الرقاق والأخلاق والآداب
اللباس والزينة
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
1 ـ من الألبسة المحرمة ما كشف العورة. 2 ـ ومنها ما كان ثوب شهرة وتباهي. 3 ـ ومنها ما تشبه به بالكفار. 4 ـ أمور أخرى تحرم الملابس لوردوها عليها.5 ـ الأصل في اللباس الإباحة، وضوابط حرمة بعض الألبسة.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، لقد سبقت مقدمة في اللباس والزينة، وفي هذا اليوم نفيض الحديث عن اللباس وننتقل من الإجمال إلى التفصيل، ومن الإيماء إلى التصريح، ونضع اليد على الجرح وإن أوجع، ونصف الداء وإن أحرج.
إخوة الإسلام: إن للباس والزينة شأنًا عظيمًا في ملة الإسلام، وما جاء في ذلك من الكتاب والسنة لَيَحِلُّ محلًا كبيرًا في الأسفار والتصانيف، فقد عقد أهل العلم في كتبهم أبوابًا وفصولًا مستقلة، تخص اللباس وحده.
ومن خلال النظر فيها يتبين أن الأسباب الداعية إلى تحريم بعض الألبسة لا تخرج عن واحد مما سيأتي تفصيله:
فمن ذلك التحريم بسبب ما يفضي إليه من الفتنة كظهور العورة في حق الرجل والمرأة أو تجسيد الجسم أوتقسيمه لضيق اللباس أو شفافيته أو قصره ، مما هو مظنة الفتنة.
أو إخراجُ العينين أو الوجه والكفين في حق المرأة ونحو ذلك مما هي مأمورة بستره عملًا بقوله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لاِزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: 59] .
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ"الجلباب: هو الرداء فوق الخمار"، وقال ابن عباس: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) .
وبهذا يعلم أيها المسلمون ، أن ما يقوم به جملةٌ من النساء اليوم من تغطية الوجه مع إخراج العينين وما جاورهما من الحواجب وطرف الأنف وشيء من الخدين
إن هذا كله خطأ واضح ومسلك مشين وماذا أبقت المرأة من جمالها حينئذٍ.
إنها ربما سترت القبيح وأظهرت الحسن، والشارعُ الحكيم أذن لها في إبراز إحدى العينين لترى بها الطريق لا أن يراها أهل الطريق.
فيجب على الرجال والنساء ـ كلٌّ بحسبه ـ سترُ عوراتهم، والسَّتْر لا يقصد به تغطية البشرة فقط، بل يتعداه إلى تغطية الأعضاء المحكوم شرعًا بأنها عورة فلا بد من سترها عن أنظار الناس.
وسبب آخر من أسباب التحريم هو ما يكون من أجل الشهرة والتباهي والخيلاء، لقوله: (( من لبس ثوب شهرة، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ) )رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وكذا إسبال الثياب وجرها أسفل من الكعبين، سواء كان ذلك خيلاء أو لم يكن، ولا ينبغي أن يفرق بين من يسبل لأجل الخيلاء، ومن يسبل بلا خيلاء، والجواب الصحيح في ذلك: هو أن ما أسفل الكعبين إذا لم يكن خيلاء فهو في النار، وأما إذا كان خيلاء فإن العذاب يكون أشد، يقول: (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) )رواه الشيخان وفي رواية: (( ما أسفل من الكعبين ففي النار ) )هذا في حق الرجل، أما في حق المرأة فإنها تسدل ثوبها حتى يغطي قدميها، لأن القدمينِ عورةٌ بالنسبة لها.
وسبب ثالث من أسباب التحريم: وهو التشبه، كتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء في اللباس، فكل لباس يختص بأحد الجنسين سواء كان شاملًا لجميع الجسم كالقميص ونحوه، أو مختصًا بعضو منه كالسراويل وغطاء الرأس، أو الأطراف كالحذاء والجوارب، في لونه أو هيئته، فإنه لا يجوز للجنس الآخر لِبسه، لما ورد من النصوص الصحيحة الصريحة في وعيد المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، ففي البخاري وغيره عن ابن عباس قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، وعن أبي هريرة قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل) .
فما جرى العرفُ الذي لا يخالف الشرع عليه بأنه من لباس النساء في نوعه أو لونه أو هيئة تفصيله وخياطته، فلا يجوز للرجال لِبسه، وهكذا ما تعورف عليه بأنه من لباس الرجال الخاص بهم فلا يجوز للنساء لبسه، ولو على سبيل الهزل أو التمثيل في المناسبات، حتى لا يتعرض المسلم للعن، وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
ومما انتشر في الآونة الأخيرة وفي شباب هذه الأمة الذين يُرجى منهم نصرة هذا الدين، انتشر بينهم التشبه بالنساء بل محاكاتهم تمامًا من خلال ارتداء الملابس النسائية والنقاب والعباءة، ظهر ذلك في تعبيراتهم عن الفرح بالعيد السعيد قبل أسبوعين، حتى إنه ليخيل للمشاهد عن بعد أنه أمام سيارة عائلية أو أن السيارة تقودها امرأة ولكن الحقيقة خلاف ذلك تمامًا، فمشهد العائلة داخل السيارة والمرأة التي تقود السيارة ما هم إلا جمال استنوقت، نعم شباب متشبهون بالنساء
ولا عجب أن النساء ترجلت ولكنَّ تأنيث الرجال عجيب
وهذا هو الذي جنته الأمة من مخططات تتفيه الشباب وتحويلهم إلى قطعان حيوانية عن طريق القنوات الفضائية وفتح سبل الشر عليهم وإضعاف الرقيب.
وإلا فهل يعقل أن يعمد رجل شهم إلى تحويل نفسه إلى امرأة أو الرقص بملابس امرأة.
وأمر أبعد من ذلك في هذه الفعلة القذرة ربما يكون مخططًا لإذهاب هيبة المرأة وعدم الثقة فيها حتى تكشف عن وجهها ويطبق ذلك على بطاقتها. وقد نُشِرَت صورة هؤلاء السفلة في صحيفة الرياض في اليوم السابع من هذا الشهر.
إخوة الإسلام:
ومن التشبه المنهي عنه أيضًا التشبه بالأعاجم وأهل الكفر في يهم يقول عبدالله بن عمرو: رأى عليَّ رسول الله ثوبين معصفرين فقال: (( إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها ) )رواه مسلم.
وفي الصحيحين أن عمر كتب لولاته:"وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير"ومما قاله الفقهاء: يحرم من اللباس ما خالف ي العرب وأشبه ي الأعاجم.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا هذه المسألة فيقول:"المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقودان إلى موافقة في الأخلاق والأعمال"ثم مثل على ذلك فقال:"فلابس ثياب أهل العلم مثلًا يجد في نفسه نوع انضمام إليهم، وهكذا بالنسبة لثياب الجند المقاتلة، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق أتم، ثم يؤول الأمر إلى ألا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط أ.هـ"ولقد صدق والله فهذا ما نراه في الشباب اليوم تململ باللباس الرجولي، وارتماء مشين في لباس أهل الفن والمجون، ومحاكات لهيئات الكافرين، وليتها محاكاة فقط ولكنها في صورة المستعرض لاكتشافه لها واحتقاره لمن لم يتوصل إليها،حتى لقد أصبح المرء الغيور يرى من أحوالهم ما يحترق له الفؤاد ويقال مثل ذلك في مشابهة الفسقة من مغنين وفنانين ممن ليس على طريق الحق.
ويبلغ منك الهم مبلغه إذا رأيت أبًا لهؤلاء الفئام من الشباب من أهل الخير والصلاح والمسابقة إلى الصلاة لكنه لا يعلم أن التشبه قصة طويلة لها آثار نفسية بليغة، من الانهزامية وموالاة الكافرين وضعف القناعة بما يمتلكه المسلمون من حضارة وتلقي كل ما يقال من الغرب من خير أو شر إلى غير ذلك.
معاشر المسلمين:
وسبب آخر من أسباب تحريم بعض الألبسة وهو لأمر خارج عن ذاتها كالملابس التي تحاك عليها الصور المحرمة أو ذوات الأرواح أو الكلمات الكفرية أو النابية أو صورة الصليب أو شعارات الكفار أو أعيادُهم أو يكون فيها سب للدين أو امتهان للكلمات المعظمة فيه ونحو ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها فرأى وسادة فيها تصاوير، فقام على الباب ولم يدخل، فعرفت عائشة رضي الله عنها في وجهه الكراهة، فقالت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة فيقال: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة"متفق عليه."
فلا يجوز لمسلم أو مسلمة أن يلبس ما فيه صور، أو يلبسه ولده من ذكر أو أنثى، وكذلك ما فيه التصاليب، إلا أن يكون ممتهنًا، ولا تحل الصلاة فيه، فمن صلى بثوب فيه صورة فلا صلاة له، إلا إن كان لا يدري،و يجب طمس الصور بحيث لا تبقى معه الروح، فإن كانت الصورة مجسدة قطع رأسها، وإن كانت نقشًا طمس بصبغ أو تطريز، ففي صحيح مسلم"عن علي رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالًا - وفي لفظ: صورة - إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته".
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
أما بعد فيا عباد الله
اتقوا الله حق التقوى واعلموا أن الأصل في اللباس الإباحة فإنه داخل في عموم قوله تعالى:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض"فكله حل لنا إلا ما قام دليل من الشرع على تحريمه، ولهذا كان المحرم من اللباس قليلًا بالنسبة للحلال.
وما تقدم من الضوابط يوضح المحرم من اللباس.
وينبغي على جميع الناس أن يعرفوا هذه الضوابط وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم أمره واختصار هذه الضوابط كما يأتي:
أحدها: اللباس المفضي إلى الفتنة كاللباس المظهر للعورة لضيقه أو شفافيته أو قصره وكا المجسد لجسم المرأة والمبدي لتقاسيمه أو إخراج العينين أو الوجه ونحو ذلك
الثاني: ما يكون من أجل الشهرة والتباهي والخيلاء وكذا إسبال الثياب وجرها أسفل من الكعبين.
الثالث: ما فيه تشبه بالكفار كالزي الخاص بهم أو ما فيه لهم أشارة أو شعار.
الرابع: تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال.
الخامس: التحريم لأمر خارج كالملابس التي عليها التصاوير والكلمات الكفرية ونحو ذلك مما تقدم.
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن الواجبَ والمسؤوليةَ عظيمةٌ على كل فرد منا بحسب ما خوله الله من الرعاية والتوجيه وحمَّله من الأمانة، من ولاةٍ وعلماء، ودعاةٍ وأولياء أمور.
كما أن على التجار مسئوليةً عظمى تجاه ذلك إذ عليهم أن يوجدوا البديل المباح، وأن يكفوا عن بيع ما يخدش الحياء، أو يكشف العورات، وليحذروا مغبة فعلهم، وليعلموا أن عليهم إثم ما يبيعونه وينشرونه بين المسلمين، وإثم من يلبسه إلى قيام الساعة من غير أن ينقص من أوزار من يلبسه شيء وليحذروا أن يكونوا بفعلهم هذا ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنهم مسؤولون عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها.
هذا وصلوا أيها المسلمون وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه في قوله: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الحوض والمقام المحمود...