فهرس الكتاب

الصفحة 3962 من 5777

حديث الرؤيا

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

أحاديث مشروحة, الرؤى والمنامات

عبيد بن عساف الطوياوي

حائل

جامع الخلف

1-حديث الرؤيا العظيم. 2- بعض الفوائد المستنبطة من حديث الرؤيا. 3- التحذير من تأويل الرؤى بغير علم. 4- التحذير من الذنوب والمعاصي كالكذب وأكل الربا والزنا. 5- بيان خطورة الكذب. 6- الترهيب من النوم عن الصلاة المكتوبة.

أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم بوصية الله للأولين والآخرين تقوى الله عز وجل، يقول سبحانه: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] ، فعليكم ـ أيها الإخوة ـ بتقوى الله، تزودوا منها في هذه الحياة فهي خير زاد، يقول سبحانه: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ?لزَّادِ ?لتَّقْوَى? وَ?تَّقُونِ يأُوْلِي ?لألْبَـ?بِ [البقرة:197] . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى يا رب العالمين.

أيها الإخوة المؤمنون، روى البخاري عن سَمُرَة بن جنْدب رضيَ الله عنه قال: كان رسولُ الله يعني مما يكثرُ أَن يقول لأصحابِهِ: (( هل رأى أَحدٌ منكم من رُؤيا؟ ) )قال: فيَقصُّ عليه ما شاء الله أن يَقصَّ، وإِنه قال ذاتَ غَداةٍ: (( إِنَّه أتاني الليلةَ آتِيان، وإِنهما قالا لي: انطلِق، وإِني انطلقتُ معهما، وإِنا أَتينا على رجل مَضْطجع، وإِذا آخرُ قائم عليهِ بصخرةٍ، وإِذا هو يَهوي بالصخرةِ لِرَأسهِ فيَثْلغ رأسَهُ فيتهدْهد الحجر ها هنا، فيتبعُ الحجرَ فيأخُذُه فلا يَرجع إِليه حتى يَصحَّ رأسُه كما كان، ثمَّ يَعودُ عليه فيفعل به مثلَ ما فَعَلَ المرَّةَ الأولى، قال: قلتُ لهما: سُبحانَ الله! ما هذانِ؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِق، فانطَلَقْنا فأتينا على رجلِ مستَلْقٍ لِقَفاهُ، وإِذا آخرُ قائمٌ عليهِ بِكَلُّوبٍ من حديد، وإِذا هو يأتي أَحدَ شِقَّي وَجههِ فيُشَرْشِر شِدْقه إِلى قَفاه ومِنْخِرَه إِلى قَفاه وعَينَه إلى قفاه، ثمَّ يتحوَّل إِلى الجانب الآخر فيفعَل به مثل ما فَعل بالجانب الأوَّل، فما يَفرُغ من ذلك الجانب حتى يَصحَّ ذلك الجانب كما كان، ثمَّ يعودُ عليه فيفعل مثلَ ما فعلَ في المرَّةَ الأولى، قال قلت: سبحانَ الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلقْ انطلق، فانطلقنا فأتَينا على مثل التنُّور، فإِذا فيه لَغَطٌ وأَصواتٌ، فاطلعْنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساء عراةٌ، وإِذا هم يأتيهم لَهَبٌ من أسفلَ منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوا، قلتُ لهما: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلِق انطلق، فانطلَقْنا فأَتَينا على نهر أَحمر مثل الدم، وإِذا في النهر رجلٌ سابحٌ يَسبَح، وإِذا على شَط النهر رجلٌ قد جَمَعَ عندَه حجارة كثيرةً، وإِذا ذلك السابحُ يسبحُ ما يسبحَ، ثمَّ يأتي ذلك الذي قد جمعَ عندهُ الحجارةَ فيفغر له فاهُ فَيُلقِمُهُ حجرًا، فينطلقُ يسبَحُ ثمَّ يرجعُ إِليه، كلما رَجَعَ إليه فغَرَ له فاهُ فألقمَهُ حجرًا، قلت لهما: ما هذانِ؟ قالا لي: انطلِقْ انطلق، فانطلَقْنا فأَتَينا على رجل كريهِ المرآةِ أو كأكرهِ ما أنتَ راءٍ رجلًا مَرآة، فإِذا هو عندَهُ نار يَحُشُّها ويَسعى حَولها، قلتُ لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِق، فانطلَقْنا فأَتَينا على روضةٍ مُعْتَمَّة فيها من كلِّ نور الرَّبيع، وإِذا بينَ ظهرَي الروضةِ رجلٌ طويلٌ لا أكادُ أرى رأسَه طولًا في السماء، وإِذا حَولَ الرجل من أكثرِ ولدانٍ رأيتهم قطٌّ، قلتُ: ما هذا وما هؤلاء؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ، فانطلَقنْنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أَعظمَ منها ولا أحسنَ، قالا لي: ارْقَ فيها، فارتقَيْنا فيها إِلى مدينة مبنيَّة بلبنِ ذهبٍ ولَبِنِ فضة، فأتَينا بابَ المدينةِ فاستفتحْنا ففُتِحَ لنا، فدَخلناها فتلقانا فيها رجالٌ شَطرٌ من خَلْقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ وشَطرٌ كأقبحِ ما أنتَ راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقَعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهرٌ معترِض يَجري كأَنَّ ماءه المحضُ في البياض، فذهَبوا فوقعوا فيه، ثمَّ رجعوا إلينا قد ذَهَبَ ذلك السوءُ عنهم، فصاروا في أَحسَنِ صورة، قال: قالا لي: هذه جنةُ عَدْنٍ وهذاكَ منزلك، فسمَا بصَري صُعُدًا فإذا قصرٌ مثلُ الرَّبابةِ البيضاء، قالا لي: هذاكَ منزِلك، قلت لهما: باركَ الله فيكما، ذَراني فأدخُله، قالا: أما الآن فلا، وأَنتَ داخِله، قلت لهما: فإني رأيتُ منذ الليلةِ عَجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أما إِنا سنُخبرُك: أَما الرجلُ الأولُ الذي أتيتَ عليه يُثلَغ رأسه بالحجر فإِنه الرجلُ يأخذُ القرآن فيرفُضُهُ وينامُ عن الصلاة المكتوبة، وأَما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يُشرشَرُ شِدقُه إلى قفاه ومنخِِره إلى قفاه وعَينه إلى قفاه فإنه الرجلُ يَغدو من بيته فيكذِبُ الكذِبَةَ تبلغُ الآفاق، وأما الرجالُ والنساءُ العراةُ الذين في مثلِ بناءِ التَّنوُّر فإنهم الزُّناة والزواني، وأما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يَسبَحُ في النهر ويُلقَمُ الحجر فإنه آكِلُ الرِّبا، وأَما الرجلُ الكريه المرآةِ الذي عندِ النار يَحشُّها ويَسعى حولها فإنه مالكٌ خازنٌ جهنم، وأما الرجلُ الطويلُ الذي في الروضة فإِنه إبراهيم ، وأَما الولدانُ الذين حَولهُ فكلُّ مولودٍ ماتَ على الفِطرة ) )، وفي رواية: (( ولد على الفطرة ) )، فقال بعضُ المسلمين: يا رسولَ الله، وأولادُ المشركين؟! فقال رسول الله: (( وأولاد المشركين، وأَما القومُ الذين كانوا شَطرٌ منهم حسنًا وشطرٌ منهم قبيحًا فإنهم قومٌ خَلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سَيِّئًا تجاوَزَ الله عنهم ) )من صحيح الإمام البخاري.

أيها الإخوة المؤمنون، في هذا الحديث فوائد عظيمة، منها استحباب السؤال عمن رأى رؤيا وسماعها؛ لأن الرؤيا وخاصة إذا كانت صالحة فإنها من المبشِّرات، هذا ثابت عن النبي ، ففي الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: (( لم يبقَ من النبوة إلا المُبَشِّراتُ ) )، قالوا: وما المبشرات؟ قال: (( الرُّؤْيا الصالحة ) ).

وقد دلنا النبي على الطريقة المثلى للتعامل مع الرؤى، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمدِ الله عليها، وليحدِّثْ بها ) )، وفي رواية: (( فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعِذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضرُّه ) ).

وفي الحديث المتفق عليه أيضًا من رواية أبي قتادة أن النبي قال: (( الرؤيا الصالحة من الله، والحُلُم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرُههُ فلينفُثْ عن شماله ثلاثًا وليتعوَّذْ من الشيطان، فإنها لا تضرُّه ) ).

وبعض الناس ـ أيها الإخوة ـ من حبه واحترافه للكذب يكذب حتى في الرؤى، فتجده يقول: رأيت البارحة كذا وكذا، وهو لم يرَ شيئًا، إنما هو الكذب، وهذا النوع من أعظم أنواع الكذب، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن واثِلة بن الأسقَع أن النبي قال: (( إن من أعظم الفِرَى أن يَدَّعِيَ الرجلُ إلى غير أبيه، أو يُري عَينيهُ ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله ما لم يقل ) ).

ومن الناس أيضًا من يتصدى لتأويل الرؤى وهو من أجهل الناس بالتأويل، فعندما يسمع أحدًا يقص رؤيا رآها يسارع وبجرأة وكأنه ابن سيرين زمانه، يفسر ما سمع: رؤياك يا فلان كذا وكذا، وهو لا يحسن تأويل الرؤى، وهذا كذب وادعاء، لا يجوز أبدًا.

فلنحذر أيها الإخوة، ولا نتجرأ على أمور نحن في غنى عن تبعات الجرأة على أمثالها.

ومن دروس هذا الحديث ـ أيها الإخوة ـ ثبوت عذاب القبر، ففيه إثبات لعذاب القبر، أعاذني الله وإياكم منه، وعذاب القبر ثابت في القرآن والسنة، والأدلة كثيرة لا يسع المقام لذكرها، ولكن منها هذا الحديث العظيم، ففيه إثبات لعذاب القبر، وذكرٌ لبعض المعاصي التي يعذَّب من فعلها بقبره، ومنها الكذب والزنا وأكل الربا والعياذ بالله من ذلك.

فلنحذر ـ أيها الأخوة ـ هذه الآثام التي تكون سببًا في عذاب القبر، ولنتيقّنْ ونعتقد أن في هذه القبور عذابا ونعيمًا، فهي إما روضة من رياض الجنة، وإما ـ والعياذ بالله ـ حفرة من حفر النار، ولنكثر ـ أيها الإخوة ـ من قول: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، فقد كان هذا من دعائه.

اللهم أيقظْنا من رَقدة الغافلين، وأغثْنا بالإيمان واليقين، واجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها المسلمون، ومن فوائد هذا الحديث معرفة خطورة الكذب، فهذا الرجل الذي يعذّب في قبره بأن تشق أشداقه فهو الكذاب الذي يكذب الكذبة، فيتناقلها الناس وتبلغ الآفاق، وهي كذبة لا أساس لها من الصحة. فالكذب ـ أيها الإخوة ـ أمره خطير، بل هو محرم في الكتاب والسنة، يقول الله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:36] أي: لا تتكلم إلا عن علم، وإياك والظن بما هو وهم وخيال، ويقول سبحانه: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] .

وأما في السنة فجاء أن الكذب من أكبر الكبائر، بل هو علامة من علامات أهل النفاق، فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلفُ وإذا اؤتمن خان ) ).

فالكذب خطير أيها الإخوة، وبعض الناس لا يتورع منه بل يستحله أحيانًا، فإذا كان بينه وبين غيره بيعةٌ كَذَب، وإذا أراد شراء سلعةٍ ما كذب، وإذا كان له معاملة في دائرة حكومية فلا بأس عنده بالكذب، وعلى أطفاله وأهل بيته يستعمل الكذب، وهذا كله كذب ولا يجوز.

ومن الناس من لا يتورع عن الكذب في المزاح لإضحاك الناس، وهذا أيضًا لا يجوز، ففي الحديث يقول: (( أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة ـ أي: فيما حولها ـ لمن ترك المِراء ـ أي: الجدال ـ وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) )رواه أبو داود، وروى أحمد مرفوعًا: (( لا يؤمن العبد الإيمان كلّه حتى يترك الكذب في المزاح ويترك المِراء وإن كان صادقًا ) ).

وأما الذي يكذب ليُضحكَ الناسَ فالويل له، فقد روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والدارمي أن النبي قال: (( ويل للذي يحدث فيكذِبُ ليضحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويلٌ له ) ).

ومن فوائد هذا الحديث ـ أيها الإخوة ـ التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه، فالنوم عن الصلاة ورفض القرآن سبب في عذاب القبر نسأل الله العافية، فهذا الرجل الذي في قبره يُشدخُ رأسه وكلما عاد شُدخ بسبب نومه عنه بالليل، وعدم العمل به في النهار، فهذا الرأس الذي لم يأبَهْ لكتاب الله يستحق الشدخ، فهو يشدخ حتى يوم القيامة.

فلنحذر أيها الإخوة، وخاصة من رزقَهم اللهُ العلمَ في كتابه، لنحذرْ ولنقبلْ على كتاب الله تعلمًا وتعليمًا، وعملًا وتحكيمًا، وتدبرًا واستشفاءً، ومن أعرض فهذا ما ثبت له في قبره والآخرة أشدّ وأنكى، نسأل الله العافية.

ومن دروسه ـ أيها الإخوة ـ تحريم الزنا وأكل الربا، فإنهما من الموبقات المهلكات، وعذابهما أكيد في الدنيا وفي البرزخ وفي يوم القيامة.

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

ألا وإن مما أمركم به بكم الصلاة على رسوله، فقال جل من قائل عليمًا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت