فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 5777

الإيمان والتوحيد(2)

التوحيد

أهمية التوحيد

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

1-العلم طريق الإيمان 2- العلم بالتوحيد 3- الأنبياء يحافظون على التوحيد 4- قصة الشاب

المستأذن في الزنا وحلم النبي صلى الله عليه وسلم 5- غضب النبي حين رؤيته بعض مظاهر

الشرك 6- التأكيد على أهمية التوحيد

أما بعد.. من قرأ سيرة سيدنا رسول الله يجد أن دعوته كلها بمرحلتيها المكية والمدنية دارت حول الإيمان.

ففي مكة لبث سيدنا رسول الله ثلاثة عشر عامًا يؤسس في النفوس عقيدة الإيمان ويربيها عليها.

وفي المدينة لبث الرسول عشر سنوات شيد فيها مجتمع الإيمان ودولته فما هي النماذج التي قامت عليها دعوة سيدنا رسول الله إلى الإيمان؟

من تمعن في سيرته وفي سنته بحضور قلب وصفاء فكر وهداه الله إلى الحق بإذنه يجد أن دعوة رسول الله إلى الإيمان قامت على أربعة نماذج:

العلم - والتوحيد - والعمل - والجهاد.

أما العلم.. فهو الطريق إلى الإيمان والوسيلة إلى معرفته، فمن أخطأ هذا الطريق ولم يصل إلى العلم لم يصل إلى الإيمان أبدًا.

والواجب على كل مسلم من العلم العلم الإجمالي والإيمان المجمل، لكن المؤمن كلما ازداد علمًا ازداد إيمانًا وخشية لله تعالى؛ قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] .

ولذلك فأهل العلم التفصيلي أي الذين يعلمون عقيدة الإيمان بالتفصيل أهل العلم التفصيلي والإيمان المفصل أفضل وأعلى من أهل العلم الإجمالي والإيمان المجمل.

وأول واجب من العلم على كل مسلم هو معرفة الله تعالى ثم بعد ذلك يجب عليه من معرفة الضروري في أمور دينه مما يصحح به عمله ويصحح به عقيدته، وأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن إذا تعلم ألا يخطئ المصادر أن يتلقى العلم من مصدره الصحيح، وهو الوحي الذي جاء به سيدنا رسول الله المتمسك بكتاب الله وسنة المصطفى وهذا كله شرحناه بالتفصيل في خطبنا السابقة والحمد لله.

أما التوحيد فهو باب الإيمان وعنوان الإسلام، رأسهما وأساسهما الذي لا يصح بدونه للعبد إيمان ولا إسلام.

أول واجب على المسلم هو التوحيد وآخر ما يجب أن يلقى به ربه هو التوحيد وافتتح القرآن الكريم بالتوحيد واخُتتم بالتوحيد اقرأ سورة الفاتحة تجد التوحيد في كل أقسامه مودعًا فيها مطولًا فيها، تجد توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية، تجد كل أنواع التوحيد مضمنًا في هذه السورة العظيمة.

واقرأ سورة الناس تجدها كلها توحيدًا من أولها إلى آخرها.

فافتتح القرآن بالتوحيد واخُتتم بالتوحيد.

وأول ما يُدعى إليه الناس التوحيد فمنذ أول يوم من الدعوات النبوية وقف سيدنا رسول الله بمكة يدعو الناس إلى التوحيد ويحذرهم من الشرك ويسفّه ما اتخذوه من آلهة وأنداد دون الله تعالى.

ولم يكن يغضب لشيء مثل غضبه إذا انتهك جناب التوحيد مع أنه لم يغضب ولم يعنف على من جاءه يستأذنه في الزنا بل عالجه دون أن يوبخه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"إن فتى من الأنصار أتى إلى رسول الله فقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل عليه أصحاب رسول الله فزجروه وقالوا له: مه مه، فقال النبي: (( ادنُ ) )فدنا منه فجلس فقال الرسول للفتى: أتحبه لأمك؟ فقال الفتى: لا والله يا رسول الله."

قال الرسول: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.

قال الرسول: أتحبه لابنتك.

قال الفتى: لا والله جعلني الله فداك.

قال الرسول: ولا الناس يحبونه لبناتهم.

قال: أتحبه لأختك.

قال الفتى: لا والله جعلني الله فداك.

قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم.

قال: أفتحبه لعمتك؟

قال الفتى: لا والله جعلني الله فداك.

قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم.

قال:أفتحبه لخالتك؟

قال: لا والله جعلني الله فداك.

قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

فأقبل رسول الله فوضع يده على صدر الفتى وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه.

قال أبو هريرة: فلم يكن ذلك الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء أبدًا [1] ببركة دعوته ودعائه شُفي ذلك الفتى وطهرت نفسه فلم تعد نفسه تهفو إلى الحرام بعد ذلك أبدًا.

هكذا عالج سيدنا رسول الله ذلك الشاب الذي نازعته نفسه بالزنا فجاء يستأذنه في الزنى، لم يغضب عليه ولم يعنفه ولكن عالج في نفسه دون أن يوبخه.

بينما نجد رسول الله يغضب أشد الغضب وينكر أشد الإنكار إذا سمع أو رأى ما يمس جناب التوحيد مهما كان صغيرًا.

فعن عمران بن حصين رضي الله عنه:"أن النبي رأى رجلًا في يده حلقة من صُفْر فقال له ما هذا ؟ قال الرجل:- من الواهنة - أي أنه لبس هذه الحلقة تبركًا بها من أنها تشفيه من الواهنة - فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا". رواه أحمد في مسنده بسند صحيح [2] .

وعن أبي الواقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر - أي أسلموا حديثًا - وللمشركين سدرة شجرة كبيرة يعكفون عندها أي يقفون عندها معتقدين فيها متبركين بها يرومون بها أسلحتهم - أي يعلقون عليها أسلحتهم تبركًا بها - يُقال لها ذات أنواط فنظرنا إلى سدرة - أي شجرة كبيرة - فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط - أي اجعل لنا شجرة نتبرك بها كما للمشركين شجرة يتبركون بها ويعلقون عليها أسلحتهم.

فبم أجاب رسول الله ؟ كبّر غضبًا قال: (( الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة إنكم قوم تجهلون، لتتبعن سنن من قبلكم ) )أخرجه الترمذي وصححه [3] .

فتأمل كيف غضب النبي هذا الغضب الشديد لما رأى ما يمس جناب التوحيد تأمّل كيف استخدم أسلوب التوبيخ الشديد في تعليم التوحيد، لأناس من أصحابه معتدلين حديثي عهد بكفر في أول الطريق ومع ذلك استخدم معهم أسلوب التوبيخ الشديد في تعليمهم التوحيد وتحذيرهم من الشرك. لم يستخدم هذا الأسلوب في تعليم ذلك الفتى الأنصاري الذي كان يستأذنه في الزنا، بل عالج ما في نفسه دون أن يوبخه.

هذا يدلنا على ما بين الأمرين من فرق كبير ويدلنا على شدة أهمية التوحيد لأنه أساس الإيمان وشرط صحة الإسلام.

هذه هي سنة سيدنا رسول الله وهذه طريقته في دعوته، فما بال أناس يستنون بغيرِ سنته واختاروا غير طريقته وسكتوا عن التوحيد بل وأهملوه بل ونهروا الناس عن الكلام فيه وعن تعلمه وينكرون أشد الإنكار على من يحذرون الناس من الشرك أو من ينكر على من وقع فيه بدعوى أن ذلك ينفر الناس أو يفرق بين صفوفهم.

أطريقة هؤلاء خير أم طريقة سيدنا رسول الله ؟

أهي دعوة نبوية أم هي دعوة أعجمية أم هي طريقة سيدنا رسول الله دلت عليها سنته وسيرته فأي طريقة، أي طريقة فضلها هؤلاء على طريقة رسول الله ، ورأي من هذا الذين يضربون به هدي سيدنا محمد.

التوحيد هو أول من دعا إليه سيدنا محمد وقف سيدنا رسول الله منذ أول يوم من دعوته النبوية وقف يدعو الناس إلى التوحيد ويحذرهم من الشرك، وينذرهم بعذاب شديد حتى غضب عليه بعض عشيرته قبل غيره فسبوه وآذوه.

قال له عمه أبو لهب:"تبًا لك سائر اليوم" [4] .

تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد [سورة المسد:1-5] . ما هذا أليس هذا توبيخًا ربانيًا لمن وقف في وجه التوحيد، ووقف في وجه أول داعٍ إلى التوحيد سيدنا رسول الله.

أيها المسلم احذر من الاستهانة بشأن التوحيد، احذر من إهمال التوحيد تعلم التوحيد قبل كل شيء، تعلم التوحيد قبل أن تتعلم الشرائع، تعلم التوحيد قبل أن تتعلم الفضائل، تعلم التوحيد قبل أن تتعلم الآداب، لأنه لا تصح لك شريعة ولا تصح لك فضائل ولا تصح لك آداب ولا يصح لك عمل أبدًا ما لم يصح لك التوحيد، ما لم يصح توحيدك واعتقادك ولا تصح كل أمور الدين، كل ما سوى التوحيد من كل أمور الدين معلق على التوحيد ولذلك كان هدي أصحاب رسول الله أنهم يتعلمون أمور الاعتقاد، قبل كل شيء يتعلمون ما يصححون به الإيمان قبل شئون الدين، قال جندب رضي الله عنه: كنا أصحاب محمد نتعلم الإيمان قبل القرآن فإذا تعلمنا القرآن ازددنا إيمانًا. هذا هو هدي أصحاب رسول الله الذي تعلموه من رسول الله فعليك أيها المسلم بالتوحيد، تعلم التوحيد واعمل بالتوحيد ثم تعلم بعد ذلك سائر شئون الدين كما فعل أصحاب رسول الله ، فالتوحيد هو أول ما يبدأ به المسلم وهو آخر ما يلقى به المسلم ربه. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم [محمد: 19] .

"فاعلم"هذا هو العلم"ألا إله إلا اله"هذا هو التوحيد"واستغفر لذنبك"هذا هو العمل.

وهل تقتصر على نفسك فحسب كلًا"واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات". وهنا يأتي دور الدعوة والجهاد"والله يعلم متقلبكم ومثواكم".

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] مسند أحمد (5/256-257) وعن أبي أمامة رضي الله عنه.

[2] مسند أحمد (4/445) .

[3] سنن الترمذي (2180) وقال: حسن صحيح.

[4] صحيح البخاري (1394، 4770) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

أما بعد... فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب: 70،71] .

ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب: 56] .

وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت