موضوعات عامة
مخلوقات الله
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-تكريم الإسلام للعقل. 2- لا إكراه للعقل في قبول الدين. 3- دور العقل في استنباط الأحكام
الشرعية. 4- حفظ الإسلام العقل حين حرم الخمر. 5- العقل مناط التكليف. 6- حكمة الله في
ولادة المولود بلا عقل ولا فهم. 7- أمور محظورة على العقل لضعفه عن إدراكها. 8- الدين
يدعو العقل إلى العمل. 9- عقول ربانية وأخرى حيوانية.
أما بعد:
إن من جملة كبريات النعم ، التي أنعم الله بها على الإنسان بشكل عام والمسلم بشكل خاص نعمة العقل والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
وليس ثمة دين يقوم على احترام العقل الإنساني والاعتزاز به والمحافظة عليه كدين الإسلام. بل إنك لتعجب من كثرة ما يرد في كتاب الله من الآيات التي تتحدث عن العقل ودوره وأهميته لعلكم تعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون ومثل هذا بالعشرات.
أيها المسلمون: لقد أبرز الإسلام مظاهر تكريمه للعقل والاهتمام به في مواضع عدة: أذكر لكم ستة منها:
أولًا: قيام الدعوة إلى الإيمان على الإقناع العقلي. فلم يطلب الإسلام من الإنسان أن يطفئ مصباح عقله ويعتقد. بل دعاه إلى أعمال ذهنه ، وتشغيل طاقته العقلية في سبيل وصولها إلى أمور مقنعة في شؤون حياتها. فوجهها إلى التفكر والتدبر في كتابه: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب وفي مخلوقاته: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار. وفي تشريعاته: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون. ومن أحوال الأمم الماضية وما أدت بهم مخالفاتهم إليه قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين. وفي الدنيا ونعيمها الزائل واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا.
وكل هذا التأمل وإعمال العقل ليس هو المقصود لذاته ، وإنما ليؤدي الثمرة النافعة من إصلاح القلب ثم إصلاح الحياة في الأرض على منهج الدين الصحيح.
ثانيًا: لم يجبر الإسلام العقل على الإيمان، وإنما ترك له الخيار بين الإيمان والكفر وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. لكن بعد ذلك يتحمل المرء تبعات اختياره.
ثالثًا: ذم الإسلام لذلك العقل الذي فقط يقلد دون أن يعمل ذهنه، وحذر من التقليد الأعمى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.
رابعًا: أمر الإسلام العقل أن يتعلم وحثه على ذلك ، لأن نمو العقل بالعلم ، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.
خامسًا: أسند إلى العقل استنباط الأحكام التي لا يوجد فيها نص من كتاب أو سنة. لكن الضوابط المعروفة وما حديث معاذ عنا ببعيد حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا ، قال: (( كيف تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله؟ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله ) )فجعل من اجتهاد العقل أساسًا للحكم ومادة للقضاء عند فقدان النص.
لكن هذا الاجتهاد ليس بالهوى ، لكن يكون في إطار الوحي والشريعة.
سادسًا: من مظاهر تكريم الإسلام للعقل والمحافظة عليه ، أنه نهى عن كل ما يؤثر في سيره أو يغطيه فضلًا عما يزيله ، لذلك حرم شرب الخمر ، بل وحرم كل مسكر ، بل وامتد التحريم إلى الكمية التي لا تسكر منها فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) )كل هذا حفاظًا على العقل وعلى بقائه.
أيها المسلمون: اعلموا رحمني الله وإياكم بأن العقل هو مناط التكليف ، ولا تكليف لمن لا عقل له لحديث: (( رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ) )ثم اعلموا بأن فاقد العقل يمتحن يوم القيامة بأن يدخل النار ، فإن أطاع ودخلها فهو من أهل الجنة ، وكانت النار عليه بردًا وسلاما قال صلى الله عليه وسلم: (( أربعة يحتجون يوم القيامة ، رجل أصم لا يسمع شيئًا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة.فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا ، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، وأما الذي مات في الفترة ، فيقول: رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه ، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار ، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلاما ، ومن لم يدخلها سحب إليها ) ).
وكذلك اعلموا بأن من بديع حكمة الله جل وتعالى ، أن المولود يولد ولا عقل له ولا فهم، وإلا لتنغّص عليه حياته. اسمع لما يقوله العلامة ابن القيم رحمه الله: يقول:"لو ولدت عاقلًا كحالك في كبرك تنغّصت عليك حياتك أعظم تنغيص ، لأنك ترى نفسك محمولًا رضيعًا عاجزًا مسجونًا في المهد، ولكنها محض الحكمة والرحمة بك والتدبير".
أيها المسلمون: ومع تقدير الإسلام للعقل إلا أن الشرع قد حدد للعقل مجالاته التي يخوض فيها حتى لا يضل. وفي هذا تكريم له أيضًا لأن العقل مهما بلغ فهو محدود الطاقات والملكات ، لا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة. وسيظل بعيدًا عن متناول كثير من الأشياء. وإذا حاول الخوض فيها التبست عليه الأمور ، وتخبط في الظلمات ، وركب متن العديد من الأخطار.
لذا منع الإسلام العقل من الخوض في أمور ثلاثة:
التفكير في ذات الله ، والتفكير في القدر ، والتشريع من دون الله.فهذه الأمور الثلاثة ضلال العقل فيها متحتم لو دخلها ولهذا جاء النهي عن الخوض فيها:
(( تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ) ). (( وإذا ذكر القدر فأمسكوا ) ). ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وما ضلال وفساد ما يسمى بالمدرسة العقلية إلا بتغليب جانب العقل والتضخيم من حجمه ، وتقديم العقل على النقل ، فحصل منهم التخبطات التي ليس هذا مجال التفصيل فيها. لذا فأمر الإسلام العقل بالاستسلام والامتثال للنقل والشرع والوحي ، حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب.
ولذا يخطئ كثير من الناس ، بل وينحرف إذا صار لا يسير مع الشرع إلا بما اقتنع به عقله.وما غواية إبليس إلا من هذا الباب ، وهو أنه لمّا أمره الله بالسجود لآدم. لم يتمثل واستبد برأيه ونظر للمسألة من باب أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فلم يمتثل للأمر طلبًا للسبب الذي لأجله يسجد الفاضل للمفضول حسب عقله، فكانت اللعنة عليه إلى يوم الدين. فبعض الناس قد يؤتيه الله عقلًا ، ويكون عقليته نادرة. فيصاب بالغرور من هذا الباب، فيخرج من الدين والعياذ بالله وهو لا يشعر، لأنه لا يُسلم عقله للشرع والدين والعلم. ومن أجمل ما قيل في ذلك هو هذه المحاورة بين العقل والعلم - الذي هو الشرع والوحي -
من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا
بأينا الله في فرقانه إتصفا؟
فقبل العقل رأس العلم وانصرفا
علم العليم وعقل العاقل اختصما
فالعلم قال أنا أدركت غايته
فأفصح العلم إفصاحًا وقال له
فبان للعقل أن العلم سيده
أيها المسلمون: هناك خمسة مجالات رئيسية يدعى العقل للعمل فيها في ظل الدين الإسلامي:
الأول: تدبر آيات الله في الكون للتعرف على قدرة الله المعجزة ، وتفرده بالخلق والتدبر والسلطان ، بما يؤدي ذلك كله إلى إخلاص العبادة له وحده سبحانه وطاعته فيما أمر به وما نهى عنه. قال الله تعالى: خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين.
الثاني: من مجالات إعمال العقل ، أن يوجه بعد ذلك إلى تدبر آيات الله في الكون للتعرف على سنن الله الكونية للتعرف على أسراره وذلك محاولة من المسلم تسخير ما في السموات والأرض من أجل عمارة الأرض وإقامة حضارة على منهاج النبوة. وهذا لا يتحقق بمجرد التمني، ولكن يحتاج إلى جهد عقلي جبار.
الثالث: إعمال العقل في تدبر حكمة التشريع الرباني. وهذا التأمل لا للمعرفة فقط ، بل لإحسان تطبيقه ، والاجتهاد في ذلك.وإلا فما فائدة معرفتنا أن تشريع الله أكمل تشريع وأحسنه وأفضله ثم لا نمارسه واقعًا. وما تخبطات كثير من المجتمعات الإسلامية إلا من بعدهم عن تطبيق شرع الله.
الرابع: تدبر السنن الربانية التي يجري الأمور بمقتضاها في حياة البشر من أجل إقامة المجتمع الصالح الذي يريده الله. فحياة البشر ليست فوضى بلا ضابط. بل إن الله ضبطها بنظام دقيق لو حاد الناس عنه ، أصابهم الهلاك والدمار والزوال. فلا خير في عقل نهايته يكون بيده ، بسبب إعراضه عن سنن الله.
الخامس: مما يوجه الإسلام عقل المسلم للعمل فيه هو تدبر التاريخ.
فالتاريخ لا يدرس في الإسلام لتسجيل انتصارات الجيوش وانكساراتها ، ونشأة الدول وزوالها إنما يتأمل العقل في التاريخ ، لتتبع حياة الإنسان على وجه الأرض في حالتيه: حالة الهدى وحالة الضلال ، وما يجري خلال كل من الحالتين من أحداث ، ونتائج تترتب على الأحداث، فنسأل الله جل وتعالى الهدى والاستقامة كما نسأله عقولًا تهدي إلى الجنة ، وأن يعيذنا من عقول الشر والفساد والضلال.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.
أما بعد:
فإنه ما من جدال بين عاقلين بأن أوضاع المجتمعات تتغير وتتبدل، ومن ذلك عقليات الناس ، ونمط تفكيرهم ، ومستوى عقولهم ، وما يقبلون وما لا يقبلون ، وما ينطلي عليهم وما لا ينطلي. فمثلًا ما كان يقال لبعض المجتمعات قبل سنوات ، وكان مقبولًا ، أصبحت أبسط العقول تمجه الآن ، وما كان يمرر حتى على عقول العجائز ، أصبح من الصعب الآن امراره إذا كان بنفس الطرح السابق.ولهذا فهناك مؤسسات عالمية ضخمة ينفق عليها بالملايين في دول كبرى ، عملها هو تقديم دراسات ، عن نمط تفكير الناس ، وعقليات الشعوب وذلك من أجل أن يقدم لها ما يناسبها. حتى مصانع السلع التجارية والاستهلاكية تصرف الملايين من أجل دراسات حول عقليات المجتمعات وأذواقهم وما يقبلون وما لا يقبلون.
ثم خذ مثال الطرح الإعلامي ، وقارن بين ما كان يقال قبل سنوات في قنوات العالم ، وما يقال الآن ، تجد فرقًا هائلًا في الانفتاح والمصارحة والتوثيق ، كل هذا يدل على نمطية عقول الناس اليوم، وأنها لا تقبل إلا الموثق الصريح ، وأصبحت تعرف وتميز لهجة التمويه والتحايل والتكتم.
أيها المسلمون: لعلي أختم بذكر بعض أنواع العقول ، أولئك الذين وهبهم الله عقولًا فذة ، وعبقرية متقدة ، ففي ماذا صرف كل واحد عقله.
الأول: هناك عقول ربانية. وهؤلاء هم الذين جعلوا همهم الآخرة ، إذا قاموا فمن أجل الدين، وإذا ما قعدوا فمن أجله كذلك ، وهذه العقول هي عقول العلماء والدعاة وطلاب العلم ، ومصلحي الأمة ، والكتاب والمفكرين ، أولئك الذين استخدموا عقولهم وسخروها فيما يرضي الله جل وتعالى ، وجعلوا كل تفكيرهم فيما ينفع الأمة ، ويصلح من أحوالها ، ويغيّر حالها.
هذه الفئة لاشك أنهم أفضل الناس للناس، إنهم لا يعيشون لأنفسهم ، إنما يعيشون لغيرهم، وكم هي المنّة من الله والخير لهذا الإنسان الذي قد وهب عقله وسخرها لتعليم آية ، أو بيان حكم أو إزالة منكر ، أمر إصلاح وضع. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
النوع الثاني من العقول عقول حيوانية، وهؤلاء قد مُنحوا عقولًا وتفكيرًا وذكاءً ، لكن اهتماماتهم هي نفس اهتمامات الحيوان الأكل والشرب والتكاثر والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم.
هذه العقول تعيش لنفسها ، ولا تفكر إلا في ذاتها ، تفاعلاتها سلبية مع أوضاع وأحداث الأمة ، ونسبة هؤلاء مع كل أسف غير قليل في الأمة ، فاحذر أخي المسلم أن تصنف مع هؤلاء.
النوع الثالث: عقول مجرمة. وهم الذين قد سخروا عقولهم وذكائهم ونباهتهم في محاربة الدين، والصد عن سبيل الله ، ووقفوا ضد تيار الإصلاح ، وهؤلاء على درجات وأصناف منهم العلماني الحاقد ، ومنهم المسلم الخبيث ، ومنهم المنافق اللئيم ، يتظاهر بالصلاح والإصلاح وهو من أشد أعداء الإصلاح وبين كل درجة ودرجة من هؤلاء أقسام وأقسام ، كل بحسبه ، الجامع بينهم هو ، تحريك هذه العقول وتوظيفها في مقاومة ومحاربة الدعوة من الانتشار ، ومنع الصحوة من التمدد ، ولكن ومع كل أسف مع ما أعطوا من عقول ، فإن عقولهم لم تكشف لهم بعد بأن دين الله لا يغالب وأن مكرهم وكيدهم سينقلب عليهم ، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدا ، فمهل الكافرين أمهلهم رويدا"."