الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأعمال
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-تسلُّط الشيطان على العبد بإلهائه عن صلاته. 2- الحكمة من مشروعية النوافل. 3- أهمية النوافل وفضلها. 4- الترغيب في أداء السنن الرواتب وغيرها من النوافل المطلقة. 5- التأكيد على صلاة الوتر وسنة الفجر.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، إنَّ من رحمةِ الله بنا وإحسانِه إلينا وتفضّله علينا أن شرعَ لنا نوافلَ مِن العبادة، لتكونَ هذه النوافل جابرةً للنّقص الحاصلِ علينا في أداء الفريضة.
أيّها المسلم، لا يخلو واحدٌ منّا مِن تقصير في فرائض الإسلام, تقصيرٌ في الأداء, وخللٌ أثناءَ الأداء, وعدوُّ الله إبليس يتسلّط على المسلِم عندَ الدخول في الصلاة, يذكّّره ما كان غائبًا عنه، فيشغل قلبَه بما لا خيرَ له فيه ولا مصلحةَ له منه, ولكن ليضعِفَ قلبَه في صلاته, وليضعف مناجاته لربّه، فإنَّ موقفَ المصلّي موقفٌ عظيم، يناجي فيه ربّه, ويفضي بحاجته إلى ربّه, فعدوّ الله يذكّره ما كان غائبًا: اذكُر كذا اذكُر كذا, حتّى ربّما انصرفَ الواحد منّا مِن صلاتِه ولو سألتَه أسهَى الإمام؟ قال: لا أدري, وبأيّ شيء قرأ الإمام؟ قال: لا أدري, فيركَع ويسجُد ويقوم وهو بالجسَد فقَط، والقلبُ في جولاتٍ في الدّنيا والأمور التي لا داعيَ لها, لكن عدوّ الله يفرَح بهذا ليضعفَ شأنَ المسلم في صلاتِه.
ولأنَّ المسلمَ لا يُكتَب له من صلاتِه إلاّ ما كان حاضرَ القلب أثناءَ الأداء يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (ليسَ لك من صلاتِك إلاّ ما عقلت) [1] ، ولهذا في حديث الوضوء: (( ثمّ صلّى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسَه إلاّ غفرَ الله له ) ) [2] .
فلمّا كان هذا الضعف ملازمًا لنا في أداءِ الفرائض شرع رسولُ الله لنا نوافلَ مِن الصلواتِ ليجبر بها نقصَ فرائضنا, ولتكمَّلَ بها فرائضُنا يومَ قدومنا على الله.
أيّها المسلم، إنّ أوّلَ ما نحاسَب عنه يوم القيامة من أعمالنا فيما بيننا وبين الله هذه الصلواتُ الخمس, فإن صلَحت فقد أفلحَ المؤمن ونجَح, وإن حصَل فيها خللٌ قال الله: انظُروا هل لعبدي من تطوّع، فكمِّلوا به نقصَ فريضته. وكذلك الزّكاة والصّوم والحجّ.
إذًا أخي المسلم، فمحافظتك على نوافل الصلوات خيرٌ لك في أمورك كلّها, جبرٌ لنقص فريضتك, وتكميل لها, وزيادة خيرٍ على خير.
ربيعة السّلميّ قدّم للنبيّ وضوءَه، فقال له: (( سَلني حاجتَك ) )، فقال: أسألك مرافقتَك في الجنّة، قال: (( أوَغير ذلك يا ربيعة؟ ) )، قال: هو ذاك، قال: (( أعنِّي على نفسك بكثرةِ السّجود ) ) [3] . فالمعنى أنّ كثرةَ السجود, كثرةَ نوافل الطاعة سببٌ لمرافقة محمّد في دار كرامة الله.
أيّها المسلم، إنّ محافظتَك على نوافِل الصّلاة سببٌ لمحبّة الله لك وتوفيقِ الله لك في أعمالك كلّها, في الحديث القدسيّ يقول: (( ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه, فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصِر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها، ولئِن سألني لأعطينّه, ولئن استعاذني لأعيذنّه ) ) [4] ، هذا الفضلُ العظيم سببُه كثرةُ نوافل الصّلاة, كثرة نوافِل الطاعات مِن صلاةٍ وصدقة وصيام وحجّ.
أيّها المسلم، إذًا فعليك المحافظة على هذه النّوافل والعناية بها حتّى تكونَ من الفائزين برضوان الله والمسابقين إلى فعل الخيرات.
أيّها المسلم، إنّ نبيّنا شرَع لنا رواتبَ قبل الفريضَة ورواتبَ بعدها, فأخبرنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنّه حفِظ عن رسول الله ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر. وأخبر أنّ هذه ساعة الفجر ساعةٌ لا يدخل على النبيّ فيها, وأنّ أختَه حفصة أمّ المؤمنين أخبرته أنّ النبيّ إذا طلعَ الفجر وأذّن المؤذّن قام فصلّى ركعتين قبلَ أن يخرجَ من منزله [5] .
فهذه عشر نوافل، ويسمّيها العلماء الراتبة لأنها محدّدة قبل الوقت وبعدَه, فقبل الظهر ركعتان وبعده ركعتان وبعدَ المغرب ركعتان وبعد العشاء ركعتان وقبل الفجر ركعتان. أمّا بعد العصر فلا لأنّه وقت نهي, وقبل العصر سنّة مطلقة، وكذلك ما قبل المغرب والعشاء.
وفي حديث أمّ حبيبة: (( من حافظ على ثِنتي عشرةَ سجدة في يومِه وليلته حرّمه الله على النار: أربعًا قبل الظهر, ركعتين بعدَ الظهر, ركعتين بعد المغرب, ركعتين بعد العشاء, ركعتين قبل الفجر ) ) [6] ، وفي الحديث الآخر أيضًا: (( مَن حافظ على أربعٍ قبلَ الظهر وأربع بعدها بنى الله له بهنّ بيتًا في الجنّة ) ) [7] .
أيّها المسلم، هذه الفضائل العظيمة هي يسيرةٌ على من يسّرها الله عليه, هيّنة سهلة, وشاقّة على من حُرِمَ التوفيق, وكم يشتغِل الإنسان بقيل وقال, ويأخذ بأطراف الحديث, ويحدّث غيره, وتذهب أوقاته دونَ أن يستغلّها في هذا الفضل العظيم.
أيّها المسلم، وهناك نوافلُ شرِعت لنا فقبل العصر يروَى أنه قال: (( رحِم الله امرأً صلّى قبل العصر أربعًا ) ) [8] ، وقبلَ المغرِب يقول: (( صلّوا قبلَ المغرب, صلّوا قبلَ المغرب, صلّوا قبلَ المغرب ) ), ثم قال: (( لمن شاء ) )، كراهيةَ أن يتّخذها النّاس سنّة [9] ، وقال: (( بين كلّ أذانين صلاة ) ) [10] .
وشرَع لنا نبيّنا أن نصليَ الضّحى ركعتين، ففي حديث أبي هريرة: أوصاني خليلي بثلاث: أن أوترَ قبل أن أنام، وأن أصلّي ركعتي الضّحى, وأن أصومَ من كلّ شهر ثلاثةَ أيّام [11] ، وفي حديث أبي ذرّ لمّا ذكرَ النبيّ خلقَ الإنسان والأعمالَ التي يشكُر بها ربَّه قال: (( يصبِح على كلّ سلامى من النّاس صدقة كلّ يوم تطلع فيه الشمس، تعدِل بين اثنين صدقة, وتعين الرجل في دابّته فتحمله عليها أو ترفَع عليها متاعَه صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكَر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتَان تركعهما من الضّحى ) ) [12] .
فيا أخي، هذه النّوافل تقوّي صلتَك بربّك, وتجعلك على ارتباطٍ بربّك, فحافِظ عليها أخي المسلم، وروِّض نفسَك على ملازمتها، فهي خيرٌ لك وعون لك على كلّ خير.
أخي المسلم، إنَّ فعلَ النوافل في البيت نورٌ للبيت, وخير يحلّ بالمنزل, ويقتدي بك غيرك, ويتأسّى بك زوجتك وأولادُك من ذكورٍ وإناث، والبيتُ إذا عمِر بالطّاعة ابتعد عنه الشيطان، وإذا خربَ من الخير امتلأ بالشياطين، فنوّر بيتَك بالنّوافل، ولهذا النّبيّ يقول: (( لا تجعَلوا بيوتَكم قبورا ) ) [13] ، بمعنى: صلّوا فيها, وقال: (( خيرُ صلاةِ الرجل في بيته إلاّ المكتوبة ) ) [14] ، فالفرائض محلّها المساجد، والنوافل محلّها البيوت، ليكونَ أقوى في الإخلاص وأعظمَ في الطاعة, وتخبِر عائشة أنّ النبيّ إذا صلّى العشاءَ لا ينام حتّى يصلّي قبلَ أن ينامَ أربعَ ركعات أو ستَّ ركعات [15] ، كلّ ذلك ليبتدِئ يومَه بالطّاعة، ويختِم يومَه بالطّاعة، فالطّاعة في أوّل اليومِ والطاعة عندَ النّوم كلّها حفظٌ للعبد، حفظٌ لدينه, حفظ لأخلاقه، عونٌ له على كلّ خير، فالصلاة خيرُ موضوع, فمن شاء فليستقلَّ أو ليستكثر.
فيا أخي المسلِم، لا تهمِل هذه النّوافل، ولا تتناساها, فيا له من يومٍ ستكون فيه محتاجًا إلى مثقال ذرّة من خير يرجح بها ميزانك.
يا أخي، كم لنا من تقصير، وكم لنا من نسيان وإهمال, فهذه النّوافل تجبر نقصَ صلواتِنا, وتكون سببًا لإكمالِها وفوزِنا برضاء الله يوم قدومنا عليه. إنّها أعمال صالحة لن تضيع، هي مدّخرة لك، ومكتوبة لك، وسترى جزاءَها يومَ قدومك على الله، يومَ لا ينفَع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
حاوِل أن يكونَ هذا الجسد يستعمَل في طاعة الله، ويسخَّر في الأعمال الصالحة، فلا تستثقلها ولا تستطلها, كم مَجالس تقضيها ساعاتٍ طِوال في قيل وقال وما لا خيرَ فيه في أمر الدّنيا والدين, وتتكاسَل وتضعُف عن نوافلَ تقدمّها لك, فاعمُر بيتَك بالخير, اعمُره بالطّاعة والعمل الصالح.
أسأل الله أن يعينَنا وإيّاكم على كلّ خير, وأن يوفّقنا لاغتنام الأوقات في صالح الأعمال, إنّه على كلّ شيء قدير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: سَابِقُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا, وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفِروه وتوبوا إليه, إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] انظر: مجموع الفتاوى (7/31، 15/236، 22/6، 25) ، ومدارج السالكين (1/ 112، 525) .
[2] أخرجه البخاري في الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا (160) ، ومسلم في الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله (226) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه بنحوه.
[3] أخرجه مسلم في الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه (489) عن ربيعة رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الجمعة، باب: الركعتين قبل الظهر (1181) .
[6] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل السنن الراتبة... (728) ، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة... (415) وقال:"حسن صحيح"، واللفظ للترمذي.
[7] أخرجه أحمد (6/325، 326، 426) ، وأبو داود في الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها (1269) ، والترمذي في الصلاة، باب منه آخر (427، 428) ، والنسائي في المجتبى في قيام الليل وتطوع النهار، باب: الاختلاف على إسماعيل بن خالد (1812، 1813، 1814، 1815، 1816، 1817) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى قبل الظهر أربعا وبعدها (1160) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها بلفظ: (( حرمه الله على النار ) )، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب", وصححه ابن خزيمة (1190، 1191، 1192) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (1130) .
[8] أخرجه أحمد (2/117) ، وأبو داود في الصلاة، باب: الصلاة قبل العصر (1271) ، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر (430) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب حسن"، وصححه ابن خزيمة (1193) ، وابن حبان (2453) ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1132) .
[9] أخرجه البخاري في الجمعة، باب: الصلاة قبل المغرب (1183) من حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه.
[10] أخرجه البخاري في الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة؟ (624) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: بين كل أذانين صلاة (838) من حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه.
[11] أخرجه البخاري في الصوم، باب: صيام أيام البيض... (1981) ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى... (721) .
[12] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (720) من حديث أبي ذر رضي الله عنه ولفظه: (( يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ) ).
[13] أخرجه الإمام أحمد (2/367) ، وأبو داود في المناسك، باب: زيارة القبور (2042) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال في عون المعبود (6/24) نقلا عن ابن عبد الهادي:"هذا الحديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة"، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1796) .
[14] أخرجه البخاري في الأدب، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله (6113) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته (781) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
[15] أخرجه أحمد (6/58) ، وأبو داود في الصلاة، باب: الصلاة بعد العشاء (1303) ، والبيهقي في الكبرى (2/477) بمعناه، وفي إسناده مقاتل بن بشير، قال عنه الحافظ في التقريب:"مقبول"، والحديث في ضعيف سنن أبي داود (285) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله, صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، إنّ نبيّنا كان يحافِظ على سنّة الوترِ، وما كان يدَع الوترَ لا حضَرًا ولا سَفرًا، وأخبرنا أنَّ الله أمدّنا بصلاةٍ هي خيرٌ لنا مِن حمر النعم: الوتر ما بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر [1] ، وقال لنا: (( أوتِروا يا أهل القرآن, فإنّ الله وترٌ يحبّ الوتر ) ) [2] ، وقال: (( من لم يوتِر فليس منّا ) ) [3] .
وكان نبيّكم يحافِظ على الوتر, وشرَع للمسلم أن يوترَ آخرَ الليل إن وثِق بنفسه في قيام الليل, أو يوترَ أوّل الليل إن لم يثق بنفسه من قيام آخر الليل، فليوتر بعدَ صلاة العشاء وسنّتها، المهمّ المحافظةُ عليه.
وهذا الوترُ أكثرُ ما نقِل عنه أنّه أوتَر بثلاثَ عشرة وأوتر بإحدى عشَرة، وربّما أوتَر بتسع ركعات متواصلات، يجلس بعد الثامنة ثمّ يقوم فيصلّي التاسعة, وربّما سرد سبعًا، وربّما سرد خمسًا.
والوتر أقلّه واحدة، وأدنى كماله ثلاث، يوتِر المسلم بها بعد العشاء وسنّتها، فيصلّي ثلاث ركعات، إن شاء فصَل بينهما بسلام، وإن شاء وصلهما ثلاثًا, وإن صلّى خمسًا أو سبعًا فذاك خير وأفضل, وإن وفِّق للكمال فصلّى إحدى عشرة ركعة يسلّم من كلّ ثنتين ويوتِر بواحدة فذاك الكمال الذي هو هديُ نبيّكم ، تقول عائشة رضي الله عنها: ما كان نبيّكم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة, يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ, ثمّ يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ, ثمّ يوتر مِن ذلك بثلاث [4] .
فحافِظوا على الوتر رحمكم الله, ولا تضيّعوه, فإنّ السلفَ يشدّدون في أمره, ويرغّبون فيه, ويرَون تاركَه والمحافظةَ على تركه يرَون ذلك نقصًا في حقّ الإنسان, فحافظوا عليه ـ رحمكم الله ـ لعلّكم تفلحون.
نبيّكم إذا سافر قصر الصّلاة، فلم يصلّ قبلَ الظهر ولا بعدَها ولا بعدَ المغرب ولا بعدَ العشاء, لكن الركعتان قبلَ الفجر ما كان يدَعهما مع الوترِ لا في حضرٍ ولا في سفر، تقول عائشة رضي الله عنها: لم يكن محمّد على شيء من النوافل أشدّ تعاهُدًا منه على ركعتَي الفجر [5] ، وكان يقول: (( ركعتا الفجر خيرٌ من الدّنيا وما فيها ) ) [6] .
فيا إخواني، هذه أعمال صالحة وقربات تقرّبوا بها إلى ربّكم لعلّكم تفلحون.
أسأل الله أن يوفّقني وإيّاكم لصالح العمل, وأن يجعلنا وإيّاكم من المسارعين في الخيرات, وأن يتقبّل منّا ومنكم أعمالنا, وأن يوفّقنا لعمل يرضي ربّنا قبل لقائه, إنّه على كلّ شيء قدير.
نسأله تعالى التوفيقَ لما يحبّه ويرضاه والتزوّدَ بعمل صالح، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ?لزَّادِ ?لتَّقْوَى? [البقرة:197] ، فخير النّاس من تزوّد من دنياه لآخرته, ومن حياتِه لمعادِه, يتزوّد قبل أن يندَم وقبل أن يتمنّى فرصةَ عمل يتقرّب بذلك إلى الله.
رُئي أحدُ السّلف بعد موتِه في منامه فقيل: ما حالتك؟ قال: أنتم تعلمون ولا تعمَلون، ونحن نعلَم ولا نعمَل، والله لركعتان في صحيفةِ أحدِنا أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها.
إنّ الأعمالَ الصالحةَ زادٌ لك يومَ القيامة، إنّها سبب لتهوين كرب السّياق عليك، وإنّها لأنس لك في لحدِك, وإنّها لشافعة لك يوم لقاء ربّك, وإنّها تثقّل ميزانَ أعمالك.
فيا أخي المسلم، هذه الدنيا إنّما يفرَح بالحياة فيها المؤمن ليزدادَ عملًا صالحا وليتقرّب إلى الله بما يرضيه, فاحمَد الله على صحّة بدنِك وسلامةِ أعضائك, فواصِل الخيرَ والعمل الصالح.
عوتِب بعضُ السّلف في آخر كبَر سنّه فقيل: ما هذه النوافل وقد كبُر السنّ وثقل؟! قال: هذا جسدٌ أتعبُه بالطّاعة قبلَ أن يأكلَه الدّود.
إنّ المؤمنَ في هذه الحياة يفرَح بيوم يزداد فيه عملًا صالحًا, وحسنات تكتَب له قبل أن تُختَم أعماله وتنقطع أعماله وتطوَى صحائفه بما عليه، أسأل الله لي ولكم الثبات والتوفيقَ والعونَ على كلّ خير.
اللهمّ أعنّا ولا تعِن علينا، اللهمّ وفّقنا لما يرضيك، وأعنّا على شكرك وذكرك وحسنِ عبادتك، اللهمّ اجعل أعمارَنا تنقضي في طاعةٍ وأعمال صالحة، اللهمّ اجعل خيرَ أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرَها، وخير أيّامنا يوم لقاك، إنّك على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتُها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعَة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد كما أمرَكم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمّد، اللهمّ ارضَ عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: استحباب الوتر (1418) , والترمذي في الصلاة, باب: ما جاء في فضل الوتر (452) , وابن ماجه في إقامة الصلاة, باب: ما جاء في الوتر (1168) من حديث خارجة بن حذافة رضي الله عنه، وضعفه البخاري والترمذي وابن حبان والدارقطني وابن الجوزي والنووي في المجموع (4/18) ، وانظر تخريجه في الإرواء (423) .
[2] أخرجه أحمد (1/110، 148) ، وأبو داود في الصلاة، باب: استحباب الوتر (1416) ، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء أن الوتر ليس بحتم (453) ، والنسائي في قيام الليل، باب: الأمر بالوتر (1675) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الوتر (1169) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن"، وصححه ابن خزيمة (1067) ، وهو في صحيح الترغيب (594) .
[3] أخرجه أحمد (5/357) ، وأبو داود في الصلاة، باب: فيمن لم يوتر (1419) ، والبيهقي في الكبرى (2/469) من حديث بريدة رضي الله عنه، وصححه الحاكم (1146، 1147) ، لكن في سنده أبو المنيب، قال الحافظ في الفتح (2/487) :"فيه ضعف"، ولذا أورده الألباني في ضعيف سنن أبي داود (309) . وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد (2/443) ، وفيه الخليل بن مرة وهو منكر الحديث. وانظر: إرواء الغليل (417) .
[4] أخرجه البخاري في الجمعة، باب: قيام النبي بالليل (1147) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي (738) .
[5] أخرجه البخاري في الجمعة، باب: تعاهد ركعتي الفجر... (1163) .
[6] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي الفجر (725) من حديث عائشة رضي الله عنها.