فهرس الكتاب

الصفحة 5648 من 5777

إنسانية الإسلام

العلم والدعوة والجهاد

محاسن الشريعة

يحيى بن سليمان العقيلي

اليرموك

مسجد موضي الصباح

1-الإنسانية الحقة والإنسانية الزائفة. 2- من مواقف النبي الإنسانية. 3- ظاهرة انتشار الإسلام في العالم الغربي.

وبعد: فأوصيكم ونفسي ـ عباد الله ـ بتقوى الله تعالى، فالمتقون هم أولياؤه وأحباؤه، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس: 62، 63] .

معاشر المؤمنين، الإسلام دين الإنسانية الحقة، الإنسانية التي تنطلق من العقيدة الإسلامية، وتتعامل وفق الخلق الإسلاميّ القويم، إنسانية هذا الدين ـ عباد الله ـ تعمّ كلَّ البشر، لا تفرق بين أسود وأبيض، ولا تتغير وفق المصالح والأهواء، ولا تتبدل حسب القوة والسلطان كما نراه في واقعنا اليوم من أدعياء الإنسانية المزيفة التي يتشدقون بها أمام العالمين، وهم يحتكرونها لبني جنسهم ولأهل ملتهم.

وإليكم ذلك الموقف النبوي الذي تتجلى فيه إنسانية هذا الدين العظيم في شخص المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، حيث كان فتى يهوديّ يخدم النبي فيضع له وضوءه، ويناوله نعله، ويقضي حوائجه، ويتفقده النبي يوما فيُخبرُ بمرضه، فيأتيه ويزوره ويدنو منه ويجلس عند رأسه، وأبو الغلام جالس قبالة وجهه، والنبي الكريم ينظر نظرة المشفق الرحيم للفتى وهو يودع الدنيا ويستقبل الآخرة، فيقبل عليه بكل شفقة ورحمة وأمل، ويهتف به لما هو أحوج إليه في هذه اللحظة، فيدعوه للإسلام ويقول: (( أسلم، قل: لا إله إلا الله وأني رسول الله ) )، ويتلقى الفتى ذلك النداء الرحيم وهو الذي خدم النبي وعرف من حاله ما تيقن أنها حال الأنبياء، ولكنه لا يزال مأمورا لسلطة أبيه، فجعل يقلب ناظريه لأبيه تارة وللنبي تارة، وإذا بالنبي يعيد عليه مقالته ويكرّر له نداءه وكأنه يسابق اللحظات الأخيرة في حياة الفتى، ويكرر الفتى نظره لأبيه، وإذا بالأب يقول له: أطع أبا القاسم قل: ما يقول لك محمد، وما إن أتمّ الأب عبارته وإذا بالفتى يردّد الشهادة وهو يجود بنفسه ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، استكمل الشهادة واستكمل بها أجله ولفظ أنفاسه، ويخرج النبي من عنده مستبشرا بهداية الغلام وبخاتمته الحسنة ويقول لأصحابه: (( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ) )، ثم أمرهم وقال: (( صلوا على أخيكم ) ).

معاشر المؤمنين، إن هذا الموقف النبيل الجميل ليكشف جوانب الإنسانية الحقة في شخص رسول الله ، فهو يكشف عن حقيقة نفس المؤمن تجاه البشر، بل الكفار منهم واليهود، فقد قبل أن يخص هذا الفتى اليهودي بخدمته، ذلك الشرف الذي كانت ترنو إليه قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، ثم هو يتفقدهم ويزورهم ويقبل زياراتهم؛ ليبين أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة صلة وتعارف ودعوة كما قال جلا وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] ، وإن ذلك التعارف وتلك الصلة هي أقصر وأفضل طريق للدعوة إلى هذا الدين، كم من شعوب وأمم دخلت هذا الدين بحسن المعاملة وطيب المعاشرة. ثم إن هذا الموقف ـ عباد الله ـ ليكشف جانبا إنسانيا هاما في التعامل مع غير المسلمين، وهو أن تلك الزيارة الرحيمة الكريمة لفتى يهودي في بيت يهودي وهو خادم صغير وليس بسيد ولا بأمير، ومع ذلك فقد تجلت مشاهد العظمة الإنسانية والكرم والأخلاق والنبل المحمدي بين سيد الأنبياء والمرسلين وهذا الفتى.

معاشر المؤمنين، يتساءل المرء منا عن سر ذلك الفرح الغامر والبشر الذي يملأ محيا رسول الله وهو يردد فرحا: (( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ) )، ثم هو يعقد له عقد الأخوة الإيمانية مع أصحابه ويحملهم مسؤولية العناية بجنازته ويقول: (( صلوا على أخيكم ) )، فهذا الفتى لم يعط مالا ولم يحمل سلاحا ولم يؤدّ أي عمل لهذا الدين، ولم يكد يسلم حتى مات من فوره، وما هذا الفرح الرحيم إلا دلالة واضحة على حقيقة حرص رسول الإنسانية على هداية البشر، لا لشيء إلا لينجو من النار، فقد كان قلبه يحترق ألما لمن يعرض عن دعوته حتى قال له ربه: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر: 8] ، كما كان يطير قلبه فرحا حين يستجيب أحد لدعوته، تلك الرحمة والشفقة وذلك الحرص والاهتمام على هداية البشر هي حقيقة الدعوة الإسلامية وحقيقة الداعية المسلم، هداية البشر غايتهم، والرحمة والشفقة سبيلهم، ودعوة البشر ديدنهم، كما هو حال نبيهم حين زار الفتى وظهر منه سمو التواضع وحسن العهد ولين الجانب ولطف الترفق والحرص على هدايته وإيمانه، فصلوات ربي وسلامه عليه، رزقنا الله وإياكم صدق محبته واتباعه وحشرنا في زمرته.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وهدانا لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ناصر المؤمنين وولي المتقين ومذل الجبابرة والمتكبرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله المبعوث رحمة للعالمين، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

وبعد: معاشر المؤمنين، تلك هي حقيقة الإسلام؛ دين إنسانية حقة ورسالة سماوية سمحة وخلق إيماني رفيع، وليس كما يصوره أعداؤه ويرتكبه جهلاؤه، إرهاب وعنف ودماء كما نرى في كثير من الدول، ومن تمثل بهذه الإنسانية الحقة وذلك الخلق الرفيع واقترب من هدي المصطفى فهو المسلم الحق الذي يفتح الله له القلوب ويهدي به البشر.

ونبشركم ـ أيها المسلمون ـ أنه وعلى الرغم من تلك المكائد والاتهامات المضلّة لا سيما بعد أحداث سبتمبر، إلا أن الغريب والعجيب أن يتضاعف عدد المهتدين للإسلام في دول الغرب أضعافا مضاعفة، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، قام أحد الدعاة الأفاضل ممن حمل همَّ الدعوة الإسلامية في ديار الغرب بزيارة للمركز الإسلامي في فرنسا وسأل رئيس المركز عن أثر أحداث سبتمبر على الدعوة الإسلامية، فرد عليه مباشرة:"والله لقد كانت فتحا ونصرًا للإسلام، صحيح أن الجالية المسلمة تأثرت في أجواء التقييد والمحاصرة إلا أن أعداد المهتدين تضاعفت أضعافا مضاعفة"، ومن أمثلتها رجل فرنسي في السبعين من عمره التقاه هذا الأخ الفاضل وسأله عن سبب هدايته فقال:"كنت عاملا مع إحدى المنظمات الإنسانية التنصيرية حتى ضاقت بي السبل وأحاطت بي بعض المشاكل، فأحاط بي أصدقاء مسلمون ورأيت من كرمهم وطيب أخلاقهم ما جعلني أسأل عن الإسلام، فلما صحبتهم يوما للمسجد ورأيت ذلك الإخاء والترابط شهدت شهادة الحق ودخلت في الإسلام دون تردد"، فسأله الأخ: هل تشعر بالسعادة؟ فأجاب مبتسما:"سعادة عظيمة لم أشعر بها في حياتي أبدا، وأعتبر يوم إسلامي هو يوم ولادتي، وأنا أقوم بخدمة المسلمين في هذا المركز الإسلامي تطوعا لأردّ شيئا لهذا الدين العظيم".

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32] .

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت