أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, مذاهب فكرية معاصرة
زياد بن محمد الصغير
فروتسوان
مسجد فروتسوان
1-المؤمن لا يتقدم على أمر الله ورسوله. 2- أدب الصحابة في هذا الباب. 3- المسلمون اليوم ونبذ تطبيق الشريعة. 4- حال الأمن وعقوبتها حين تنبذ شريعة الله. 5- إصلاح الخصومات بين المسلمين. 6- ظلم المجتمع الغربي ومؤسساته الدولية للمسلمين. 7- وعد الله المؤمنين بالنصر والتمكين.
أما بعد:
فسوف نتناول اليوم بعض آيات من سورة لا تتجاوز آياتها ثماني عشرة آية، ومع ذلك فهي تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، وتشمل من قواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات.
هذه السورة هي سورة الحجرات.
يقول تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْو?تَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ?لنَّبِىّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِ?لْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـ?لُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ ?لَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْو?تَهُمْ عِندَ رَسُولِ ?للَّهِ أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ ?مْتَحَنَ ?للَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى? لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إَنَّ ?لَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ?لْحُجُر?تِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى? تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:1-5] .
تبدأ السورة بهذا النداء الحبيب، نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب، يذكرهم بالصفة التي تربطهم به، وتشعرهم بأنهم له، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارًا لهم ومنة عليهم، فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا، ويسلموا ويستسلموا لمولاهم جل وعلا.
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي يا أيها الذين آمنوا لا تتقدموا على الله ورسوله بأمر، لا في خاصة أنفسكم، ولا في أمور الحياة من حولكم، ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله.
لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله من شعائر دينكم، ولا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
ويأمرنا تعالى بتقواه سبحانه، هذه التقوى التي تنبع من الشعور بأن الله تعالى سميع عليم.
ومن شدة تأدب الصحابة الكرام مع رسول الله كان الرسول يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم، خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله!!
جاء في الحديث الشريف أن النبي سأل في حجة الوداع: (( أي شهر هذا؟ ) )قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: (( أليس ذا الحجة؟ ) )قلنا: بلى! قال: (( أي بلد هذا؟ ) )قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: (( أليس البلدة الحرام؟ ) )قلنا: بلى!! قال: (( فأي يوم هذا؟ ) )قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: أليس يوم النحر، قلنا: بلى... إلخ.
لهذه الدرجة تأدب الصحابة رضوان الله عليهم مع الله ومع شرع الله ومع رسول الله.
أما نحن فقد نبذنا شرع الله وأقصيناه عن ساحة الحكم، واستبدلنا به قوانين وضعية أخذناها من الشرق والغرب، وزعمنا أن هذا من الحداثة والتطور، ورفعنا أصواتنا في البرلمانات فوق صوت النبي وجعلنا الإسلام في زاوية من الحياة، أما باقي الحياة فجعلناها لنا نشرع لها كيفما شئنا، فخسرنا الدنيا قبل الآخرة.
وكلما ارتفع صوت"أن طبقوا شرع الله"يقال: هذه تجارة بالدين، وكل من يقول ذلك إنما يتاجر بالانحلال والفساد.
وانظروا إلى الحرب على الإسلام في بلدان الشعوب المسلمة ذاتها، الإعلام، ما حاله؟ والتعليم ما حاله؟ والفساد والمحسوبية واستغلال السلطة؟ والفساد الإداري والرشوة ونهب البلاد واستغلال الشعوب؟ الزنا والخمور التي تصنع وتباع بدعوى تشجيع السياحة!!... الخ.
الخلاصة أن بلاد المسلمين تحارب الإسلام على مستوى الحكومات، وتعلنها صراحة: نحن علمانيون نفصل الدين عن الدولة العصرية ـ بزعمهم ـ، حتى قوانين الأحوال الشخصية بدأوا في الزحف عليها، وعلماء السوء يساندونهم، دائمًا نسمعهم يقولون:"هذا القانون موافق للشرع"ولا يقولون ما يطلب منهم شرعًا، وفي الحديث الشريف، عن معاذ رضي الله عنه، حيث قال له النبي حين بعثه إلى اليمن: (( بم تحكم؟ ) )قال: بكتاب الله تعالى. قال: (( فإن لم تجد؟ ) )قال: بسنة رسول الله ، قال: (( فإن لم تجد؟ ) )قال رضي الله عنه: (أجتهد رأيي) فضرب في صدره وقال: (( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) ).
والله تعالى يقول: أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?للَّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] .
والرسول يصف لنا حال الأمة حينما لا يحكم الحكام بشريعة الله تعالى حيث يقول في الحديث الشريف: (( وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم بينهم ) ).
والآيات والأحاديث لا حصر لها في موضوع وجوب تحكيم شريعة الله في كل شأن من الشئون في كل زمان ومكان، لأنها صالحة لكل زمان ومكان، والشعوب يجب أن تطبق هذه الشريعة كاملة بحذافيرها، لا أن نعمل ببعضها وندع بعضها والله يقول: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ?لْكِتَـ?بِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذ?لِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ يُرَدُّونَ إِلَى? أَشَدّ ?لّعَذَابِ وَمَا ?للَّهُ بِغَـ?فِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85] .
ويقول تعالى أيضًا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَـ?دِمِينَ [الحجرات: 6] .
وكذا يحذر الله تعالى الفئة المؤمنة من أن تصدق كلام الفاسق، فهو موضع الشك حتى يثبت خبره لأنه فاسق، فلا تتعجل الجماعة المؤمنة في تصرف بناء على خبر فاسق، فتصيب قومًا بظلم عن جهالة وتسرع فتندم لأنها لم تتثبت.
هذا الكلام ما أكثره بيننا، ما أكثر من يمشون بين الناس بالنميمة، ما أكثر من يسعون بين الناس بالأخبار الكاذبة حتى يقطعوا حبال الود ويمزقوا الأخوة التي تجمعنا.
وعلى كل واحد منا ـ إذا نقل إليه أحد خبرًا ما ـ أن يقول له: تعال وواجه من تتكلم عنه، فكل من يتحرك بين الناس بمثل هذا الكلام هو خائن دنيء، وكما خان غيرك حتمًا سيخونك؛ لأنه لا أمان له، ومن يخن الله من باب أولى أن يخون الناس مهما تكن الظروف والأحوال.
ويقول تعالى في نفس السورة ـ سورة الحجرات ـ:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ ?قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى? ?لاخْرَى? فَقَـ?تِلُواْ ?لَّتِى تَبْغِى حَتَّى? تَفِىء إِلَى? أَمْرِ ?للَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِ?لْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 9، 10]
في هذه الآية يفترض القرآن إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين، ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما، ومع احتمال أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب.
والله تعالى يكلف الذين آمنوا أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين، فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق وترفض الصلح وحكم الله في المسائل المتنازع عليها، فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذًا، وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله.
فإذا تم قبول البغاة لحكم الله، قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة لله وطلبًا لرضاه... إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ.
هذا هو ما يجب على الأمة المسلمة للصلح بين المتقاتلين، وليس اللجوء إلى المنظمات الدولية لتحكم بيننا بغير حكم الله، وهل سيعدل غير المسلمين مع المسلمين؟!
يقول تعالى: وَلَن تَرْضَى? عَنكَ ?لْيَهُودُ وَلاَ ?لنَّصَـ?رَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120] .
أمثلة لعدم العدل: إمداد اليهود بفلسطين بالقوة وتدمير القوى الإقليمية مثل العراق وإيران، الكيل بمكيالين في قرارات المنظمات الدولية، كل مجاهد مسلم متطرف إرهابي، وكل مناضل غير المسلم في سبيل حقه محترم وثائر.
عدم ازدراء أي دين إلا الإسلام، حتى الأديان الوثنية التي تعبد الحجارة الأبقار، ولو تظاهروا بغير ذلك فلا همَّ لهم إلا الطعن في الإسلام، والأمثلة كثيرة.
لن يعدل غير المسلمين مع المسلمين، ولو تظاهروا بالعدل، وهذه المنظمات هي للأقوياء فقط وليست لنا، وما صرنا كالأيتام على موائد اللئام إلا لبعدنا عن الدين، وصدق فينا قول الرسول: (( وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم شديد ) ).
نعم، بأسنا بيننا شديد.
إذا كان الخلاف بين بلد مسلم وآخر مسلم، لجأنا إلى الجيوش فورًا، أما إذا كان الخلاف بيننا وبين اليهود في فلسطين، كنا في منتهى الأدب ولجأنا إلى محكمة العدل الدولية والمنظمات الدولية.
والشعوب المسلمة يسوقها الحكام بالأَعْلام، تباعدت القلوب، وتعصب كل شعب لجنسه أو لغته أو لونه، حاربت الشعوب بعضها بعضًا بأمر الحكام، إما كرهًا أو بالآلة الإعلامية السَّاحرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في أنحاء الأرض إمام واحد، في دولة واحدة، وأنه إذا بويع لإمام وجب قتل الثاني إذا لم يرجع عن غيه.
صحيح أن الظروف الدولية الراهنة لا تسمح بالأمل العريض في دولة مسلمة واحدة يقودها إمام واحد بشرع الله تعالى، ولكننا وعدنا بأن ذلك كائن لا محالة، ولكن ذلك مشروط بنا نحن، لأن هذه نعمة لا ينعم الله بها إلا على من عمل لها واستحقها، وضحى في سبيلها، يقول تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم: 47] .
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لاْشْهَـ?دُ [غافر:51] .
فلو كان هذا الوعد من إحدى القوى العظمى في هذه الأرض لامتلأنا أملًا بذلك، وما هي القوة العظمى في الأرض أمام قوة الله وجبروته، وقدرته وصدق وعده؟!!
يقول: (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ) ).
ويقول: (( تكون فيكم النبوةُ ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ راشدة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج نبوة ) )ثم سكت.
إذًا هذا وعد الله تعالى ووعد رسوله ، ومن أصدق من الله حديثًا؟
فلنمتلئ أملًا في النصر والعزة والكرامة في ظل إمام واحد، يحكم بخير نعمة أنعمها الله على أمة محمد ، ألا وهي شرع الله تعالى.
لم ترد.