فهرس الكتاب

الصفحة 5045 من 5777

تعظيم الله تعالى وتعظيم شعائره

الإيمان, التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب, الربوبية, الله عز وجل

عبد الله بن راضي المعيدي

حائل

جامع عمر بن الخطاب

1-تعظيم الله تعالى وتعظيم شعائره من أجلّ العبادات القلبية. 2- من مظاهر تعظيم الله تعالى. 3- موقفان عظيمان للإمامين مالك بن أنس وأحمد بن حنبل في تعظيم الله.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، خافوا الله، عظّموه، قدِّسوه، واقدروه حق قدره.

أيها المسلمون، إنه الله جل جلاله، إنه الملاذُ في الشدّة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القِلة، يتَّجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء، ويدعوه آملًا في الشفاء، ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا والخُلْف من كلِّ فائت والعوض من كل مفقود، ?لَّذِينَ إِذَا أَصَ?بَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ر?جِعونَ. إنه الله جلّ جلاله، سلوة الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأُ الخائفين. إنه الله جل جلاله، كما قال سبحانه عن نفسه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ ؛ يغفر ذنبًا، ويفرّج كَربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين، يُحيي ميتًا، ويُميت حيًا، ويجيب داعيًا، ويشفي سقيمًا، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا. إنه الله جل جلاله، أرغم أُنوف الطغاة، وخفض رؤوس الظلمة، ومزّق شمل الجبابرة، ودمّر سدَّ مأرب بفأرة، وأهلك النمرود ببعوضة، وهزم أبرهة بطيرٍ أبابيل.

عباد الله، إن تعظيم الله تعالى وتعظيم ما يستلزم ذلك من شعائر الله تعالى وحدوده من أجلّ العبادات القلبية وأهمّ أعمال القلوب التي يتعين تحقيقها والقيام بها وتربية الناس عليها، وبالذات في هذا الزمان الذي ظهر فيه ما يخالف تعظيم الله تعالى من الاستخفاف والاستهزاء بشعائر الله تعالى والتسفيه والازدراء لدين الله تعالى وأهله.

إنّ الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال له عز وجل، قال الله تعالى: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: 90] . قال الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية:"يتشقّقن من عظمة الله عز وجل"، وقال ابن القيّم عن منزلة التعظيم:"هذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الربّ تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، قال تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح: 13] ، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظِّمون الله حق عظمته؟!".

وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت، وتعظيم الله وإجلاله ـ يا عباد الله ـ له مظاهر وعلامات، وليست دعوى كلٌ يدّعيها. ومن مظاهر تعظيم الله تعالى:

أولًا: إثبات الصفات لله تعالى كما يليق به سبحانه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ومن أسماء الله تعالى الحسنى: المجيد والكبير والعظيم، فإن معنى هذه الأسماء أن الله عز وجل هو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء وأجلّ وأعلى، وله التعظيم والإجلال في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد مُلئت قلوبهم من تعظيمه وإجلاله والخضوع له والتذلل لكبريائه، كما يقول العلامة السعدي رحمه الله.

والإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه أو وصفه به رسوله أو اسمًا من أسمائه فليملأ صدره من التعظيم، فحينما تسمع أسماء الله أو صفاته عظّمه وسبِّحْه وقدّسْه تعالى.

ثانيًا: ومن تعظيم أسماء الله وصفاته أن تؤمن بآثارها؛ فتؤمن بأنّ الله سميع وبصير، فتعلم أنه سبحانه يسمعك ويبصرك ويعلم ما أنت عليه، فمن تعظيمه تعالى أن تستحي من الله أن يراك أو يسمعك أو يبصرك وأنت تعاقر معصيته أو تحارب ما أمر به. أفلا نستحي أن يرانا الله على معصيته وننام عن طاعته؟!

ثالثًا: ومن مظاهر تعظيم الله تعالى أن نتعرف على نعم الله تعالى، ونتذكر آلاء الله عز وجل، ومما قاله أبو الوفاء ابن عقيل في ذلك:"لقد عظّم الله سبحانه النعم لابن آدم، حيث أباح له الشرك عند الإكراه وخوف الضرر على نفسه، وعَصَم عِرضه، وعَصَم ماله، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقته، أفيحسن بك مع هذا الإكرام أن تُرى على ما نهاك منهمكًا وعمّا أمرك متنكبًّا وعن داعيه مُعرضًا ولسنته هاجرًا ولداعي عدوك فيه مطيعًا؟! يعظمك وهُوَ هُوَ، وتهمل أمره وأنت أنت، هو حطّ رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجُدها لك".

عباد الله، لقد كان نبينا محمد يربي أمته على وجوب تعظيم الله تعالى، ففي حديث ابن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنّا نجد أنّ الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ الآية [الزمر: 67] .

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عند هذه الآية الكريمة:"وقد اقتفى الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان هذا المسلك، فعظّموا الله حق تعظيمه، وعُمرت قلوبهم بإجلال الله تعالى وتوقيره، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول لبعض أصحاب المراء والجدل: (أما علمتم أن لله عبادًا أصمتهم خشية الله تعالى من غير عيٍّ ولا بَكَم؟! وإنهم لَهُمُ العلماء العصماء النبلاء الطلقاء، غير أنهم إذا تذكروا عظمة الله تعالى انكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية، فأين أنتم منهم؟!) ".

وكان أهل العلم يعظِّمون ربهم، ويقدرونه عز وجل حق قدره، ومن أروع الأمثلة التي دوّنها التاريخ عن سلفنا الصالح وتعظيمهم لله عز وجل ما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى لما سأله أحدهم عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] كيف استوى؟ فما كان موقف الإمام مالك إزاء هذا السؤال؟ يقول الرواي: فما رأيته وجد ـ أي: غضب ـ من شيءٍ كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء ـ أي: العرق ـ، وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه، ثم سُرّي عن مالك، فقال:"الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا"، ثم أُمر به فأُخرج.

فتأمّل ـ رحمك الله ـ ما أصاب الإمام مالكا رحمه الله من شدة الغضب وتصبب العرق إجلالًا وتعظيمًا لله تعالى وإنكارًا لهذا السؤال عن كيفية استواء الربّ تعالى.

ومن الأمثلة في هذا الباب ما جرى للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لما مر مع ابنه عبد الله على قاصٍ يقص حديث النزول فيقول: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، يقول عبد الله: فارتعد أبي، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخرّص، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه عز وجل منك، قل كما قال رسول الله.

عباد الله، ومن تعظيم الله تعالى تعظيم كلامه وتحقيق النصيحة لكتابه تلاوة وتدبرًا وعملًا، وقد حقق سلفنا الصالح الواجب نحو كتاب الله تعالى من التعظيم والإجلال، حتى إن بعض السلف كانوا يكرهون أن يصغروا المصحف، وقال بعضهم:"والله، ما نِمت في بيتٍ فيه كتاب الله أو حديث رسول الله احترامًا لهما".

إنّ الناظر في حال المسلمين يرى مخالفات تنافي تعظيم الله تعالى وشعائره؛ كالاستهزاء أو الاستخفاف أو الازدراء أو الانتقاص لدين الله تعالى وشعائره، وتظهر هذه المخالفات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال منابر ثقافية ومؤسساتٍ علمية مشبوهة.

أيها المسلمون، إنه الله جل جلاله، من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، فالباب مفتوح ولكن من يلج؟! والمجال مفسوح ولكن من يُقبِل؟! والحبل ممدود ولكن من يتشبث به؟! والخير مبذول ولكن من يتعرض له؟! فأين الباحثون عن الأرباح؟! وأين خُطّاب الملاح؟! أين عشّاق العرائس وطلاّب النفائس؟!

من أقبل إليه تلقّاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من قريب، ومن ترك من أجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد رضاه أراد ما يريد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، أهلُ ذِكْره هم أهل مجالسته، وأهل شكره هم أهل زيادته، وأهل طاعته هم أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته، إن تابوا إليه فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو رحيمٌ بهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من المعايب، الحسنة عنده بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئة عنده بواحدة، فإن ندم عليها واستغفر غفرها له، يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل.

يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الْهوى فالْهوى ما زال فتّانا

أما ترَين المنايا كيف تلقطنا لقطًا وتُلحق أُخرانا بأولانا

في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا

أين الْملوك وأبناء الْملوك ومن كانت تَخرّ له الأذقان إذعانا

صاحت بِهم حادثات الدهر فانقلبوا مستبدلين من الأوطان أوطانا

مضى الزمان وولى العمر فِي لعبٍ يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا

نسأل الله تعالى أن يبصرنا بحالنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت