الإيمان
الولاء والبراء
حسين الأعمش
متليلي
غير محدد
1-الأخوة من شعائر الإسلام 2- مفهوم الأخوة الإسلامية 3- اختيار الأخ الصالح
4-التحذير من تضييع الإخوان 5- الإحساس بالفقراء والمساكين من لوازم الأخوة
6-مثال للأخوة عند السلف
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
إن الأمة الإسلامية لا يلتئم شملها، ولا يستقيم حالها إلا إذا نظر كل واحد إلى نفسه أنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن سعادة الجميع، ولن يتأتى ذلك حقًا إلا إذا نبذ الأنانية وانتزعها من قلبه وشعر بحواسه أنه المعني بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا ) )إن الأخوة جعلها الله شعار المسلمين، إنما المؤمنون إخوة بهذا الأسلوب القوي وهو أسلوب الحصر، وكأن المستفاد من الآية أنه لا يمكن أن يكون المسلم سوى أخٍ للمسلم، هذا الشعار وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ) ).
أيها المسلمون:
ليست الأخوة شعارًا يرفع، بل هي سلوك ينتظم الحياة، ألخصه في أن المسلم يسعى جادًا إلى إفادة غيره، تصوروا - ونحن في موسم الهجرة - ذلك الاستقبال الرائع المثالي الذي أولاه الأنصار - رضي الله عنهم - للمهاجرين، حين خلع كل أنصاري رداء الأنانية عن نفسه، وألقاه جانبا، وضرب مثلا في السمو والرفعة لم يعرف له التاريخ مثلا في القديم ولا في الحديث ولن يعرفه حتى يرث الله الأرض ومن عليها تنازل الأنصاري عن جزء من ماله وما يملك لأخيه المهاجر، بل رضي أن يطلق زوجته - إن كانت له أخرى - ليتزوجها المهاجر بدينه بعد انقضاء عدتها، إنها أخوة الروح قبل أن تكون أخوة الجسد عدّها الله نعمة من جلائل النعم.
أيها المسلم:
إنه لابد لك في هذه الحياة من أخ تبثه شكواك، ويعينك على بلواك، فأختره أخًا لك من أهل الدين والعلم والصدق والمروءة من مثل الذين عناهم الشاعر الحكيم بقوله:
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك تشتت فيه شمله ليجمعك
فإذا ظفرت بمثل هذا الأخ فحافظ عليه حفاظك على الثمين العزيز، واحذر أن يفلت منك فقديما قيل: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان الأوفياء الأخلاء، وأعجز منه من ضيع من ظفر بهم، والرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال، لله در الناصح.
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ولكن إخوان الصلاح الذخائر
وإذا تطلعت نفسك - أيها المسلم - إلى مثل أعلى للصديق فتصور قول أحد علماء الإسلام لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كمّ صاحبه فيأخذ حاجته؟ قالوا: لا. قال: فلستم إذن بإخوان.
أيها المسلمون:
ليس من الأخوة في شيء أن يبيت أقوام يتنعمون بأطايب الطعام والشراب ووثير الفراش، يتقلب في أنواع النعم، ولا يتألم لإخوان له في الدين والوطن أقعدتهم الحاجة أو لزمهم المرض، أفلا يذكر هؤلاء المترفون قول النبي للذين آمنوا به: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، فلا يحسن بنا أيها الإخوة المسلمون أن نقوم بواجب الجسد فقط، فذلك حظ الأنعام وحظ الذين كفروا بالله: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم.
اللهم إنا نسألك سحائب نعمك فامنن بها علينا حتى نوحدك حق التوحيد ونتوحد بك حق الوحدة، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرا مباركا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
إن الأخوة التي نحرص على توثيقها ينبغي أن تفجر في النفوس معاني الرحمة وينابيع الحب والتوادد، وإلا فهي مجرد كلام يقال وتذروه الرياح لا يؤثر في واقع ولا ينهض بأمة، ومن أجل هذه الأخوة العملية كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقف في السوق فمن رآه يشتري اللحم يومين متواليين ضربه بدرته وقال في غضب: هلًا طويت بطنك لجارك وابن عمك.
اللهم إنا نسألك رحمة عامة وأخوة صادقة تدفعها القلوب قبل الأجسام، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت وقنا شر ما قضيت، وصلي اللهم وسلم على أفضل خلقك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.