فهرس الكتاب

الصفحة 5436 من 5777

السعادة الحقيقية

الإيمان

فضائل الإيمان

مصطفى بن سعيد إيتيم

بوزريعة

عثمان بن عفان

1-الغبن الحقيقي. 2- مطلب الراحة النفسية. 3- آراء الناس في السعادة. 4- الطريق الصحيح لتحقيق السعادة. 5- الوصفة الربانية للسعادة النفسية.

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، اتقوا الله رحمكم الله، فالجنّة غير مضمونة، والنارُ غيرُ مأمونة، ومَن عَزَمَ على السفر والرحيل تَزَوّد بالمؤونة، ومن صَحّت نيّتُه وأخذ بالأسباب جاءته من ربه المعونة، من خطب الجنّةَ بذلَ الصداق، ومن خاف النار جرت منه دموع الأحداق، الناس يبحثون عن الخلاص، وخلاصُهم في التقوى والإخلاص، قال الحقّ سبحانه: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.

أيها المسلمون، إنّ المغبونين في هذه الدنيا كثيرون، فمن أقرض مالَه لسارق غير أمين فهو مغبون، ومن زوّج بنته لخائن غيرِ مستقيم فهو مغبون، ومن طلب العلمَ عند جاهل فهو مغبون، ولكن أتدرون من أغبنُ الناس أيها الإخوة الكرام؟! إنّ أشدَّ الناس غُبنًا وأفدَحهم خسارةً من بحث عن السعادةِ في غير مواطنها، أعظم الناس غبنًا ـ أيها المسلمون ـ من أخطأ طريقَ الطمأنينة والسعادة وراحة البال.

إنّ سعادة النفس وراحة البال وطمأنينة القلب مطلَبٌ عظيم يبحث عنه جميع الناس في هذه الدنيا، السعادةُ حلمٌ يعمل على تحقيقه جميع البشر، ولكن لا يوفَّق إليه إلاّ القليلُ من عباد الله.

أيها الإخوة الأحبة في الله، لقد تنوّعت وسائل الناس في تحقيق هذه الأمنية العظيمة وهي السعادة وراحة البال، فصنف من الناس يظنّ أنّ السعادة في الغنى وكثرة المال وسعة الرزق، ومن الناس من يرى أن السعادة في كثرة الأولاد واتّساع العشيرة، وصنف ثالث يرى السعادة في صحة الأبدان وقوّة الأجسام وسلامة الأعضاء، وآخرون يرون السعادة في المناصب والولايات والمسؤوليات، وأبشع منهم وأشنع من يرى السعادة وراحة النفس في ذهاب عقله بالمسكرات المخدرات، نسأل الله السلامة والعافية، وكلّ هؤلاء مغبونون لأنهم وثقوا فيمن لا أمان له، وتعلّقوا بمن يخونهم في أحلك الظروف ويتركهم في أشدّ الشدائد.

عباد الله، يا من تبحثون عن الراحة النفسية، اعلموا أنّ السعادة والطمأنينة وراحةَ البال في الدنيا إنما تكون بطاعة الله تعالى واجتناب معاصيه، السعادة في الدنيا تكون لمن اتّبع ما أنزله الله تعالى لعباده من البينات والهدى ودين الحق، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، الراحة النفسية إنما تكون لمن تخلّق بأخلاق القرآن الكريم وتأدّب بآدابه، طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ، انشراح الصدر في الدنيا يكون لمن يبدأ يومه بذكر الله ويختم يومه بذكر الله ويراقب الله تعالى في كلّ تصرفاته، ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ?للَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ?للَّهِ تَطْمَئِنُّ ?لْقُلُوبُ ?لَّذِينَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ طُوبَى? لَهُمْ وَحُسْنُ مَئَابٍ ، راحة البال في الدنيا تكون بأداء الحقوق إلى أهلها، وأعظمُ حقوق الناس عليك ـ أيها المسلم ـ حق الوالدين وحق الأقارب وحقّ الجيران وحق الشركاء.

كيف يعيش سعيدًا ـ يا عباد الله ـ من لم يركع لخالقه ركعة ولم يسجد له سجدة؟! كيف ترتاح نفسه من اعتدى على أموال الناس أو أعراضهم أو دمائهم؟! كيف يطمئن قلبه من مطعمُه حرام ومشربُه حرام وملبسُه حرام وغذّي بالحرام؟! كيف يرتاح من قسا قلبه عن ذكر خالقه وبارئه ورازقه؟! كيف يسعد في الدنيا من عقّ والديه وقطع أقاربه وهجر أرحامه؟! كيف تقرُّ عينه من انسلخ من إنسانيته وارتمى في أوحال المسكرات والمخدّرات؟!

أيها الإخوة الأحبّة في الله، السعادة الحقيقيّة هي التي تكون معك حيثما كنت، وتدفن معك في قبرك، وتكون رفيقَك وأنيسك يوم القيامة، وليس ذلك إلا الإيمان والعمل الصالح، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أَنَسَ بن مَالِكٍ قال: قال رسول اللَّهِ: (( يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى معه وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ ) ).

أهلُك ـ أيها الإنسان ـ وأولادك هم أوّل من يهيل التراب عليك، جاهك ومنصبك وسلطانك لن يدفع ضمّة القبر حواليك، مالُك ـ يا عبد الله ـ لن يوقِد لك شمعةً واحدة في ظلمة القبر إلا ما أنفقتَ في سبيل الرحيم الرحمن، صحتك ـ أيها الشاب ـ وجمالكِ ـ أيتها الفتاة ـ إن لم تذهبه الأيام والزمان فستفسده الهوام والديدان.

فالسعادة إذًا ـ أيها الإخوة الأحبة في الله ـ ليست في وفرة المال ولا كثرة العيال ولا براعة الجمال، السعادة لذّة الرضا بالله يجدها المؤمن في قلبه، لا يستطيع بشر أن يعطيها، كما أنه لا يستطيع أحد أن ينتزعها ممن أوتيها. السعادة الحقيقية وراحة البال يجدها المؤمن رغم فقره وجوعه وقلّة ذات يده، السعادة الحقيقية وراحة البال يجدها المؤمن رغم مرضه وألمه وضعف بدنه، السعادة الحقيقية وراحة البال يجدها المؤمن رغم وحدته وغربته وخذلان أهله وعشيرته.

السعادة ـ أيها المسلمون ـ هي الرضا بالله والثقة به والتوكّل عليه، هي القناعة بعطاء الله واستمداد العون من الله، قال الحبيب المصطفى: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ) ). كتب عمر الفاروق إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما يقول له: (أما بعد، فإن الخير كلَّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر) .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.

أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، فحياة الإنسان في هذه الدنيا مراحل، والناس فيها ما بين مستعدٍّ للرحيل وراحل، الإنسان يسير إلى أجله، ودقّات قلبه تباعده عن أمله، فهنيئا لمن أحسن واستقام، والويل لمن أساء وارتكب الآثام، ويتوب الله على مَن تاب، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ.

عباد الله، روى مسلم في صحيحه عن رسول الهدى أنه قال: (( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ؛ إن أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا له، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا له ) ). هكذا ينبغي أن يكون حال كلِّ واحد منا يا عباد الله، نحمد الله تعالى ونشكره في السراء، ونصبر على قضائه ونرضى بقدره في الضراء، ونستغفره ونتوب إليه من الذنوب والمعاصي، فبهذه الوصفة الربانية النبوية تجدون السعادة والراحة النفسية التي عبّر عنها من وجدها بقوله:"إننا نحس بسعادة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"، وقال آخر ممن ذاق طعم السعادة في الدنيا:"إنه لتمر عليّ ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذًا في عيش طيب".

ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت