الإيمان, قضايا في الاعتقاد
الإيمان بالرسل, معجزات وكرامات
رضا بن محمد السنوسي
مكة المكرمة
السنوسي
1-أيد الله جميع رسله بالمعجزات الباهرة. 2- أعظم معجزات النبي القرآن الكريم. 3- ذكر
بعض معجزات النبي. 4- وجوب محبة النبي والإيمان به.
أما بعد:
أحبابنا في الله: لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأيده بالآيات الباهرات والمعجزات الواضحات، كما أيد إخوانه من النبيين والمرسلين بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، قال تعالى: رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ?للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ?لرُّسُلِ وَكَانَ ?للَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165] .
ولما كان نبينا وحبيبنا محمد أعظم النبيين قدرًا، وأكثرهم تبعًا، وأشدهم صبرًا، وأعمهم رسالة حيث أرسل إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، فقد أيده مولاه بآيات باهرات ومعجزات واضحات، أجراها الله على يديه تصديقًا لنبوته، وإعلامًا بشأنه، وحجة على الناس ليؤمنوا به، ويصدقوا برسالته، فيسعدوا به في الدنيا والآخرة.
ومن أعظم معجزاته القرآن الكريم، تلك المعجزة الخالدة على مر الأيام والسنين، كتاب قد حفظه الله من كل تحريف وتبديل، وجعله مسلكًا للمؤمنين، وسبيلًا موصلًا إلى جنات النعيم كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـ?تُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] .
كتاب، من استمسك به سعد في الدنيا والآخرة، وصدق مولانا: كِتَابٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَى? صِرَاطِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [إبراهيم:1] .
فالقرآن الكريم هو المعجزة المعنوية الخالدة، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به فقد هدي إلى صراط مستقيم، يقول: (( ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) ) [متفق عليه] .
وليس معنى هذا حصر معجزاته في القرآن، وأنه لم يؤت غيره، بل المراد أن أعظم هذه المعجزات هو القرآن؛ لأنه خالد باقٍ، أما باقي المعجزات فقد انتهت بموته ، قال الشافعي: ما أعطى الله تعالى نبيًا ما أعطى محمدًا. وهذا كناية عن المعجزات الباهرات التي أجراها الله على يد نبيه ، فمنها انشقاق القمر نصفين، روى المحدثون عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا إلى السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثلما رأيتم، فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار، وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا، فأنزل الله: ?قْتَرَبَتِ ?لسَّاعَةُ وَ?نشَقَّ ?لْقَمَرُ وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر:2] .
ومن معجزاته نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله ، وحانت صلاة العصر، فالتُمس الوضوء، فلم يجدوه، فأتى رسول الله بوضوء، فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضأوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم) ، وفي رواية: (وكانوا سبعين أو نحوه) : (3573) .
وحادثة نبع الماء قد تكررت مرات كثيرة، ففي الحديبية في السنة السادسة من الهجرة حينما عطش الناس نبع الماء من بين أصابعه ، أخرج البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية، والنبي بين يديه ركوة فتوضأ، فجهش الناس نحوه، فقال: (( ما لكم ) )؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ، ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة، أي ألف وخمسمائة. (3576) .
ومن معجزاته تكثير الطعام بين يديه، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي - أي وضعته ولا تثني بعضه - أي لفت رأس ابنها ببعض الخمار كالعمامة - ثم أرسلتني إلى رسول الله ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله: (( أرسلك أبو طلحة ) )؟ فقلت: نعم، قال: (( بطعام ) )؟ قلت: نعم، فقال رسول الله لمن معه: (( قوموا ) )، فانطلق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ، فأقبل عليه رسول الله وأبو طلحة معه، فقال رسول الله: (( هلمي يا أم سليم، ما عندك ) )، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ففتَّ وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ما شاء الله أن يقول، ثم قال: (( ائذن لعشرة ) )، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (( ائذن لعشرة ) )، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (( ائذن لعشرة ) )، فأكل القوم كلهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا. (3578) .
صلوات الله وسلامه عليك يا أبا القاسم، يا رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
ومن معجزاته حنين الجذع، (الترمذي وابن ماجه) . وتكليم الحجر والشجر، وتسبيح الحصى بين يديه (ابن ماجه) ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، فنزل النبي حتى أخذها، فضمها إليه حتى استقرت، وفي رواية: (( لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة ) ).
فانظروا - رحمكم الله - جذع إليه حنّ، ألا يجدر بنا نحن أن نَحِنَّ إليه ، وأن نحبه ونسلك منهجه؟ اللهم وفقنا لذلك.
وأما كلام الحجر والشجر فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله في سفر، فدنا منه أعرابي، فقال: (( يا أعرابي، أين تريد ) )؟ قال: إلى أهلي، قال: (( هل لك إلى خير ) )؟ قال: وما هو؟ قال: (( تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ) ). قال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ قال: (( هذه الشجرة، وهي في شاطئ الوادي، فادعها، فإنها تجيبك ) )، فدعوتها فأقبلت، تخد الأرض خدًا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها. [الشفا: 1/298] .
وأما تسبيح الحصى، فقد قال أنس رضي الله عنه: أخذ رسول الله كفًا من حصى، فسبح في يد رسول الله حتى سمعت التسبيح.
فاتقوا الله عباد الله، وخذوا من رسولكم الأسوة الكاملة والقدوة الشاملة لكل خلق كريم وأدب رفيع، واتعظوا بما سمعتم من الآيات الباهرات والمعجزات الواضحات التي أيد الله بها رسوله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحديد:28] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا، اللهم ارزقنا كمال العمل بسنة نبيك محمد ، اللهم أحينا على سنته، وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا حمدًا، والشكر له شكرًا شكرًا، أحمد ربي وأشكره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن هذه الآيات الظاهرات والمعجزات الباهرات توجب علينا الإيمان بها والتصديق بها؛ لأنها علامات أجراها الله على يد نبيه دليلًا قاطعًا وبرهانًا ساطعًا على صدق نبوته وإخلاصه في دعوته، فمن هنا وجب علينا الإيمان بها، والمحبة لهذا النبي، والتصديق برسالته، والسير على نهجه كما قال: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) ) [البخاري] .
فحققوا عباد الله هذه المحبة لرسولكم ، واستمسكوا بسنته، واحرصوا عليها، وليكن لهذه المحبة أثرًا ظاهرًا في حياتكم وسائر أعمالكم، فإن هذه المحبة هي شرط الإيمان.
اللهم وفقنا لذلك، وارزقنا محبته ، ووفقنا للعمل بكتاب ربنا وسنة نبينا.
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك مولانا الكريم: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .