فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 5777

حرب الخليج

أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم, مذاهب فكرية معاصرة

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

اندحار جيش البعث - عصر الكوارث والهزائم - حرب الخليج من أعظم كوارث العصر دروس من هذه الأزمة - لا عزة إلا بالإسلام

أما بعد فقال الله تعالى: ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء [إبراهيم:27] . وهانحن نرى اليوم رأي العين كيف ذهب كيد الظالمين في ضلال , كيف ذهبوا مع كل ما أنفقوا من إمكانيات هائلة ووضعوا من مخططات رهيبة ذهبوا هباء منثورا وهاهم في آخر أمرهم وقد أصبحوا صما بكما عميانا لا يبصرون , تخبطوا لما حلت عليهم عقوبة ربك سبحانه وقد كان أملا لهم قبل ذلك فعاثوا في الأرض فسادا فأكثروا فيها الفساد ,غدروا بإخوانهم وبجيرانهم واعتدوا على الحرمات وسفكوا دماء المسلمين وانتهكوا أعراض المسلمات وخوفوا المؤمنين الآمنين ووجهوا صواريخهم إلى جيران وخدام الحرمين الشريفين بدلا من أن يوجهوها إلى العدو الحقيقي توجيها حقيقيا. لقد فرقوا صفوف الأمة وأشمتوا بها الأعداء الصهيونيين فما أشد ظلم ذلك المعتدي البعثي العراقي وما أعظم جرمه ولكن هاهي النهاية نهاية الظلم والبغي والغدر والعدوان , فانظر كيف كان عاقبة الظالمين واليوم ونحن نشارك إخواننا الكويتيين المسلمين فرحتهم بعودة بلدهم وتحريره وزوال ذلك الغزو البعثي العراقي عن كواهلهم ونهنئهم بذلك ونهنئ أنفسنا بزوال الغمة وانجلاء الكارثة إن شاء الله فإننا لا نملك إلا أن نسأل الرب الكريم الرحيم أن يعجل بالفرحة الثانية وهي خلاص إخواننا في العراق من ذلك الكابوس البعثي البغيض , لئن كان الشعب الكويتي المسلم عانى من الغزو البعثي العراقي سبعة أشهر فإن الشعب المسلم العراقي يعانون من ذلك القهر ومن ذلك الكابوس البعثي الخبيث الظالم منذ سنين , فنسأله سبحانه وتعالى أن يعجل لهم بالفرج والخلاص لا من صدام حسين فحسب بل من أولئك الذين أعانوه ورفعوه على أكتافهم وجعلوا منه كابوسا بشعا , إنه حزب البعث العربي الاشتراكي العلماني العنصري المنفر البغيض.

هذه ليست أول كارثة تحل بالعرب والمسلمين في العصر الحديث إنه عصر يستحق أن يسمى بحق عصر الهزائم والكوارث. كم تحمل فيه العرب ومن ورائهم المسلمون من كوارث عديدة وهزائم كثيرة ولعل أعظمها تلك الكارثة التي لا تزال محفورة في قلب كل مؤمن إنها سقوط المسجد الأقصى بيد أحفاد القردة والخنازير الصهيونيين , تلك هي الكارثة العظمى التي ستظل نقطة عار في جبين هذا الجيل , ستظل محفورة في قلب كل مؤمن مقهور لا يملك حيالها شيئا ويتحرق أسفا وألما منها. ولكن هذه الكارثة التي اقترفها البعث العراقي بقيادة كلبه المتوحش صدام هي أبشع ما واجهنا في هذا العصر من كوارث , من حيث اتساع الأضرار الفادحة التي ألحقتها بمصالح الأمة العليا ومن حيث الذيول التي تركتها مع ما يترتب عليها من آثار مدمرة قد تبقى حقبة من الزمن نعاني من وطأتها , إلا أن يشاء الله شيئا إلا أن يأذن الله بأمر رشد لهذه الأمة تستعيد به عزتها وتداوي جراحها.

إن هذه الكارثة البعثية الصدامية بالرغم من شدة وطأتها علينا جميعا ومرارتها في قلوبنا ونفوسنا فإنها انطوت علي قدر كبير من الأهمية من الدروس والعبر والسعيد من اتعظ بها وتبصر:

أولا: علينا جميعا في هذه البقاع المقدسة خصوصا وفي الكويت وفي الخليج وفي كل مكان أن نوطد قلوبنا بالله عز وجل وأن نتوجه إليه بقلوبنا وأفئدتنا شاكرين حامدين على لطفه بنا ومنه وكرمه علينا فالأمر كله بيده سبحانه.

الأمر كله له هو الذي قدر ما قدر وهو الذي قهر من قهر , الأمر به بدأ وإليه يعود والملك كله له يعز من يشاء ويذل من يشاء ويفعل ما يشاء ولكنه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة فله سبحانه الحمد كله وله الثناء كله.

ثانيا: إن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده المؤمنين بالمحن ليتخذ منهم شهداء ويميز الخبيث من الطيب وليكشف المنافقين ويميزهم عن المؤمنين , ولقد أصبح واضحا لكثير من المؤمنين أن هذه المحنة كشفت زيف كثير من أهل الزيف والنفاق حتى من أولئك الذين كنا نمالئهم ونداريهم ونمدهم بالأموال ونخصهم بالدعم والتأييد والمودة حتى ولو كان ذلك أحيانا على حساب إخوان لنا وأشقاء مسلمين موحدين مصلين يئنون تحت وطأة أولئك يقولون لا إله إلا الله ويصرخون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا , ماذا نفعنا ممالأتنا لبعث العراق ولهدام العراق والعرب والمسلمين حتى عندما سفك دماء الآلاف من العراقيين وقتل الآلاف المؤلفة من إخواننا الأكراد صمتنا صمت القبور مداراة له وممالأة فماذا نفعنا ذلك كله؟ لقد تكشفت قلوبهم عن حقد دفين وعداوة مريرة والدرس المستفاد هنا هزال كل علاقة وكل وشيجة وكل رابطة وكل تعاون لا يقوم علي أساس الإسلام هزال كل تلك الروابط وكل هذا التعامل بل وخطورته علينا وعواقبه الوخيمة.

ألم يكن ربنا عز وجل الرؤوف بنا الرحيم بنا قد نصحنا ونبهنا ولكننا ما انتصحنا: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي قلوبهم أكبر قد بينا الآيات إن كنتم تعقلون هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور [آل عمران:118-119] .

ثالثا: تنبهنا هذه الكارثة البعثية الصدامية إلي ضرورة الامتثال إلى ذلك الأمر الإلهي الذي يحمل معنى هاما وأساسيا واستراتيجيا في حياتنا نحن المسلمين , ذلك الأمر الذي طالما تغافلنا عنه قال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [الأنفال:60] . وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا إن القوة الرمي ) ) [1] , ولكن تأملوا كيف صنفت تلك الآية الكريمة أعداءنا الذين يجب أن نأخذ حذرنا منهم وأن نعد العدة لهم وأن نبني قوتنا الذاتية خوفا منهم وإرهابا هم أولا عدو الله ترهبون به عدو الله كل من ناصب دين الله وشريعة الله وأولياء الله كل من ناصبهم العداء وهو عدونا الحقيقي.

ولكن هناك آخرون مختفون وراء الابتسامات , ابتسامات الخديعة والمكر والخيانة والغدر إذا كنا لا نعلمهم أو نتعامى عنهم فإن الله يعلمهم , هاهو واحد منهم صدام البعثي الهدام وقد انكشف لنا وانقضى فيا ترى كم صدام بقي هناك ؟ لا يزال يتستر ويختفي وراء الابتسامات الماكرة , إن الإعداد والاستعداد واجب شرعي ومبدأ إسلامي , قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا [النساء:71] . فكارثة بهذا الحجم إذا لم تكن نجحت في تنبيهنا إلى وجوب الإعداد وبناء قواتنا الذاتية وتربية شبابنا على الجهاد فماذا يجب أن يحدث حتى نفتح أعيننا ونتبصر بواجباتنا؟

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم (1917) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

الحمد لله رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد فالدرس الرابع من هذه الكارثة البعثية الصدامية أنها كشفت لنا مدى قبح وشناعة الانحراف عن الإسلام , أمة العرب في العصر الحديث جربوا فيها كل شيء إلا الإسلام وحكموا فيها كل نحلة إلا الإسلام , جربوا فيها القوميات العنصرية , وجربوا فيها الاشتراكية العربية الناصرية , وجربوا فيها البعث العلماني الإلحادي الذي أفرز لنا عدة كوارث كبرى هذه واحدة منها. فيا ترى ماذا سيجربون أيضا في الأيام القادمة؟ أخوف ما نخاف أننا ونحن مقبلون على مرحلة يشتد فيها الانبهار والإعجاب بالغرب وتكنولوجيته والشعور بالامتنان نحو هذا الغرب الذي ساعدنا على الانتصار على صدام الذي هو عميله وصنيعته , أخوف ما أخاف أن تنشط من جديد تلك العلمانية البغيضة التي حزب البعث وجه من وجوهها. فيا ترى ماذا ستلبس لنا في الأيام القادمة وبماذا ستسمى؟ فقد أفلست تلك الأسماء القديمة , لا بد أنها ستهجم علينا من جديد لابسة أثواب أخرى ومتسمية بأسماء جديدة ولا نستبعد أن تتسمى باسم الإسلام فنشهد في الأيام القادمة الإسلام العلماني.

ترى من أولئك الذين يحولون بيننا وبين أن يحكمنا الإسلام في عالم العرب والمجتمع الإسلامي , هذا الإسلام الذي نحمله جميعا في قلوبنا عقيدة ونمارسه عبادة , إنه نظام كامل شامل , إنه عقيدة وشريعة وقانون ونظام حكم واقتصاد. ولو سيطر الإسلام على حياتنا السياسية طوال الفترة الماضية لكنا وفرنا على أنفسنا كل تلك الكوارث والهزائم , ولكن فساد الطبقة السياسية في العصر الحديث في عالم العرب والمسلمين وانحرافهم عن الإسلام وانفصالهم عن عقيدة الأمة وعن آمال الأمة هو الذي جلب على أمة الإسلام وعلى أمة العرب على وجه الخصوص كل تلك الكوارث والهزائم وسيجرون كوارث أخرى إلا أن يشاء الله أن يتداركنا برحمته.

حقيقة يجب أن نتنبه لها ونتذكرها حكاما ومحكومين أننا مهما ابتغينا العزة في غير دين الله , أذلنا الله وسلط علينا من يقهرنا ويسومنا سوء العذاب , فإنه تعالى حكم في كتابه المنزل أن العزة لله جميعا ليس لأحد غيره نصيب من العزة حتى يؤتيه من يشاء ويمنعه عن من يشاء فالعزة لله جميعا , فإذا ما أردنا العزة وإذا ما أردنا السلامة من الذل والقهر والكوارث والهزائم فعلينا أن نحكم شريعة الله عز وجل في جميع شؤون حياتنا وخاصة حياتنا السياسية.

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى على واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت