فهرس الكتاب

الصفحة 4174 من 5777

أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها

سيرة وتاريخ

تراجم

محمد بن سليمان المهوس

الدمام

جامع الحمادي

1-الصحابية أم سليم رضي الله عنها داعية مجاهدة مؤمنة صابرة. 2- صفات أم سليم رضي الله عنها وسماتها وزواجها. 3- أم سليم رضي الله عنها أمًّا ومربية. 4- تعاهد الرسول بالتربية لابنها أنس رضي الله عنه والدعاء له. 5- زواجها من أبي طلحة. 6- قصتها في موت ابنها وصبرها. 7- بركتها وشمائلها وفضائلها في سيرتها كلها رضي الله عنها.

أيها الناس، في هذه الخطبة المباركة إن شاء الله تعالى نتكلم عن الداعية المجاهدة والمؤمنة الصابرة البارة بزوجها صاحبة أكرم مهرٍ في الإسلام المؤمنة المربية أم سليم بنت ملحان، الملقبة بالرميصاء، صاحبة الخلق الكريم والذكاء النادر، حتى أصبحت حديث الناس، ولهذا سارع ابن عمها مالك بن النضر فتزوجها، فولدت له أنس بن مالك الصحابي الجليل المعروف.

كانت أم سليم من السابقين إلى الإسلام من الأنصار، ولم تُبالِ بما يمكن أن تلاقيه من المجتمع الوثني. وكان من أول من وقف في وجهها زوجها مالك بن النضر الذي غضِب عليها عندما علم بإسلامها فقال لها بغضبٍ بالغ: أصبوت؟! فقالت بيقين وثبات: ما صبوت، ولكني آمنت.

لم تكتف بهذا فقط، بل جعلت تلقن طفلها أنسًا وتقول: يا بني قل: لا إله إلا الله قل: أشهد أن محمدا رسول الله، فيقول ما تلقنه بكل براءة، فيقول لها أبوه: لا تفسدي عليّ ابني، فتقول: إني لا أفسده بل أعلمه وأهذبه.

نعم أمة الإسلام، إنها تُوقظ جانبَ الفطرة في نفس الطفل، وتوجِّهُها إلى الله، توجهها إلى الخالق الرازق المنعم المستحق لكمال الخضوع والذل والحب، وتعلمه من صغره الإقرار بنبوة محمد ، وكما قيل:

قد ينفعُ الإصلاحُ والتْ ـتَهذيبُ في عَهد الصغر

والنَّشء إن أهملته طفلًا تعثر فِي الكبر

فأين هذا ـ عباد الله ـ من بعض الأمهات اللاتي يُلقِّنَّ أطفالهنُ َّ بعض الأغاني والكلمات الساقطة.

ثم تحركت لدى مالك بن النضر مشاعرُ الاعتزاز بالإثم أمام َمواقف زوجته الصلبة وصمودها على الإسلام، فلم يجد بُدًا من إخبارها بأنه سيخرج من البيت هائمًا على وجهه، وأنه لن يعود إليه حتى تعود إلى دينها السابق، فخرج من البيت فلقيه عدوّ له فقتله. ولما علمت أم سليم بمقتل زوجها احتسبت ذلك، وقالت: لن أتزوج حتى يأمرني أنس.

وذهبت أم أنس إلى الحبيب المصطفى ، وعرضت عليه فلذة كبدها أنس قائلة: هذا أنس يا رسول الله، أحب أن يكون خادمًا لك، فرحب رسول الله به، وأقر عينها بذلك فقالت: ادع الله لخويدمك، فقال: (( اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته ) )متفق عليه.

وكان عمر أنس حينذاك تسع سنين، وقيل: ثماني سنين، فخدم النبي عشرَ سنين، قال أنس: فلقد دفنت من صلبي مائة نفس، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأنا أرجو مغفرة الذنوب.

سمع أبو طلحة بالخبر، فتقدم للزواج من أم سليم وعرض عليها مهرًا غاليًا، فقالت له: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره. رواه النسائي. فأسلم أبو طلحة فقالت: يا أنس، زوِّج أبا طلحة.

الله أكبر عباد الله، أين نحن ممن يزوجون بناتهم ويغالون في مهورهن لأناس لا يصلّون ولا يشهدون الجمع والجماعات، لكنهم يدفعون الأموال الطائلة؟!

عباد الله، لقد هزت هذه الكلماتُ أعماقَ أبي طلحة وملأت كيانه، فقد تمكنت أم سليم من قلبه تمامًا، فليس هي بالمرأة اللَّعوب التي تنهار أمامَ المغْرَيات، إنها المرأة العاقلة التي تفرض وجودها، وهل يجد خيرًا منها تكون زوجًا له وأمًا لأولاده؟! وما شعُر إلا ولسانه يردد: أنا على مثل ما أنت عليه يا أم سليم، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

وعاشت أم سليم مع أبي طلحة حياة زوجية سعيدة، تقوم بحقوق زوجها، كما كانت مثالًا للأم الرؤوم والمربية الفاضلة الداعية.

واسمعوا ـ عباد الله ـ لما يرويه لنا أنس بن مالك عن حال أبي طلحة بعد إسلامه، يقول أنس: كان أبو طلحة أكثر أنصاريي المدينة نخلًا، وكان أحب أمواله إليه بيرُحاء، كانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: لَن تَنَالُواْ ?لْبِرَّ حَتَّى? تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله ، إن الله سبحانه يقول في كتابه: لَن تَنَالُواْ ?لْبِرَّ حَتَّى? تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها ـ يا رسول الله ـ حيث أراك الله.. الحديث. متفق عليه.

فانظروا ـ عباد الله ـ إلى أثر دعوة أم سليم لأبي طلحة الأنصاري.

ويكرم الله هذين الزوجين بولد ذكر، فرِحا بقدومه أعظم الفرح، وأصبح قرة عين لهما، يأنسان به وبحركاته، وقد سمياه أبا عُمير، وقد اتخذ الطفل طائرًا يلعب به، فمات الطائر فحزن عليه وبكى من أجله، فمر رسول الله به فقال له مداعبًا ومواسيًا: (( يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟! ) )متفق عليه.

وشاء الله أن يمتحنهما بالطفل الجميل المحبوب، فمرض أبو عمير وشُغِلَ الأبوان به، وكان أبوه إذا عاد من السوق ابتدأ بسؤال الأهل عنه وعن صحته، وخرج أبو طلحة مرةً إلى المسجد فقُبِضَ الصبي، وتلقت الأم المؤمنة الصابرة الحادثَ بنفس راضية طيبة، وسجَّته في فراشه وهي تردد: إنا لله وإنا إليه راجعون، صبر واحتساب ورضا بالمقدور، وقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكونَ أنا أحدثه.

ولما رجع أبو طلحة كانت أم سليم قد جففت دموعَ الرحمة من عينيها، وهشّت لاستقبال زوجها، وأجابته عن سؤاله المعهود: ما فعل ابني؟ فقالت له: هو أسكن ما يكون، فظن أنه عوفي، ففرح لسكونه وراحته، ثم قربت له عشاءه ولبست أجمل ثيابها وتزينت وتطيبت، فأصاب منها. ولما كان من آخر الليل قالت بكل أدب وذكاء: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، فهل لهم أن يمنعوها عنهم؟! قال: لا، فقالت: احتسب ابنك.

الله أكبر عباد الله، زوجة بارة، لم تلجأ لهول المصاب إلى النياحة والصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب أو إلى الانتحار، بل تعاملت مع الموقف بهدوء وسكينة، يعجز عنه بعض الرجال.

فلما أصبح أبو طلحة ذهب إلى رسول الله وأخبره بما كان، فقال رسول الله: (( بارك الله لكما في غابر ليلتكما ) )رواه مسلم. فكان ذلك حملها بعبد الله بن أبي طلحة، والذي رزق بسبعة من الأولاد، كلهم قد ختم القرآن.

فرضي الله عنكِ يا أم سليم، ورضي الله عن زوجك أبي طلحة وولدك وصحابة رسولك أجمعين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأعوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله، ومع هذه الصحابية الجليلة والداعية المؤمنة التي أنزل الله فيها آيات تتلى إلى قيام الساعة؛ وذلك عندما جاء رجل إلى النبي فقال: إني مجهود، فقال عليه الصلاة والسلام: (( من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ ) )فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق إلي بيته فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال فعلّليهم بشيء ـ أي: سليهم بشيء ـ ونوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأريه أننا نأكل، فإذا هوى بيده ليأكل فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت فقعدوا، فأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله فقال له عليه الصلاة والسلام: (( قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ) )متفق عليه، فأنزل الله عز وجل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] .

وهكذا ـ عباد الله ـ كان لأم سليم منزلةٌ عاليةٌ عند رسول الله ، فلم يكن يدخل بيتًا غير بيت أم سليم، وقد بشرها عليه الصلاة والسلام بالجنة حين قال: (( دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك ) )رواه مسلم.

فهنيئا لك يا أم سليم، فأنت تستحقين كل ذلك، زوجة صالحة وداعية حكيمة ناصحة وأم مربية واعية، فهنيئًا لك هنيئًا لك.

ولنا في هذه السيرة العطرة لهذه الصحابية الفاضلة والداعية المجاهدة ـ عباد الله ـ الدروس والعبر والتي منها:

قضية الولاء والبراء، وهي من أهم القضايا العقدية، الولاء لله والبراء في الله ومن أجله، الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين والمنافقين وسائر أعداء الدين، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فهذه أم سليم لم تسمع كلام زوجها ولم تُلق لتهديده بالًا، بل ثبتت على دينها وعقيدتها.

ومن الدروس أيضا الحرص على تربية الأولاد وتعليمهم وإيقاظ جانب الفطرة لديهم.

ومن الدروس أيضا أن الإسلام ليس فوقه شيء ولو جمعت كنوز الدنيا، ولذلك اختارت أم سليم الإسلامَ مهرًا لها؛ لأن منزلة الإسلام عندها أعظم من كل نعيم الدنيا.

ومن الدروس أيضا أن على المرأة أن تكون مثالا للداعية الناصحة والزوجة الصالحة التي تقوم بحق ربها وبحق زوجها ومدرسة دعوية في بيت زوجها.

ومن الدروس أيضا التحلي عند المصائب بالصبر والاحتساب، والتسليم لقضاء الله وقدره، والتصرف بحكمة العقلاء عند الشدائد، وقد ضربت أم سليم في باب الصبر أروع الأمثلة، والذي يعجز عنه الرجال فضلا عن النساء، ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت