرحام، فينبغي على العاقل أن يبادر إلى صلة الرحم، وأن يدفع ما عنده من البغضاء بالإحسان والإغضاء، فصل رحمك أيها المسلم ليرضى مولاك، وخالف بذلك نفسك وهواك، واصبر على أذاهم، فإنه بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أوصاك، وبالغ بالإحسان إلى من أساء إليك منهم، تحمد بذلك عقباك، وحسِّن أخلاقك معهم تنل راحتك ويطيب مثواك.
وتذكروا أيها المؤمنون أن الرحمة لا تتنزل على قوم فيهم قاطع رحم، وأن قطيعة الأرحام من الفساد عند الله تبارك وتعالى، اسمعوا قول الباري جل في علاه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ?لأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] ، ومعنى هذه الآية الكريمة: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وتقطيع الأرحام.
اللهم اجعلنا وإياكم ممن يصلون أرحامهم.
عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فكن ما شئت كما تدين تدان ) ) [3] . ويقول عليه الصلاة والسلام: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) ) [4] .
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله.
[1] رواه أبو داود في سننه (2078) ، وابن ماجه في سننه (1706) .
[2] رواه بلفظ مقارب البخاري (6093) ، كتاب الرقاق، باب في الحوض، ومسلم (4244) في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم.
[3] رواه البيهقي في الزهد الكبير، من حديث أبي قلابة (2/277) ، وضعف إسناده الألباني في السلسلة الضعيفة (4124) .
[4] رواه أحمد في مسنده (12576) ، والترمذي في جامعه (2423) ، وابن ماجه في سننه (4241) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2029) .
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرف الأمور كما يشاء ويختار، نحمده على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، ونشهد أن لا إله إلا الله عالم الغيب والشهادة، وكل شيء عنده بمقدار، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدًا عبده ورسوله الذي رفع عنا ببعثته الأغلال والآصار، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأبرار ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
أيها المؤمنون، فئات مارقة ضالة تنتسب إلى الإسلام لفظًا، غير أن تصرفاتها وأعمالها لا تمُتّ للإسلام والتعاليم الدينية بصلة، هذه الفئات المارقة تعيث في الأرض فسادًا دون رقيب ولا حسيب ولا نوازع من دين أو خلق، تنتهج أساليب قذرة وطرائق ملتوية لسلب وابتزاز أموال الأبرياء من أبناء شعبنا المسلم، فتزداد الهوة ارتفاعًا بين أفراد أمتنا، لقد عمد بعض الأشخاص من عديمي الإيمان إلى ابتزاز أموال إخوة لنا دفعوا أموالهم من أجل أداء سنة العمرة، فتبين لهم بعد ذلك أن المكاتب التي سجلت فيها الأسماء مكاتب وهمية، فضاعت أموالهم، ومُلئت نفوسهم حسرة ومرارة، وعيونهم دموعًا لعدم تمكنهم من أداء العمرة وزيارة مسجد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
اللهم انتقم ممن يسعون في الأرض فسادًا، فحذار ثم حذار من اعتماد مكاتب غير رسمية وغير معتمدة، سيما ونحن مقبلون على موسم الحج، وحذار ثم حذار مرة أخرى من التسجيل بما يسمى بالحج المميز قبل التأكد من إمكانية الحج والسفر.
أيها المؤمنون، وفئات أخرى ضالة أيضًا عمدت إلى ابتزاز أموال شعبنا بأساليب ساقطة من أناس كانوا بأمس الحاجة لعمل معاملات جمع شمل أو الحصول على البطاقات الشخصية أو مخصصات التأمين الوطني.
وفئات أخرى أيضًا عملت على تزوير أوراق ثبوتية أو وكالات دورية لوضع اليد على عقارات وأراض لأشخاص متوفَين أو قهرهم الاحتلال، فهُجِّروا وأبعدوا عن الوطن، فتقوم هذه الفئات بسلب أراضيهم والاستيلاء على ممتلكاتهم.
وفئات أخرى تزعم أنها تصلح ذات البين فتبتز أموال الناس بالباطل بدعوى الإصلاح.
نعم أيها المؤمنون، هذه بعض مظاهر الفساد في مجتمعنا، فالمطلوب منا توحيد الصفوف للوقوف بحزم أمام هذه الفئات المارقة، لردعها عن التمادي في غيها وضلالها.
إن غياب الإسلام عن واقع أمتنا يتيح لهذه الفئات الفرصة لتفشي الفساد وتنشره، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الشريف: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ) [1] .
عباد الله، توجهوا إلى الله تبارك وتعالى بقلوب مخلصة منكسرة، فالنفاق ليس من عمل المؤمنين، وإنما هو من عمل المفسدين، توجهوا إلى الله، وصلوا على نبينا المصطفى، وحبيبنا المجتبى، فهذا خير لكم.
[1] رواه مسلم في صحيحه (70) ، في كتاب الإيمان، بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.