الرقاق والأخلاق والآداب
الزهد والورع
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-فضل الاتصاف بالزهد. 2- الزهد المشروع. 3- إبطال مفهوم خاطئ للزهد. 4- أقسام الزهد. 5- فوائد الزهد. 6- زهد النبي. 7- ما يعين على الزهد.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه، فمن اتقى الله كفاه، ووفقه لهداه، وبلغه في الدارين ما تمناه.
عباد الله، صفة عظيمة من صفات نبينا محمد تزيل عن النفس الشقاء والعناء، المتصف بها مؤمن راض بقضاء الله وقدره. حث الله على الاتصاف بها في كتابه، وأوصى بها النبي أصحابه، لا يقدر عليها إلا الكُمّل من الرجال الذين صبروا أنفسهم بتعاليم دينهم وسير سلفهم الصالح. ما ارتفع من ارتفع من سادة الأمة إلا وهذه الخصلة موجودة فيه، بها تنال محبة الله ومحبة الناس، كما أخبر بذلك المصطفى.
هذه الصفة هي الزهد يا عباد الله. الزهد في زينة الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، والنظر إلى ما أعده الله لعباده في الدار الآخرة، وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الآخرة، وهو المباحات التي لا تعين على طاعة الله سبحانه". فمن أراد أن يعمل عملًا أو يقول قولًا فلينظر هل ينفعه يوم القيامة؟ فإن كان ينفعه فليعمله، وإلا فليزهد فيه.
أيها المسلمون، ليس المراد من الزهد أن يتخلى الإنسان عما يملك، فقد كان سليمان وداود عليهما الصلاة والسلام أزهد أهل زمانهما وقد ملكا الدنيا، وقد كان النبي أزهد الناس وقد تزوج من النساء تسعًا، وكان عدد من أصحابه زهادًا كبارًا وعندهم من الأموال ما لا يحصى، لكنهم ساروا بها على مراد الله سبحانه.
وهذا عمر بن عبد العزيز لا يذكر الزهد إلا ذكر معه، وهو ملك الدنيا في عصره، يقول الحسن:"ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال وإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك".
أيها المسلمون، يقول ابن القيم رحمه الله:"الزهد أقسام: زهد في الحرام، فهذا فرض عين، وزهد في الشبهات، فإن كانت الشبهة قوية كان واجبًا، وإن كانت ضعيفة كان مستحبًا، وزهد في الفضول كالكلام والنظر والسؤال ولقاء الناس، وزهد في النفس، فتهون عليه نفسه في ذات الله سبحانه، والجامع لذلك كله أن تزهد في كل ما سوى الله".
عباد الله، بالزهد تنال محبة الله سبحانه ومحبة الناس، فقد جاء رجل إلى النبي فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله: (( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك ) ).
ولقد كان النبي أزهد الناس، فلقد أتته الدنيا مقبلة فردها، ولقد خيره الله بين أن يكون ملكًا رسولًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا، وقال في دعائه المشهور الذي رواه البخاري ومسلم: (( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا ) )أي: لا يزيد على حاجتهم.
ولما ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا قال: لقد رأيت رسول الله يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلًا يملأ به بطنه. والدقل: رديء التمر. وكان فراشه من جلد محشوٍ ليفًا، كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها. وعن عبد الله بن مسعود قال: نام رسول الله على حصير، فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا: لو اتخذنا لك وطاء وهو الفراش اللين، فقال: (( ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) ).
عباد الله، من ذكر الدار الآخرة وما فيها هانت عليه الدنيا وزهد فيها، وكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر زهدًا، ولهذا لما زهد أبو بكر في الدنيا أنفق ماله كله في سبيل الله، وعثمان جهز جيش العسرة من ماله، بل جادوا بأعظم من ذلك، وهو زهدهم في أرواحهم في سبيل الله، فأين السائرون على طريقهم المهتدون بهديهم المقتفون لآثارهم؟!
جعلني الله وإياكم من الزاهدين، وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الحمد لله على إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله، من أراد كمال الزهد فليتذكر أمورًا ثلاثة تعينه عليه:
أحدها: علم العبد أن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، فهي كما قال الله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ، وسماها الله متاع الغرور، ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترّين، وحذرنا من مصارعهم، وذم من رضي بها واطمأن إليها.
الثاني: تذكر الدار الآخرة، وأن يوقن الإنسان أن وراء هذه الدنيا دارًا أعظم منها قدرًا وأجل خطرًا، وهي دار البقاء، فيزهد في هذه الدنيا لما هو خير منها.
الثالث: أن يعلم الإنسان أن زهده في الدنيا لا يمنعه شيئًا كتب له، فكل ما كتب له سيأتيه، وأن حرصه لن يجلب له ما لم يقدر له، وحينئذ يزهد في هذه الدار الفانية.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وعملها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...