فهرس الكتاب

الصفحة 2570 من 5777

بعد رمضان

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-من نعم الله التوفيق للطاعة. 2- الاستقامة على العمل الصالح بعد رمضان. 3- نوافل الصيام. 4- المحافظة على الأذكار والأوراد. 5- قيام الليل. 6- المداومة على الطاعة. 7- خير العمل أدومه وإن قل.

أما بعد: فإن من أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين توفيقهم للطاعات وفعل الخيرات من صيام وقيام وقراءة للقرآن وصدقة وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، ومن أعظم هذه النعم أن يبلغهم شهر رمضان، ذلك الموسم العظيم الحافل بالبركات والهدى والنور والفرقان, ذلك الموسم العظيم الذي تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران, ولله فيه عتقاء من النيران، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

أيها المؤمنون، ها هو رمضان ولى وانصرم كأنما هو طيف عابر مرّ ولم نشعر فيه بمضي الزمان ولا بكرِّ الليالى والأيام، فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه ونبارك له، ومن المردود فنعزيه ونواسيه ونأسى له.

أيها الأحبة، إن كان رمضان قد ودعنا فإن الأعمال الصالحة لا تودع، فمن ذاق حلاوة الصيام واستشعر ذلك المعنى العظيم المنشود من وراء تشريع الصيام، وهو تحقيق تقوى الله تعالى، فالباب مفتوح لمواصلة العمل، والصيام ليس قاصرًا على شهر رمضان, فقد سن لنا رسول الله صيام ست أيام من شوال فقال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله ) )وسنّ لنا أيضًا صيام ثلاثة أيام من كل شهر: (( ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله ) )رواه مسلم.

والأفضل أن يصوم الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر لحديث أبى ذر الغفاري عن أن النبي قال له: (( يا أبا ذر إذا صمت ثلاثة من كل شهر فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) ( رواه أحمد والنسائي. وسن لنا أيضا صيام يوم عرفة وأخبرنا بأنه يكفر السنة الماضية والباقية, وأن صيام يوم عاشوراء يكفر السنة الماضية, وسن لنا صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يتحرى صيام الإثنين والخميس.

ومن استشعر حلاوة المناجاة مع رب العالمين في صلاته وسجوده وأبصر الأثر الجميل في الدعاء والإلحاح على الله تعالى بطلب المغفرة والعفو فليعلم أن ربه تعالى يناديه في كل وقت: ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ، وهو سبحانه القائل وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ، ومن تعطر فوه بتلاوة كلام ربه وأمضى ساعات طويلة خلال رمضان يتلو كتاب ربه حتى سهلت عليه القراءة واطمأن قلبه بذكر الله والتأمل في معاني القرآن الكريم فدونه كتاب الله تعالى، وليكن له ورد يومي من القرآن الكريم، فقد كان ذا هدي السلف المستقر، ويا من قمت لربك مصليًا في الليل التراويح والقيام وصففت قدميك وقمت لربك وركعت وسجدت ودعوت الله وأتعبت بدنك، وشعرت بشيء من التعب، هل استشعرت ذلك التعب والنصب الذي كان يلاقيه حبيبنا محمد في قيام الليل، فلقد صلى من الليل حتى تفطرت قدماه أي تشققت من طول القيام، هذا مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيا ترى ما حالنا نحن المساكين الضعفاء المفرطين، وقيام الليل عبادة جليلة أمر بها النبي ووعد عليها الأجر الكبير وَمِنَ ?لَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى? أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء:79] ، وَ?ذْكُرِ ?سْمَ رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ ?لَّيْلِ فَ?سْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [الإنسان:25، 26] ، فَ?صْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ?لشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء ?لَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ?لنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى? [طه:130] ، وهل علمت لم قال محمد عن عبد الله بن عمر وهو لا يزال شابًا في مقتبل عمره" (( نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل ) )وهذا النبي يقول: (( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) )أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح."

واعلم أيها الأخ الحبيب أن قيام الليل يحصل ولو بثلاث ركعات، ومن زاد فمن الخير ازداد وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ?لْمُتَنَـ?فِسُونَ [المطففين:26] .

عباد الله، للصدقة على المسكين والقريب أثر حميد وفي بذل المال في البر لذة في العطاء وسعة في الرزق ووعد من الكريم سبحانه بالخلف، فهل نستمر في هذا العمل الجليل بعد رحيل رمضان ولو بالقليل.

عباد الله، إن في الاستمرار على العمل الصالح بعد رمضان علامة على حب العبادة والتعلق بها، فلنتق الله أيها المؤمنون ولنعمر أيامنا وشهورنا وأعمارنا كلها بما يقربنا من ربنا ويزيد في رصيدنا عند مولانا. ولكل محفوظ خزائنه ودواوينه، وسيأتي يوم تظهر فيه تلك الودائع وتنشر الصحائف يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ ?للَّهُ نَفْسَهُ وَ?للَّهُ رَءوفُ بِ?لْعِبَادِ [آل عمران:30] .

أقول قولي...

أما بعد: فإن الأعمار قصيرة والمشاغل كثيرة والنفس أمارة بالسوء والشيطان قد قعد في طريق العباد ليحول بين الناس وبين عبادة ربهم، وحاجة المسلم إلى طاعة ربه ماسة ولا خيار في ذلك، فالله قد خلقنا وطلب منا أن نعبده ونتقرب إليه سبحانه، وطريق الجنة محفوف بالمكاره ولا بُد من العمل الصالح رغبةً فيما عند الله سبحانه، فلا بُد أن يفقه المسلم أقرب الطرق الموصلة إلى رضوان الله والجنة.

فلنعلم أيها الأحبة أن أحب الأعمال إلى الله تعالى أداء الفرائض والواجبات، ففي الحديث القدسي: (( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) )فأداء الفرائض والاهتمام بها أحب إلى الله من الانشغال بالنوافل الكثيرة، ثم إن للنوافل أثرها وأجرها (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه ) )أخرجه البخاري.

ثم إن النوافل كثيرة متنوعة فبم يبدأ المسلم منها؟ وما الذي ينبغي الحرص عليه، عن هذا الأمر سئل الحبيب فبم أجاب؟ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله سئل أي العمل أحب إلى الله قال: (( أدومه، وإن قل ) )وعن هديه في العمل الصالح سأل علقمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال: قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله يستطيع. أخرجهما مسلم.

وقال البخاري رحمه الله في صحيحه"باب أحب الدين إلى الله أدومه"وأخرج حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها فقال: (( مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ) )، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه"قال الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح: الأَوْلى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى الترك كما جاء في الحديث الآخر"المُنْبَتّ"أي المجد في السير (( لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ) ). وقال الإمام النووي رحمه الله:"بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة".اهـ."

فما أحراك أيها المسلم الراغب فيما عند الله أن يكون لك في يومك وليلتك أعمال صالحة تلزمها من النوافل والقربات، فمن مداومة على السنن الرواتب والوتر وقيام الليل ولو بركيعات قليلة، إلى تلاوة آيات من كتاب الله تعالى، ومن أمر بمعروف أو صلة لقريب أو بر بوالدين أو تعلم علم نافع أو ذكر وتسبيح، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهلم جر، من أنواع القربات والأعمال الصالحة التي تقرب العبد من مولاه وتضاعف حسناته ويكفر الله بها من خطاياه.

وهذا ميدان السباق الحقيقي سَابِقُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت