الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
1-فرح الله بتوبة عبده. 2- عفو الله أعظم من ذنوبنا. 3- صعوبة ساعة الاحتضار التي تنتظر كلًا منا. 4- حال المؤمن وحال الكافر بعد الموت. 5- شيء من أهوال القيامة.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله..
معاشر المسلمين, لقد سمعتم في الخطبتين الماضيتين عن آثار الذنوب والمعاصي، أو بعض آثارها، وسمعتم أنها هي سبب كل شؤم، ونذير كل بلاء، وأنها جرأة على الله، وسبب لمقت الله، وسمعتم أنه ما وقع بلاء على الأمة إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
أخا الإسلام, هذه نصيحة أقدمها لك، وهدية ملؤها المحبة والتقدير, أهديها إليك، فإن عدمتُ منك عذرًا فلا أعدم منك قبولًا، وأرجو أن تسمعها مني سماع التائب الناظر لنفسه، بعين الذنب والتقصير، وأرجو أن تجعلها حديث نفس إلى النفس، أو حديث الروح إلى الروح.
حديث الروح للأرواح يسري وتدركه النفوس بلا عناء
واعلم أني أول ما أنصح بهذا الكلام نفسي المقصرة، ثم هي لك، فعليّ غرمها, ولك غُنمها.
أخا الإسلام, أما آن لك أن تتوب, أما آن لك أن ترجع إلى خالقك ومولاك.
قل: بلى قد آن.
ولم لا تتوب والله يدعوك للتوبة إليه مهما كانت ذنوبك ومعاصيك.
قال تعالى: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .
يقول حبيبنا محمد: (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ) )رواه مسلم [1] .
ألا تعلم يا أخي أن الله تعالى يفرح بتوبتك إذا تبت إليه مع أنه الغني عنك والذي لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي.
نعم يفرح بتوبة عبده, قال الحبيب محمد: (( للهُ أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم, كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه, وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته. فينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ) ) [2] .
ولكن قد تقول: كيف أتوب من الذنوب والمعاصي, وأنا لم أترك شيئًا مما يعصى الله به إلا فعلته، ولا تركت ذنبًا إلا وقعت فيه، فالتوبة مني بعيدة؟.
قلت لك: لا يا أخي، لا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله، واعلم أن باب التوبة ما زال مفتوحًا في طريقك، فأقبل على مولاك, وأسرع إلى رحمته ومغفرته قبل أن توافيك المنون.
جاء رجل إلى النبي فقال له: أرأيت مَنْ عمل الذنوبَ كلّها، ولم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجّةً إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال: (( فهل أسلمت؟ ) )، قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: (( تفعل الخيرات وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلّهنّ ) )، قال: وغدراتي وفجراتي؟، قال: (( نعم ) )، قال الرجل: الله أكبر! فما زال يكبر حتى توارى. رواه البزار بإسناد جيد، والطبراني واللفظ له [3] .
أسمعت يا أخي, فماذا تنتظر؟ لماذا تسوف التوبة؟ هل تنتظر أن تهجم عليك الرحلة التي لا محيص عنها، والسفر الذي لا بد منه؟
إنها رحلة أي رحلة! وسفر ويا له من سفر! إنه كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
نعم ـ يا أخي ـ إنها رحلتك إلى الدار الآخرة، إنه السفر الذي نسأل الله تعالى أن تكون نهايته الجنة وليس سقر.
ولعظم هذه الرحلة وهذا السفر قال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) ) [4] .
إي والله الذي لا إله إلا هو, لو علمنا حقيقة الموت وشدته، والقبر وظلمته، ويوم القيامة وكربته، والصراط وزلته، ثم لو تأملنا الجنة ونعيمها، والنار وجحيمها, لتغيرت أحوالنا، ولكننا نسينا أو تناسينا هذه الرحلة، وأقبلنا على معاصينا وذنوبنا.
قال بعض السلف: يقال لبعضنا: تريد أن تموت؟ فيقول: لا. فيقال له: ولم؟ فيقول: حتى أتوب وأعمل صالحًا. فيقال له: اعمل. فيقول: سوف أعمل. ولا يزال يسوف حتى يأتيه الموت على غير توبة ولا عمل صالح.
ثم أنا واثق أنك لا تحب أن تكون هذه نهايتك.
إذًا:
قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها ذخرٌ وغنمٌ للمنيب المحسن
وتذكر ـ أخي ـ حالك وأنت تعاني من سكرات الموت التي عانى منها أحب خلق الله إلى الله محمدًا ، فكان يقول ـ بأبي هو وأمي, عند موته ـ: (( لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات ) ) [5] .
تصور نفسك يا مسكين، وقد حل الموت بساحتك، وملك الموت واقف عند رأسك، حشرج صدرك، تغرغرت روحك، ثقل منك اللسان، وانهدّت الأركان، وشخصت العينان، أغلق باب التوبة دونك، عرق منك الجبين، وكثر حولك البكاء ومنك الأنين، وأنت في كرب شديد، لا منجى منه ولا محيد.
تعاين هذا الأمر العظيم بعد اللذة والنعيم، قد حل بك القضاء، ثم عُرج بروحك إلى السماء، فيا لها من سعادة أو شقاء! فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ?لْحُلْقُومَ أي الروح وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ عاجزون عن فعل أي شيء وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـ?كِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [الواقعة:83-87] .
فيا مغرورًا بدنياه، ويا معرضًا عن الله، ويا غافلًا عن طاعة مولاه, يا من كلما نصحه الناصحون صدَّه عن قبول النصيحة هواه, يا من ألهته الشهوات وغرّه طول الأمل.
هل تفكرت في هذه اللحظات إذا بقيت على ما أنت عليه؟
هل تدري ماذا يحصل لك عند الموت؟
متأكد أنك الآن تقول في نفسك: سأقول: لا إله إلا الله.
لا يا أخي, إذا بقيت على ضياعك وفي غفلتك وإعراضك حتى لحظة الموت فلن تستطيع أن تقولها، بل ستتمنى الرجعة حَتَّى? إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] .
أخي, هل تدري متى ستموت؟ وأين ستموت؟
لا واللهو إنك لا تدري.
إذًا, لماذا تؤجل التوبة وتسوف الأوبة؟
أتنتظر الموت؟ فليس عند الموت توبة إِنَّمَا ?لتَّوْبَةُ عَلَى ?للَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسُّوء بِجَهَـ?لَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ ?للَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ?للَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ ?لتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسَّيّئَـ?تِ حَتَّى? إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ?لاْنَ [النساء:17، 18] .
نعم يا أخي وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ [ق:19] .
ثم تَصَوَّر ما بعد ذلك وأنت تدخل تلك المقبرة محمولًا على الأعناق بعد أن كنت حاملًا أو زائرًا.
فيا ليت شعري ما حديث جنازتك؟
هل ستقول: قدموني قدموني؟ أم ستقول: يا ويلها أين تذهبون بها؟
ثم أنزلك في قبرك أحبّ أحبابك، وأقرب أقربائك، ووضعوك في صدع من الأرض، ثم صَفوا اللبِنَ على لحدك، وانحجب الضوء عنك، ثم بدؤوا يحْثون التراب على قبرك.
وقال أحدهم: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل.
ثم ذهبوا وتركوك, نعم تركوك وحيدًا في ذلك الظلام الدامس، من فوقك تراب، ومن تحتك تراب، وعن يمينك تراب، وعن شمالك تراب, ثم تعاد روحك إلى جسدك.
فيا ساكن القبر غدًا, ما الذي غرك من الدنيا، هل تعلم أنك تبقى لها أو تبقى لك.؟
أين دارك الفيحاء؟ أين رقاق ثيابك؟ أين طيبك وبخورك؟ أين خدمك وحشمك؟ أين وجهك الحسن؟ أين جلدك الرقيق؟ أي جسدك الناعم؟
كيف بك بعد ثلاث ليالٍ من دفنك وقد عاثت فيك الهوام والديدان!
حرّقت الأكفان، ومحت الألوان, وأكلت اللحم، ونخرت العظم، وأبانت الأعضاء، ومزّقت الأشلاء، وسالت الأحداق على الوجنات.
وقف الحسن البصري على قبر ونظر إليه مليًّا ثم التفت إلى أحد الناس، وقال له: ماذا تراه يصنع لو خرج من قبره؟ فقال: يتوب ويذكر الله، فقال له الحسن: إن لم يكن هو فكن أنت.
أُخَيَّ توخ طريق النجاة وقدّم لنفسك قبل الممات
وشمِّر بجد لما هو آت ولا تغتررْ بسراب الحياة
فإنك عما قريب تموت
وانظر في نفسك, ماذا قدمت ليكون قبرك روضة من رياض الجنة؟
أيها الأخ المسرف على نفسه, كيف تحب أن يكون حالك يَوْمَ يُنَادِ ?لْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ?لصَّيْحَةَ بِ?لْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ ?لْخُرُوجِ [ق:41-42] ؟
وكيف تحب أن يكون حالك يَوْمَ يَقُومُ ?لنَّاسُ لِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [المطففين:6] ؟
وكيف سيكون حالك إِذَا ?لسَّمَاء ?نفَطَرَتْ وَإِذَا ?لْكَوَاكِبُ ?نتَثَرَتْ وَإِذَا ?لْبِحَارُ فُجّرَتْ وَإِذَا ?لْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4] . فخرجت أنا وأنت للعرض على الله عز وجل؟
وهل تَذَكَّرنا أيها المسكين, أيها العبد الضعيف, وقوفنا بين يدي الجبار في ذلك الموقف المخيف الذي فيه تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] ؟
وبماذا ستجيب عندما يسألنا ربنا عن كل صغيرة وكبيرة؟ مَا لِهَـ?ذَا ?لْكِتَـ?بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] .
كيف أنت إذا شهدت عليك العينان واليدان والقدمان والأذنان والفرج واللسان فيما عملت في هذه الدنيا الفانية ؟ ?لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْو?هِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس:65] .
وبينما الخلائق في ذلك قد قاسوا من دواهي القيامة وأهوالها ما قاسوا وهم وقوف ينتظرون حقيقة أخبارهم، وتشفيع شفائعهم إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات ثلاث شعب، وأحلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرًا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب.
إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12] .
وخرج المنادي من الزبانية قائلًا: أين فلان بن فلان المسوف على نفسه بطول الأمل، المضيّع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وينكسونه على وجهه في قعر الجحيم، ويقولون: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ?لْعَزِيزُ ?لْكَرِيمُ [الدخان:49] .
فأسكنوا دارًا ضيقة الأرجاء, مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يدعون فيها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم من أسر جهنم فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها:
يا مالك قد حق علينا الوعيد, يا مالك قد اثقلنا الحديد, يا مالك قد نضجت منا الجلود, يا مالك العدم خير من هذا الوجود, يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود وَنَادَوْاْ ي?مَـ?لِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـ?كِثُونَ [الزخرف:77] .
فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرّطوا في جنب الله يتأسفون، فتصورهم يا أخي والنار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم.
لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ?لنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16] .
منهم غرقى في النار، طعامهم النار، وشرابهم نار، ولباسهم نار فَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ ?لْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَ?لْجُلُودُ [الحج:19، 20] .
يتمنون الموت ولا يموتون، وَيَأْتِيهِ ?لْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17] .
اللهم أجرنا من نارك وجنبنا غضبك وسخطك.
اللهم ارض عنا, اللهم ارض عنا, اللهم ارض عنا.
اللهم لا تعذبنا بنارك فإن أجسامنا على النار لا تقوى، واغفر لنا فإنا بحاجة إلى رحمتك وعفوك.
اللهم أنزل علينا شآبيب الرحمة...
[1] صحيح مسلم كتاب: التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب (2759) .
[2] صحيح، أخرجه مسلم في: التوبة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها (2747) .
[3] حسن، البزار (4- 79/3244، كشف الأستار) ، والطبراني في: الكبير (7-314/7235) قال المنذري في: الترغيب (4/55) : إسناده جيد قوي. وقال الهيثمي في: المجمع (10/202) : رجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط وهو ثقه. وقال الحافظ في: الإصابة (3/349) : هو على شرط الصحيح.
[4] صحيح، جزء من حديث أخرجه البخاري في: الجمعة، باب: الصدقة في الكسوف (1044) واللفظ له. ومسلم في: الكسوف، باب: صلاة الكسوف (901) .
[5] صحيح، جزء من حديث أخرجه البخاري في: المغازي، باب مرض النبي ووفاته (4449) .
الحمد لله وكفى...
أخي الحبيب, من منا لا يذنب؟ ومن منا لا يخطئ في حق ربه؟ وهل تظن أن أخطاءنا أمرٌ تفردنا به لم نُسْبَقْ إليه؟
كلاّ, فما كنا في يوم من الأيام ملائكةً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, ولكن نحن بشر، معرضون للأخطاء، وكل ما ترى من عباد الله الصالحين لهم ذنوب وخطايا.
فما منّا إلا وله ذنوب ومعاصي, قال حبيبنا محمد: (( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم ) ) [1] .
إن هذه الخطايا ما سلمنا منها ولن نسلم، فتعال معي نخزي الشيطان باستغفار من القلب على ذنوب مضت. تعال نجدد التوبة إلى الله عز وجل، ولتكن توبةً صادقةً من القلب, وليكن دأبنا قول الباري عز وجل: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [الأعراف:23] , وليكن لهجنا وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:125] .
أما أنتم يا من أسرفتم على أنفسكم بالمعاصي والذنوب حتى ظن بعضكم أن الله لا يقبل توبته إذا تاب, فإنّي أقول لكم مهلًا, فالباب ما زال مفتوحًا للتائبين.
وإني أقول لكم جميعًا من قلب محب للخير لكم ولأمثالكم: استمعوا إلى الله وهو يناديكم قائلًا: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .
فيا لها من بشرى ما أعظمها! وما أسعدها!
بشرى تساق إليك في الدنيا وتفوز بها في الآخرة ففي الدنيا اطمئنان في القلب وانشراح في الصدر وسعة في الرزق وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] .
وفي الآخرة جَنَّـ?تِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ?لاْبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـ?كِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَـ?صِر?تُ ?لطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَـ?ذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ?لْحِسَابِ إِنَّ هَـ?ذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص:50-54] .
فيا محب النجاة والفوز بالجنات, هذه قوافل التائبين تسير.. فهل نرى آثار أقدامك مع أقدامهم؟
وهذه جموع المنيبين تُقبل, فهل يا ترى يُقبل قلبك معهم؟ وهذه دموع المستغفرين تهراق على وجناتهم, فهلا أسبلت من عينك دموعًا تلحقك بركبهم؟.
[1] صحيح، أخرجه مسلم في: التوبة، باب: سقوط الذنوب بالاستغفار توبة (2749) .