فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 5777

الغيرة

الرقاق والأخلاق والآداب

مكارم الأخلاق

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1 ـ الغيرة من أخلاق العرب. 2 ـ غيرة الله أن تنتهك حرماته. 3 ـ المدنية الحديثة تقتل معاني الغيرة بإعلانها للفاحشة عبر وسائل الإعلام. 4 ـ صور من ذهاب الغيرة عند كثير من المسلمين. 5 ـ صور من غيرة الله عز وجل. 6 ـ غيرة المؤمن على محارمه ومحارم الله.

أما بعد:

معاشر المسلمين ، لقد كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم، وعنوان عرضهم، ولذلك فقد تفننوا في حمايتها والمحافظة عليها، والدفاع عنها زوجة وأمًا، ابنة وأختًا، قريبة وجارة، حتى يظل شرفهم سليمًا من الدنس، ويبقى عرضهم بعيدًا أن ُيمس.

ولم يكن شيء يثير القوم كالاعتداء على نسائهم أو المساس بهن، ولذلك كانوا يتجشمون في الدفاع عنهن كل صعب، ولا يضنون بأي غال، لقد كانت الغيرة تولد مع القوم وكأنهم رضعوها فعلًا مع لبان الأمهات.

ثم جاء الإسلام فحمد لهم هذه الغيرة، وشجع المسلمين عليها، ذلك أنها إذا تمكنت في النفوس كان المجتمع كالطود الشامخ حمية ودفاعًا عن الأعراض.

وأخبر النبي عن غيرة الله وغيرة المؤمن فقال: (( إن الله يغار، وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه ) )رواه مسلم. وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفحَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتعجبون من غيرة سعد ، لأنا أغير منه، والله أغير مني ) ) [رواه البخاري] . وفي رواية له قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ) ).

وقد استدل العلماء بقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ?لْفَو?حِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَ?لإِثْمَ وَ?لْبَغْىَ بِغَيْرِ ?لْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِ?للَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـ?نًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33] ، على أنها أصل في إثبات الغيرة لله تعالى ، ومن غيرته جل وعلا أن حرم الفواحش.

أيها المسلمون ، وخلق الغيرة ليس شيئًا يكتسب بالقراءة والكتابة، ولا بالموعظة والخطابة، ولكن الغيرة منزلة لا تنال - بعد توفيق الله ورحمته - إلا بالتربية والتهذيب والصرامة والحزم وقوة الإرادة والعزم, إنها لا تنال إلا في ظل الحياة الطيبة حياة المحافظة والفطرة السليمة التي لم تتعرض لعواصف التغيير والإفساد.

إن الأسف كل الأسف، والأسى كلَّ الأسى فيما جلبته مدنية هذا العصر من ذبح صارخ للأعراض، ووأدٍ كريه للغيرة. أغانٍ ساقطةٌ، وأفلامٌ آثمة، وسهراتٌ فاضحة، وقصصٌ داعرةٌ، وملابس خالعة، وعباراتٌ مثيرة، وحركاتٌ فاجرة؛ ما بين مسموع ومقروء ومشاهد، في صور وأوضاع يندى لها الجبين في كثير من البلاد والأصقاع إلا من رحم الله.

بل إن في الفضائيات التي علت كثيرًا من البيوت إعلانًا للفحشاء بوقاحة؟؟ وإغراقًا في المجون بتبجح؟؟. وتعرض تفاصيل الفحشاء في كثير من الأحيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل؟؟.

حسبنا الله من أناس يهشون للمنكر ويودون لو نبت الجيل كله في حمأة الرذيلة، وحسبنا الله من فئات تود لو انهال التراب على الفطرة المستقيمة والحشمة الرفيعة.

ما هذا البلاء؟ كيف يستسيغ ذوو الشهامة من الرجال، والعفة من النساء لأنفسهم ولأطفالهم، لفتيانهم ولفتياتهم هذا الغثاء المدمر من ابتكارات البث المباشر وقنوات الفضاء الواسع؟؟.

أين ذهب الحياء؟ وأين ضاعت المروءة؟ أين الغيرة من بيوت هيأت لناشئتها أجواء الفتنة، وجرتهم إلى مستنقعات التفسخ جرًا، وجلبت لهم محرضات المنكر تدفعهم إلى الإثم دفعًا، وتدعُّهم إلى الفحشاء دعًّا؟؟.

اطلعت امرأة شريفةٌ على الخمر ثم سألت: هل تشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم. قالت: زَنًين ورب الكعبة!!!

أي والله إذا جلبت أسباب الفساد ظهرت النتائج ولو بعد حين ، وهذه الفضائيات التي قدمت قبل بضع سنوات غيرت في مجتمعاتنا شيئًا كثيرًا، غيرت في شبابنا وفتياتنا في رجالنا ونسائنا.

لقد أصبح الفساد مقننًا يجمع في طياته الكثير من الدلالات من الانهزامية والتبعية والغفلة والغباء والخبث والمكر كلها في آن واحد.

إخوة الإسلام: ولا تبتلى الأمة بمثل بلائها ببني جلدتها الناطقين بلغتها العارفين بطبيعتها ومداخلها ومخارجها.

وأصبح مصاب الأمة اليوم عظيمًا في شبابها وكوادرها التي كانت تعقد عليهم خناصرها، وأعظم المصائب تلك التي تكون في الإنسان، ذات الإنسان عندما يصاب في دينه، عندما يصاب في عقله، عندما يصاب في عزته وعفته وغيرته.

تجده محاكيًا لعدوه في كل صغير وكبير، يلعق أحذيتهم ويحاكي لبسهم ويفعل بشعره فعلهم في لهاث دائم ونفسية مهزومة مهزوزة.

وأصبحت القناة التي يقوم عليها نصارى الشام من الموارنة هي التي تأخذ بحجز الكثير من الشباب إلى آخر الصرخات والقصات والتقليعات من حيث يدرون أو لا يدرون.

وهؤلاء النصارى يأخذون النموذج الأمريكي نبراسًا ينقلونه بحذافيره إلى أبناء المسلمين.

وأصبح شباب الإسلام يحاكون عدوهم اللدود الذي يقتل إخوانهم في أصقاع من الأرض، كثيرون يحاكون عدوًا فينحسر المفهوم الأخلاقي فيه بحيث يتخلى عن كل ماله علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان،يحاكون عدوًا لا يعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة رذيلة أخلاقية.

ولو اقتصر التقليد على اللباس والشعر والزي الظاهر لهان وما هو بربي بهين، ولكن فئامًا نراها تأخذ قذر الأعادي بعجره وبجره، بقضّه وقضيضه حتى أصبحنا نرى مناظر مزريةً وأخلاقًا مرذولةً تنم عن دياثة وبهيمية وموت في الغيرة، وتعجب كيف يحدث هذا ؟ من أين ومن أي مستنقع أخذ هؤلاء العفن.

هل يأكلون لحم الخنزير أم يشربون الخمرة أم سلخت الغيرة والرجولة منهم ؟؟!!

لا ندري أيها الحبة ، بماذا نفسر خروج النساء سافرات متبرجات في الأسواق والمجمعات التجارية والأماكن العامة. هل يدل هذا على وجود غيرة عند الرجال أم يدل على عكس ذلك؟؟؟

إن الغيرة إذا ذهبت أصبح صاحبها ديوثًا، وهو الذي يرضى الخبث في أهله ، ولذا استحق هذا الديوث أن يحرم دخول الجنة. يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يدخل الجنة ديوث ) ) [رواه أحمد والنسائي] .

ترى أحيانًا امرأة شابة كاشفة لوجهها ، متزينة بأبهى زينة ، وقد أخرجت شيئًا من شعرها وربما تعطرت ، فتكون في قمة الزينة والفتنة ، ويكون معها زوجها إما بسيارته ، أو يمشي معها ، وهو متأبطها في أحد المجمعات أو الأسواق.

سبحان الله، تصل الدياثة إلى هذا الحد، إن كثيرًا من الحيوانات والبهائم ، تغار على أنثاها من أن يقربها حيوان آخر ،وهذا الديوث يرضى بأن يتمتع بالنظر إلى أنثاه كل من مر بذلك المكان، والمصيبة أن هذا المنظر لا يعد آحادًا أو في حكم الشاذ ، بل صار منظرًا متكررًا بالعشرات، كنا قديمًا لا نرضى مثل هذه الوقاحة حتى من الأجانب الكفار إذا قدموا إلى بلادنا، والآن صار أبناء البلد ، وأصحاب العوائل المعروفة ، ينافسون الكفار في الدياثة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم أيها المسلمون ، بماذا نفسر رضا كثير من أولياء الأمور أن يجلس نساؤه وبناته ، وأولاده، بل ويجلس هو نفسه أمام الشاشات التي تبث الصور العارية واللقطات الراقصة والحركات الفاجرة ؟ لقد أصبح الدعاة يتغاضون عن كثير من البرامج والمسلسلات التي كانوا يحذرون منها سابقًا أمام ما يعرض الآن عبر هذه القنوات الفضائية، لا بارك الله في القائمين عليها.

إن القضية اليوم: تجاوزت الخلاف:هل وجه المرأة عورة أم لا ؟ظهر الوجه وظهر الشعر، ثم ظهر النحر ثم ظهرت الفخذان، والآن باستطاعة الكثيرين أن يروا أعظم من ذلك كما استفاض من أخبار الثقات.

يدخل الأب هذه الأجهزة ثم يدعي أنه صاحب غيرة، وأنه قد أدى الأمانة وبلغ ما عليه ولم يقصر عليهم في شيء، لا مأكل ولامشرب ، وهو الذي أتى لهم بالهلاك والعطب بعينه.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ألا تغارون ، ألا تستحيون ، فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج) (أي الأجانب) . رحم الله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس الأمر أمر مزاحمة الآن ، بل تعدى ذلك بكثير.

أيها المسلمون:

وما ذكر أحوال في المجتمع يدل على أن معايير الأخلاق قد اهتزت في عصرنا الحاضر، ولابد من أن نوليها الاهتمام الكافي الذي يوجبه علينا ديننا. وإن التطبيق الواقعي لأخلاق الغيرة والعفة والفضيلة والحجاب وأداء الأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في حياة المسلمين اليوم بات واجبًا إسلاميًا ومنهجًا تربويًا دعويًا، طالما أهمل في قطاعات كبيرة من مجتمعات المسلمين.

والأمل كبير في الأجيال المؤمنة، لتقوّم الانحراف، وتزرع الفضيلة، وتكون قدوة حسنة، وواقعًا حيًا لما كان عليه سلف هذه الأمة، وهم كثر بحمد الله، وأصحاب السوء ولله الحمد لازالوا قلة وإنما نحذر من سبيلهم، ونسأل الله لهم الهداية، وننظر إليهم بنظر الرحمة، ونسأل الله أن يعصمنا مما بلاهم به، وندعو على الذين يسعون في الأرض بالفساد ويدمرون الأخلاق ويبددون الأعراض بقنواتهم ووسائلهم المرئية والمسموعة.

أما بعد فيا عباد الله: ما أنواع الغيرة ؟

إن للغيرة أنواعًا أعظمها غيرة الله عز وجل ومن غيرته تعالى:

غيرته على كتابه الذي أنزله ليكون المنهج الذي يحكم خلقه، فمنهج الله مبرأ عن الجهل والظلم والمحاباة، وهي سمات بارزة في مناهج البشر، فإذا أعرض العبيد عن منهجه غار الله تعالى لكتابه، فكتب الشقاء والاضطراب لكل مخالف له: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? [طه: 124] ، وقال تعالى: بَلْ كَذَّبُواْ بِ?لْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق: 5] أي مضطرب.

ومن غيرته سبحانه غيرته على محارمه، وكل ما حرمه الله وقع في حماه، فلا يجوز لأحد أن يقع فيه للحديث: (( ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ) )متفق عليه، لذا كانت البلايا والمصائب تبعًا لكل انحراف للحديث: (( يا معشر الأنصار خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر في السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط عليهم عدوًا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ) )رواه ابن ماجه.

ومن غيرته سبحانه غيرتُه على أوليائه: إذا أوذوا للحديث: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )متفق عليه، ولكن شاءت حكمته سبحانه أن يُمدَّ لأعدائه حتى يأتوا مثقلين بذنوبهم للحديث: (( إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ) )متفق عليه، وحتى تزداد مرتبة العبد المجاهد رفعة في الآخرة.

معاشر المسلمين، ومن أنواع الغيرة ثانيًا غيرة المؤمن، المؤمن حقًا ينظر للأمور بنظر الله كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7] . قال ابن كثير: وَنَرَاهُ أي الله والمؤمنين يرون اليوم الآخر قريبًا واقعًا لا يتخلف، فيغضبه ما يغضب، الله ويفرحه ما يرضاه الله.

أ- غيرته على محارم الله تقول عائشة رضي الله عنها: (وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها) [1]

ب- غيرته على أهله، فالديوث وهو الذي لا غيرة له على عرضه وأهله، والرجل هو المسؤول الأول عن أهل بيته للحديث: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ) ) [2] فيأمرهم بطاعة الله، قال تعالى في إسماعيل عليه السلام: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِ?لصَّلَو?ةِ وَ?لزَّكَو?ةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] . فيحذرهم من كل فعل خاطئ بالكلمة الهادفة الطيبة.

اللهم لا تجعل قلوبنا في غمرة ولا تأخذنا على غرة ولا تجعلنا من الغافلين

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد...

[1] البخاري ومسلم.

[2] متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت