فهرس الكتاب

الصفحة 4932 من 5777

طريق النجاة

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, آفات اللسان, الفتن

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-عظم خطر اللسان. 2- آفات اللسان. 3- فضل المكث في البيت زمن الفتن. 4- الاعتراف والندم بالخطأ توبة.

أما بعد: جاء في سنن الترمذي عن عقبة بن عامر أنه قال: قلت: يا نبي الله، ما النجاة؟ فقال: (( أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) ).

عباد الله، إن هذا الصحابي علم علما يقينيا أن الدنيا دار فتنة وهلاك، فأراد أن ينجو من شرها، فسأل عن طريق النجاة، فأرشده النبي إلى أسبابها فقال: (( أملك عليك لسانك ) )، وذلك يكون بأن لا تحركه في معصية، بل ولا فيما لا يعنيك؛ لأن اللسان ترجمان القلب، ولا يأثم العبد بما في قلبه إلا إذا تكلم أو نفّذ وفعل، يقول النبي: (( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ) ). وحفظ اللسان من كمال الإيمان، كما قال النبي: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) ).

واللسان آفاته خطيرة وكثيرة، يستخف بها للأسف الشديد أكثر المسلمين، لذلك تعجّب معاذ عندما أمره النبي أن يمسك عليه لسانه ويكفه، فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال عليه الصلاة والسلام: (( ثكلتك أمك، وهل يَكُب الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟! ) ).

فهذا اللسان الصغير في حجمه الجبار في تأثيره مَن حفظه دخل الجنة كما قال نبينا: (( من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة ) ). وبالمقابل فإن من لم يحفظ لسانه فخاض مع الخائضين فإنه متوعّد بالعذاب، قال النبي: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار ) )، ولقد سأل صحابي آخر النبي فقال: ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( هذا ) )، وأمسك بلسانه. وكم من كلمة غير مسؤولة انطلقت من فم صاحبها فدمرت بيوتا آمنة، وأتعست بيوتا سعيدة، وأفسدت صداقات قديمة بسبب غيبة أو نميمة.

وقد أخبرنا نبينا أن الناس يعذبون في قبورهم بمثل هذه الذنوب، هذا في حق من يتكلم بالكلمة التي قد تكون ارتجالية، ولا شك أن الذي يكتب المقالات ويصنف الكتب بعد تفكر وتدبر أشد عذابا يوم القيامة إن كان ينال من الإسلام وأهله، كالعلمانيين والحداثيين ومن يلمز الإسلاميين بالظلاميين والرجعيين وغير ذلك من مقولاتهم التي تدل على بغضهم للإسلام وأهله، فهؤلاء أقلامهم مأجورة وأبواقهم مسعورة وأسعارهم معلومة، قد احترفوا تمجيد الباطل وأهله والهجوم على الإسلام ومن آمن به عقيدة ومنهجا وأسلوب حياة، وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَّنقَلِبُونَ.

ما النجاة؟ (( أملك عليك لسانك ) )، كان أبو بكر الصديق يمسك لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) ، وكان عبد الله بن مسعود يقول: (والله الذي لا إله غيره، ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) ؛ لهذا السبب قال نبينا: (( أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ) ). والعجيب أن من الصالحين من يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع عن الاتكاء على وسادة حرير ويتورع عن دقائق الحرام، وهذا أمر جيد، إلا أنه لا يبالي بالخوض في أعراض الناس بالغيبة والنميمة والقول على الله ما لا يعلم، فحال هذا كحال أهل العراق الذين جاؤوا ابن عمر يسألونه عن دم البعوض للمحرم وهم كانوا قتلوا الحسين بن علي ابن بنت النبي.

أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

أما بعد: يقول النبي ناصحا من استنصحه: (( أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك ) )، أي: ليكن لك في بيتك شغلٌ بالله عن الناس، وأنسٌ بطاعته وعبادته عن مخالطة الناس، ولا سيما في زمن الفتن، بشرط أن لا يترتب على ذلك تركٌ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو ترك للجمعة وصلوات الجماعة، ولا شك أن بقاء المسلم في بيته خيرٌ له من السفر إلى بلاد الغالب على أهلها التبرج وعدم الاحتشام وانتشار المنكرات والفواحش فيها، ويعظم الوزر لو كانت تلك البلاد بلاد كفر كبلاد النصارى.

إن بقاء المسلم في بيته خير من الذهاب إلى الكبائن والشاليهات أو الأسواق التي يكثر فيها الفساد وتتعاظم فيها السيئات أو المطاعم والمنتزهات التي تكثر فيها المنكرات كالاختلاط وسماع أغاني المطربين والمطربات.

(( أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) ).

عباد الله، إن البكاء على الخطيئة يتضمن الاعتراف بالتقصير في جنب الله والندم على تلك الخطيئة، وقد قال النبي: (( الندم توبة ) )، فكل من أقلع عن ذنب ولكنه غير نادم عليه فهذا لم تقبل توبته، وإن جفاف العين دليل على قحط القلب، وكم من المسلمين من تنهمر الدموع من عينيه إذا سمع أغنية حزينة أو رأى مشهدا مؤثرا، ولكن هذا التفاعل مع الأغنية والفيلم يختفي تماما مع آيات القرآن والسنة المطهرة، فيجب على صاحب الذنب أن يبكي وينوح على تقصيره في حق الله وحق نفسه.

فالمرأة السافرة يجب عليها البكاء على خطيئتها، والذي يسمع الأغاني وينظر إلى الحرام يجب عليه البكاء على خطيئته، والذي ينام عن صلاة الفجر متعمدًا أو مفرطًا، وذلك الذي تقام الصلاة وهو في بيته يتشاغل عنها بلعب أو لهو أو مشاهدة منكر، ومن يسافر إلى الخارج لارتكاب المنكرات، فهؤلاء وغيرهم يجب عليهم البكاء على خطاياهم إن كانوا يريدون النجاة، ولكن من الذي يبكي أو يريد البكاء منا؟ جاء في وصف النبي أنه كان طويل الصمت قليل الضحك، إذا صلى سمع لجوفه صوت كأزيز المرجل من البكاء، فهل نحن كذلك؟!

عباد الله، إن وصية النبي السابقة كانت لرجل من أطهر خلق الله، رجل قد تكون خطيئته مما نعده اليوم من الحسنات العظام. فلنتق الله تعالى عباد الله، ولنتبع وصية نبينا ، ولأن يبكي المؤمن على خطيئته في الدنيا خير له من أن يبكي عليها في الآخرة، وهل يبكي الناس في الآخرة؟! يقول النبي: (( يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أُرسلت فيه السفن لجرت ) ).

فاللهم نسألك بأن تجيرنا من خزي الدنيا والآخرة، اللهم طهر أعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأبصارنا من الخيانة، اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلن، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت