الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-فضل الغسل يوم الجمعة. 2- فضل السواك والتطيب يوم الجمعة. 3- فضل الصلاة على النبي يوم الجمعة.
قد سمعتم فيما مضى من الخطب من فضل يوم الجمعة وشرفه وعظيم أجوره ما يرغِّبكم على الإتيان إليها رغبةً في الفوز بفضائلها وعظيم أجورها. وعلمتم أنَّ جميعَ ما سمعتم من فضائل يوم الجمعة وما فيها من الأجر والثواب والكرامة فإنَّما يَنالُ ذلك من كان مِن أهل الجمعة فقط، وهو كلُّ من واظب في كلِّ جمعة على أداء وظائفها المتعلِّقة بها، ولم يتخلَّف عنها إلاَّ لعذر أو لضرورة، وقد ذكرت من هذه الوظائف صلاة الجمعة. ثمَّ أقول:
2-ومن وظائف هذا اليوم: وجوب الاغتسال فيه غسلًا زائدًا على غسل الجنابة أو التنظيف أو التبرُّد، وفي هذا أحاديث صحيحة، منها ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه، ثم تطيب من أطيب طيبه، ولبس من صالح ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع الإمام، غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ) )، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك ويمسّ من الطيب ما قدر عليه ) )رواه مسلم وغيره، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك ) )رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
والاغتسال يوم الجمعة فيه ثواب وفضل، فقد روى الطبراني في الأوسط وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن أبي قتادة رضي الله عنه قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة، قال: أعد غسلا آخر إني سمعت رسول الله يقول: (( من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى ) ).
والغسل إنَّما يشرع لمن يحضر الجمعة من النساء والرجال، وأمَّا من لا يحضرها من النساء أو من ذوي الأعذار من الرجال فلا يلزمهم هذا الغسل.
3-ومن وظائف هذا اليوم: استحباب السواك فيه، والسواك حسنٌ في الأحوال كلِّها، لكنَّه بين يدي الصلوات عمومًا وصلاة الجمعة خصوصًا أشدُّ استحبابًا وآكد على سائر الأحوال والأوقات.
وقد ورد الأمر به في خصوص الجمعة في حديث أبي سعيد الخدري عن النبيِّ قال: (( غسل يوم الجمعة واجب على كلِّ محتلم وسواكٌ ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه ) )رواه مسلم، وعن ابن عباس عن رسول الله قال: (( من جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمسَّ منه، وعليكم بالسواك ) )رواه ابن ماجة وهو حسن لغيره.
4-ومن وظائف هذا اليوم أيضًا: التطيُّب بأحسن ما يجده العبد ويقدر عليه من أنواع الطيب والمسك للأحاديث التي مرَّ ذكرها قريبًا، ولحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت حتى يصلي، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى ) )رواه أحمد والطبراني ابن خزيمة في صحيحه.
5-ومن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم: الادِّهان، ويقوم مقامَه اليوم أنواع الغسول للشعر، وذلك لحديث سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) )رواه البخاري والنسائي.
هذا وللحديث بقيَّة تأتي بعد حين، والحمد لله رب العالمين.
6-ومن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم: لبس الجديد، وأحسن ما يجد، وهو الثوب الأبيض، فقد كان أحبُّ الثياب إلى رسول الله القميص الأبيض، ولذلك يحشر أهل الجمعة يوم القيامة ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم كالمسك، كما في حديث أبي موسى الأشعري عن النبيِّ ، وعن عبد الله بن سلام أنَّه سمع النبيَّ يقول على المنبر في يوم الجمعة: (( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ) )رواه أبو داود وابن ماجة بسند صحيح.
7-ومن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم أيضًا: استحباب الإكثار من الصلاة على النبيِّ ، فإنَّ أوسَ بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه؛ خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا من الصلاة عليّ فيه، فإن صلاتكم يوم الجمعة معروضة عليّ ) )، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! أي: بليت وصرت رميمًا، فقال: (( إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أن تأكل أجسامنا ) )رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له.
قال ابن القيِّم:"ورسول الله سيِّد الأنام، ويوم الجمعة سيِّد الأيَّام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزيَّة ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أنَّ كلَّ خير نالته أمَّته في الدنيا والآخرة فإنَّما نالته على يده، فجمع الله لأمَّته بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنَّما تحصل يوم الجمعة، فإنَّ فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنَّة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنَّة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم يُسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يردُّ سائلهم، وهذا كلُّه إنَّما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقِّه أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته".
فلله الحمد والشكر كلُّه، أوَّلًا وآخرًا، باطنًا وظاهرًا.