العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم
صنعاء
العميري
1-ذم الانشغال بالدنيا عن ذكر الله. 2- فتنة المال. 3- حقيقة السعادة. 4- مكر أعداء الإسلام بالمسلمين. 5- المال ليس مذموما لذاته. 6- ذم التكاثر بالأولاد. 7- ذم التكاثر بالعلم والشهادات والمناصب. 8- التذكير بالموت والقبر. 9- وجوب شكر النعم.
أما بعد:
فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه.
ثم أما بعد: فيقول المولى سبحانه: أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ حَتَّى? زُرْتُمُ ?لْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ?لْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ?لْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ?لْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ?لنَّعِيمِ [سورة التكاثر] .
في ظلال آيات بينات من كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الخطبة، علَّ الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا، وأن يفتح علينا بهذا القرآن العظيم الذي نزله الله سبحانه لهداية البشرية والإنسانية وإنقاذها من الجهالة والضلالة، والشبه والشهوة، إلى النور والإيمان والسعادة والرضوان.
إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد:
هذه السورة التي بين أيدينا اليوم سورة قليلة الآيات قصيرة المقاطع إلا أنها من السور العظيمة في القرآن العظيم، هذه السورة تعيش بنا بين جو هذه الدنيا الآسن الماجن المتخلف العفن، وبين جو الآخرة المشرق الباهر الرائع البديع.
فلنستمع إخوة الإسلام إلى قضايا هذه السورة الكبرى، يقول الله سبحانه وتعالى: أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ [التكاثر:1] . يبدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بهذا الهجوم على من ألهتهم هذه الدنيا وشغلتهم عن ذكر الله تعالى وعبادته وطاعته، وفي آية أخرى يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بأن لا تلهيهم هذه الدنيا وتشغلهم عما خلقوا لأجله، فيقول سبحانه: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـ?كُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ?لصَّـ?لِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَ?للَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11] .
أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ بهذه الدنيا الفانية الملعونة التي لعنها رسول الله ووصفها بأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا، هذه الدنيا التي لا تساوي عند الله شيئًا، ولو كانت تساوي عنده شيئًا لما سقى منها كافرًا شربة ماء.
أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ. والتكاثر -عباد الله- على أقسام، منه التكاثر بالأموال، وهذا الذي تشير إليه الآيات ويدل عليه أيضًا الحديث عن الرسول أنه قرأ يومًا هذه السورة فقال عليه الصلاة والسلام: (( يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟!! ) ). ويقول أيضًا: (( قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال ) ). ويقول أيضًا: (( لو كان لابن آدم واديان من ذهب أحب أن له واديًا ثالثًا، ولن يملأ فاه إلا التراب، والله يتوب على من تاب ) ).
ولذلك كان يحذر أمته من التكاثر بالأموال والانهماك على حطام هذه الدنيا ويقول: (( ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ). ولذلك لما جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول بمفاتيح خزائن الأرض وقال له: يا محمد لو أردت أحول لك جبال الأرض ذهبًا وفضة فعلت، قال: (( لا بل أبقى عبدًا رسولًا، أشبع يومًا وأجوع يومًا إلى أن ألقى الله سبحانه وتعالى ) ).
أوّل من تكاثر بأمواله وكنوزه قارون، منحه الله كنوزًا كالتلال، ما جمعها بجهده ولا بذكائه ولا بعرقه لكنه كفر نعمة الله وأصر على تجريد نعم المال من الشكر، وأخذ يتكاثر بماله الذي كان يعجز الرجال الأشداء عن حمل مفاتيح خزائنه، وأخذ يسعى في الأرض فسادًا، فماذا كان جزاؤه؟ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ?لأَرْضَ [القصص:81] . كان ضعفاء الإيمان من قوم قارون عندما يرون قارون متنعمًا في أمواله يقولون: ي?لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَـ?رُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ [القصص:79] . فلما خسف الله به الأرض عرفوا أن النعيم والسعادة والحظ ليس في جمع المال وإنما في طاعة الرحمن وَأَصْبَحَ ?لَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِ?لأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ?للَّهَ يَبْسُطُ ?لرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ ?للَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ?لْكَـ?فِرُونَ تِلْكَ ?لدَّارُ ?لآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ?لأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:82-83] .
هذه الآيات يا عباد الله توبيخٌ لمن ضيع حياته في جمع الأرصدة لكنه ليس له رصيد من الإيمان والعمل الصالح، ليس له رصيد من الصلاة والقيام والصدقة والعمل الصالح بعد الإيمان بالله.
فوالله الذي لا إله إلا هو إن السعادة ليست في الدور ولا في القصور، ليست في بناء الفلل والعمارات ولا في ركوب السيارات، السعادة والله أن تكون عبدًا لرب الأرض والسموات، وأن تكون من أولياء الله الذين يعملون الصالحات ويجتنبون المحرمات. إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (( لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) )، ويقول عن سنة الفجر عن ركعتي الفجر أنها خير من الدنيا وما فيها، فكيف بصلاة الفجر؟
هذه هي السعادة يا عباد الله، وهذا هو الملك، وهذا هو السلطان سلطان العبودية لله والتذلل بين يديه، يقول إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله: والله إنا لفي نعيم وفي سعادة وفي لذة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف.
وأما عبودية المال والمادة فيقول عنها: (( تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميلة والخميصة ) ).
معاشر المسلمين:
إن أعداء الإسلام يريدون منا أن ننشغل بحطام هذه الدنيا وأن نتكالب عليها حتى تسيطر هذه الدنيا على قلوبنا وتمتلئ بها نفوسنا، وإذا دخل حب الدنيا إلى القلب خرج منه حب الآخرة، لأن الدنيا والآخرة لا تجتمعان في قلب مسلم، فهما كالضرتين إن أرضيت إحداهما غضبت الأخرى.
يريد أعداء الأمة أن يغرقوا أمة الإسلام في الشهوات واللذات حتى يتناسوا قضاياهم الكبرى وحقوقهم المسلوبة وهذا واقع الأمة اليوم، وما أخبر عنه الصادق المصدوق محمد في قوله: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )، فقال قائل: أوَمن قلة يومئذ يا رسول الله؟ قال: (( بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن ) )، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ).
إخوة الإسلام:
إن المال في نفسه وذاته ليس مذمومًا، بل هو من أكبر أسباب القوة والمنعة والعزة، وقد ملك الصحابة وكثير من السلف المال، ولكن لم يشتغلوا به ولم يلههم عما خلقوا لأجله، بل شغلوا المال في طاعة الله وصرفوه ثمنًا لجنة الله، وامتثلوا قول الله: وَ?بْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ?للَّهُ ?لدَّارَ ?لآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ?لدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ?للَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] .
ومن التكاثر - يا عباد الله - التكاثر بالأولاد، والأولاد من متاع هذه الدنيا ومن فتن هذه الدنيا يقول سبحانه: إِنَّمَا أَمْو?لُكُمْ وَأَوْلَـ?دُكُمْ فِتْنَةٌ. ويقول سبحانه وتعالى: إِنَّ مِنْ أَزْو?جِكُمْ وَأَوْلـ?دِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَ?حْذَرُوهُمْ [التغابن:14] . وكثرة الأولاد ليست من علامات القبول والرضا، بل قد يكون الأولاد سببًا في شقاء الوالد وبؤسة وَمَا أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ بِ?لَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلاَّ مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا [سبأ:37] .
وممن تكاثر وافتخر بأولاده الوليد بن المغيرة، آتاه الله عشرة من الأبناء، كان يحضر بهم المحافل ويتباهى بهم في المجالس، ولكنه نسي أن الذي خلقه فردًا بلا ولد هو الله ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ [المدثر:11-15] ولكنه كفر نعمة الله، وسخر أبناءه لمحاربة الله فماذا كان جزاؤه؟ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِى وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:26-30] .
ومن التكاثر أيضًا يا عباد الله التكاثر بالعلم والشهادات والمناصب والهيئات، والعلم يا عباد الله إن لم يورث ويكسب صاحبه خوفًا وخشية وإنابة إلى الله فهو ضلال وجهالة ولعنة، العلم إن لم يتبعه عملٌ صالح فهو حجة على صاحبه وندامة يوم القيامة.
إذا لم يفدك العلم شيئًا فليتك ثم ليتك ما علمت
وإن أرداك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمت
ولذلك نعى الله سبحانه على المتكثرين في العلم بلا عمل فقال سبحانه عن بني إسرائيل: كَمَثَلِ ?لْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5] . وكذلك نعى الرسول على المتكثرين في العلم بلا عمل فقال: (( من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من أعراض الدنيا لم يجد عرف الجنة أي رائحتها، وإن عرفها من مسيرة أربعين عامًا ) ).
وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة: قارئ القرآن والعالم والمنفق، يقال لقارئ القرآن: قرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم يكب على وجهه في نار جهنم، ويؤتى بالعالم فيقال له: تعلمت العلم ليقال: عالم، فقد قيل، ثم يكب على وجهه في نار جهنم عياذًا بالله.
أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ حَتَّى? زُرْتُمُ ?لْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] . ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد والجاه والعلم والمنصب والهيئة وبمتاع هذه الدنيا وزخرفها وما زلتم معرضين في غفلة وفي سهو ولعب حتى زرتم المقابر، وهذه الزيارة ليست كالزيارات، إنها زيارة جبرية وزيارة حتمية وزيارة لا رجعة بعدها إلى البيت، إنها زيارة بالأكفان، إما إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء منقول
فإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمول
كل يوم يا عباد الله نودع ونشيع غاديًا ورائحًا إلى الله، قد قضى نحبه ومضى حقًا إلى ربه فنودعه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، خلع الأسباب وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيًا عما خلف، فقيرًا إلى ما أسلف، أليس في هذا معتبر وعن البغي مزدجر؟!! كفى بالموت واعظًا، وكفى بالقبر عظة وعبرة.
عباد الله يا عباد الله:
سوف نخرج من هذه الدنيا كما دخلنا إليها حفاة عراة ولن يبقى معنا إلا العمل الصالح وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى? كَمَا خَلَقْنَـ?كُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـ?كُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94] .
أَلْهَـ?كُمُ ?لتَّكَّاثُرُ حَتَّى? زُرْتُمُ ?لْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ?لْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ?لْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ?لْيَقِينِ [التكاثر:1-7] .
إذا انتقل الإنسان من هذه الدار إلى دار القرار سوف يرى كل شيء ويعلم كل شيء، ويعرف كل شيء ويشاهد كل شيء بعينه ويندم حين لا ينفع الندم.
فيا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي.
واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب.
إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب.
أما بعد:
يختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة العظيمة بقوله: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ?لنَّعِيمِ وكل ما أنعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان فهو نعيم، ونعم الله سبحانه وتعالى على عباده لا تحصى ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ?لنَّعِيمِ [التكاثر:8] .
فالواجب على العبد أن يشكر هذه النعم، وشكر النعم يكون بثلاثة أمور: باللسان والقلب والجوارح، فاللسان يلهج بالشكر والثناء على الله بهذه النعم، والقلب يعترف ويقر بأن هذه النعم من عند الله، والجوارح تستمر في طاعة الله عز وجل شكرًا لله.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
وجاء في سبب نزول هذه الآية العظيمة كما في الصحيحين أن الرسول تلمس ذات يوم طعامًا في بيته فلم يجد طعامًا، فخرج من بيته وهو جائع وإذا به يجد في طريقه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب فيسألهم الرسول عن سبب خروجهما من البيت، فيقولان: والله يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع، فيقول لهم الرسول: (( اذهبوا بنا إلى فلان من الأنصار علنا أن نجد عنده طعامًا ) )، فلما وصلا إلى بيت الأنصاري ورآهم كبر من الفرح وقال: والله ما أحد أحسن مني ضيفًا اليوم، فذبح لهم شاة وأكلوا وشربوا وشبعوا، فلما شبع قال: (( والله لتسألن يومئذ عن النعيم ) ).
فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله، شبع مرة واحدة في أشهر طويلة، ومع ذلك يتحرى السؤال من الله عز وجل ونحن نشبع مرات في اليوم والليلة، ومع ذلك نتسخط على نعم الله عز وجل، فنسأل الله تعالى أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، ونسأله جل وعلا أن لا يعاملنا بما نحن أهله وأن يعاملنا بما هو أهله، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.