الإيمان
الملائكة
محمد الحكمي
الطائف
جامع الجفالي
1-ذكر الشيخ بعض أعمال الملائكة ووظائفهم 2- وأشار إلى فضل دعاء المسلم لأخيه
بظهر الغيب
أيها المؤمنون
ذكرنا في الخطبة الماضية أن الإيمان بالملائكة عليهم صلوات الله وسلامه يتضمن الإيمان بوجودهم وبأسمائهم جملة وتفصيلًا وبأوصافهم الخَلقية والخُلقية، ورابعًا الإيمان بأعمالهم الموكلة إليهم، وهو حديث اليوم أسأل الله لي ولكم السداد والتوفيق.
أولًا/ عبادة الملائكة عليهم السلام
لقد فطر الله الملائكة على الخشية والخوف منه وديمومة الركوع والسجود له والتسبيح والإجلال لعظمته.. فإلى تلك الرحاب الطاهرة... والصور المشرقة الشاحذة للهمم... والمستنهضة للعزائم ذلًا وانكسارًا بين يدي خالقنا وبارئنا...
فأما تقديسهم وتنزيههم لبارئهم فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون قال: (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصف ) ). فهل صفوف صلاتنا كصفوف الملائكة؟ والرسول يقول: (( أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدّوا الخلل، ولينوا في يد إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله ) )وفي رواية تبين حال الصحابة رضي الله عنهم جاء فيها: فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وبشراكم فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف ) )وفي رواية أخرى (( من سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتًا في الجنة ) ).
وللملائكة حجهم فهم يطوفون بالبيت المعمور كما يطوف المؤمنون بالكعبة، وهم من خشيته مشفقون.
قال: (( مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحِلس البالي(أي الكساء يُبسط في أرض البيت) من خشية الله تعالى )).
فسبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
وللملائكة - عليهم السلام - ألوان أخر من العبادات، لا نعلمها، الله يعلمها وهو العليم الحكيم.
ثانيًا/ الملائكة وعموم بني آدم
فقد أمرهم الله بالسجود له فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه
وهم بالنطفة موكولون، قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله تعالى إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ) )أي يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
وهم الذين قاموا عند وفاة آدم عليه الصلاة والسلام بما يلزمه فقال: (( لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وترًا، وألحدوا له، وقالوا: هذه سنة آدم في ولده ) ). وليس هذا بغريب، فهاهو حنظلة بن عامر يخرج مسرعًا ليلة عرسه من عند زوجته ولمّا يغتسل لما سمع منادي النبي للجهاد، فإذا به ينال الشهادة، فيراه النبي تغسله الملائكة بين السماء والأرض.
ومن أعمال الملائكة حراستهم لبني آدم حتى إذا ما جاء قدر الله المقدر تخلوا عنه له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله
أخي المبارك...
ومن نعمة الله علينا أن من وظائف الملائكة تحريك بواعث الخير في نفوسنا، قال: (( إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير. ويقول الشيطان: اختم بشر. فإذا ذكر الله حتى يغلبه - أي النوم - طرد الملك الشيطان وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير. ويقول الشيطان: افتح بشر. فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعدما أماتها، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السماء والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه ) ). فإن شق عليك أخي المسلم حديث الاستيقاظ هذا أن تحفظه فعليك بالآخر، والذي كان يقول فيه: (( الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور ) )أو غيره من الأحاديث التي صحت عنه في ذلك.
فيا عجبًا من أناس يغلبهم النوم أمام الأفلام والغناء، ويختم لهم بالسهر الحرام، فإذا استيقضوا كانوا ممن بال الشيطان في آذانهم لأنهم لا يشهدون مع المسلمين صلاة الفجر، أما علم أولئك أن لله ملائكة يحصون عليهم كل شيء ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد فهل يتوبون ويستغفرون، فقد قال: (( إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة ) ).
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت علي رب بأنعم مالي بشكر أقلهن يدان
ومما أوكله الله إليهم ابتلاء بني آدم، كما جاء في حديث الأبرص والأقرع والأعمى، وهو معروف، لذا فإن الله منح الملائكة قدرة في التشكل على هيئة البشر، كما في قصة ضيف إبراهيم المكرمين ولوط عليهم الصلاة والسلام، وكما في قصة مريم، وحديث جبريل: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر...
والملائكة ممن يبشر بالخير، فها هي تطمئن المؤمن عند وفاته وتبشره بالجنة إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، وفي المقابل تبشر الكافر بالنار، وغضب الجبار، وتقول لهم: أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون أجارنا الله وإياكم من ذلك.
ثالثًا/ وللملائكة مع المؤمنين شأن آخر، فهي تحبهم في الله كما قال: (( إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض ) ). وعلى النقيض منه من أبغضهم الله.
وهم فوق ذلك يسددون المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه ينزل الله إليه ملكًا فيسدده ) )وقس على ذلك سائر الأعمال التي يتوكل فيها المرء على الله.
ومما صح عنه عليه الصلاة والسلام أن الملائكة تصلي على المؤمن، بمعنى تدعوا له وتستغفر وترجوا له من الله الرحمة في أكثر من موضع، فمن ذلك:
الذين يصلون الصفوف، ويسدون فيها الفرج، ومن يصلون في الصف الأول وفي الصفوف الأوُل، ومن يمكثون في مصلاهم فلا تزال الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث فيه أو يقوم، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ) ). وكذا تصلي على من يصلون على النبي.
أما من يعود المرضى فقد قال في حقهم رسول الله: (( ما من امريء مسلم يعود مسلمًا إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار كان حتى يمسي، وأي ساعات الليل كان حتى يصبح ) ).
وهنيئًا لمن حمل للدعوة همًا وبلّغ آية أو سنة، فها هو الحبيب يكرمه بقوله: (( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلمي الناس الخير ) ).
أرأيت أخي المسلم كم لك من الخير إن أنت قمت بواجبك تجاه أسرتك وأقاربك وزملائك فعلمتهم الخير، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، ورب كلمة يقولها العبد لا يلقي لها بالًا يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة.
هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيمًا
أخي المطمئن فؤاده بذكر الله
سائل نفسك هل أنت ممن يدعو لإخوانه بظهر الغيب؟ فإن كنت كذلك فيا فرحتك بقوله عليه الصلاة والسلام: (( دعوة المرء مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك يؤمن على دعائه كلما دعا له بخير قال: آمين ولك بمثله ) ).
حدثني أحد الإخوة الأفاضل أن أحدهم سأل شيخًا عن قسوة بدأ يجدها في قلبه، ووحشة تخالط نفسه، فمما ذاك؟ فقال له الشيخ وكله نظر ثاقب: يا بني لربما كنت تدعو لبعض إخوانك فانقطعت عن ذلك، لذا قسى قلبك.
لذا قيل أن الإمام الشافعي كان يدعو لأربعين من أصحابه، وكان أحمد رحمه الله يفرد ستة عند السحر بالدعاء، أما أبوحمدون - وهو أحد القراء المشهورين - كانت له صحيفة مكتوب فيها اسم ثلاثمائة من أصحابه وإخوانه، وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركهم ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون لم تسرج مصابيحك الليلة، قال: فقعد فأسرج وأخذ الصحيفة فدعا لهم واحدًا بعد الآخر.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الحمد لله سخر لعباده المؤمنين ما لا يسعهم شكره عليه، حتى ملائكته جعلهم يدعون ويستغفرون لهم، بل ويسددونهم وينصرونهم، والصلاة على الرسول المصطفى القائل: (( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر ) ). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
عباد الله
وتشهد الملائكة صلاة الفجر، فهل أنت أخي العزيز ممن يؤلمك فوات ذلك الجمع الكريم؟ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا
وإن الملائكة تفرح لما يفرح له المؤمن، فها هي تبشر زكريا بيحيى عليهما الصلاة والسلام، وها هو المصطفى يقول: (( أتاني جبريل فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب ) ).
قال تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، ومن البشارات قوله عليه الصلاة والسلام: (( أتاني جبريل فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ) ).
أيها المؤمنون
وبأمر من الله تقوم الملائكة بعون المؤمن حتى ينفرج كربه، وتزول شدته، فها هي أمنا هاجر - رحمها الله - وابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام لما كانا بواد غير ذي زرع أخبر المصطفى بقوله: (( إن جبريل لما ركض زمزم بعقبه - وفي رواية بجناحه - جعلت أم إسماعيل تجمع البطحاء، رحم الله أم إسماعيل لو تركتها لكانت زمزم عينًا معينًا ) ).
وللملائكة عند احتضار المؤمن شأن، فهي تفرح بقدومه، وتنزل حتى تكون أمامه مدّ بصره، معها حنوط من حنوط الجنة وكفن من أكفانها، فيصعدوا بها إلى الملكوت الأعلى، ولها من الكرامة والإجلال ما الله به عليم. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.
ولما أصيب أكحل سعد بن معاذ فثقل، وحان رحيله من الدنيا احتمله قومه إلى منازلهم، وجاء رسول الله ، فقيل: انطلقوا به، فخرجوا ومعهم رسول الله وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالهم، وسقطت أرديتهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله فقال: (( إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة ) )فانتهى إلى البيت وهو يغسل.