الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
غير محدد
1-التحذير من إطلاق اللسان. 2- الأمر بحبس اللسان عما لا خير فيه. 3- تعويد اللسان على
القول الحسن.
وبعد:
فما أكثر ما يدور بين الناس من كلام، ويملأ مجالسهم من حديث، فإذا ذهبت تحصي ما قالوا وجدت أكثره اللغو الضائع، أو الهذر الضار، وما لهذا ركب الله الألسنة في الأفواه، ولا بهذا تقدر الموهبة المستفادة: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا.
وقد عني الإسلام عناية كبيرة بموضوع الكلام وأسلوب أدائه، لأن الكلام الصادر عن إنسان ما يشير إلى حقيقة عقله وطبيعة خلقه، ولأن طرائق الحديث في جماعة ما تحكم على مستواها العام ومدى تغلغل الفضيلة في بيئتها.
ينبغي أن يسائل الإنسان نفسه قبل أن يحدث الآخرين: هل هناك ما يستدعي الكلام ؟ فإن وجد داعيا إليه تكلم، وإلا فالصمت أولى به، وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الأجر.
قال عبد الله بن مسعود: (( والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ) ).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (( خمس أحسن من الدُّهْم الموقفة(أي الجيدة) لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليكم الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه، فعيب به، ولا تماد حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقليك وإن السفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به، وأعفه مما تحب أن يعفيك عنه، واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام )).
والمسلم لا يستطيع أداء هذه الخصال الخمس إلا إذا ملك لسانه وسيطر على زمامه بقوة، فكبحه حيث يجب الصمت، وضبطه حيث يريد المقال، أما الذين تقودهم ألسنتهم فإنما تقودهم إلى مصارعهم.
إن للثرثرة ضجيجا يذهب معه الرشد، وأكثر الذين يتصدرون المجالس ويتحرر منهم الكلام متتابعا يجزم مستمعهم بأنهم لا يستمدون حديثهم من وعي يقظ أو فكر عميق، وربما ظن أن هناك انفصالا بين العقل وهذا الكلام المسترسل، ولذلك كان من نصيحة الرسول لأبي ذر فيما روي عنه: (( عليكم بطول الصمت، فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك ) )، وقد قال رسول الله: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) ).
وأول مراحل هذه الاستقامة أن ينفض يديه مما لا شأن له به وألا يقحم نفسه فيما لا يسأل عنه: (( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) ).
والبعد عن اللغو من أركان الفوز والفلاح فقد قال الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون.
وقد كره الإسلام اللغو لأنه من سفاسف الأمور، وبمقدار ما يتنزه المرء عنه تعلو درجته عند الله، وبمقدار ما يخوض فيه يعاقب عليه، فقد قال: (( إن العبد ليتكلم الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس، يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض ، وإن المرء يزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه ) ).
وقديما قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل
وقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل في عهد موسى ألا يقولوا إلا حسنا فقال تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانًا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنًا.
والكلام الطيب جميل مع الأصدقاء ومع الأعداء، فأما مع الأصدقاء فهو يحفظ مودتهم ويستديم صداقتهم ويمنع كيد الشيطان: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا.
وأما حسن الكلام مع الأعداء فهو يطفئ خصومتهم ويكسر حدتهم أو هو على الأقل يوقف الشر أو يخفف منه: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
وفي تعويد الناس لطف التعبير مهما اختلفت أحوالهم يقول الرسول: (( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ) ).
وعن أنس قال جاء رجل إلى رسول الله فقال: (( علمني عملا يدخلني الجنة، قال: أطعم الطعام، وأفش السلام، وصل الأرحام، وصلّ بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام ) ).
وإذا كان لحسن الحديث وأدبه هذه المنزلة، فما أعظم خسارة أولئك الناس الذين يعيش أحدهم صفيق الوجه شرس الطبع، لا يحجزه عن المباذل يقين، ولا تلزمه المكارم مروءة، ولا يبالي أن يتعرض للآخرين بما يكرهون، فإذا وجد مجالا يشبع فيه طبيعته النزقة الجهولة انطلق على وجهه، لا ينتهي له صياح ولا تحبس له شرة، فإذا رأيت واحدا من هؤلاء أو ابتليت به فينبغي أن تداريه وتتقي شره، فقد قال رسول الله: (( إن من شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره ) ).
ولذلك عد الله تعالى في كتابه الكريم في أوائل الصفات التي يتحلى بها عباد الرحمن هذه المداراة العاصمة من السوء: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا.
وقال: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
لم ترد.