فهرس الكتاب

الصفحة 3046 من 5777

تضحية مقعَد

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

عبد الباري بن عوض الثبيتي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-الموقف الصحيح من الشدائد والمحن. 2- التأمل في حال الأمة. 3- فقه الهزيمة والنصر. 4- سنة الابتلاء. 5- تضحيات الصحابة رضي الله عنهم. 6- مدرسة الشدائد. 7- أمة العطاء. 8- انتصار الإيمان. 9- الشيخ أحمد ياسين. 10- طغيان اليهود. 11- أسباب رفع البلاء.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

إن المِحَن التي تمرُّ على المسلمين اليوم شديدة، وقد لا تحتاج مزيدَ وصفٍ وتكييف، وواقعُ الأمّةِ مليءٌ بالشواهد والمواجع والفواجع، وكلَّما توسَّعت بنا دائرةُ المحن فسوفَ توصلنا إلى آلامِ الأمّة من مشارقها إلى مغاربها. بلاءٌ شديد يشمل القتلَ والتشريد وانتهاكَ الحرمات، ممّا يُدمي القلبَ ويُدمع العين ويملأ النفوسَ ألمًا، يزيد من لأوائها قلّةُ الناصر وهول المصيبة.

لا يفيد الأمّةَ تَردادُ فصول المأساة وجلدُ الذات وتعميق الأحزان، فهذا يقذف بها في أتّون اليأس ومشاعر الحزن، كما يكسِر النفسَ ويُحطِّم الآمال ويُقعد عن الأعمال.

في أوقات المحَن والشدائد تحتاج الأمّةُ إلى خطابٍ يبعَث الأملَ ويشحذ الهمم ويمسح مرارةَ الأحداث. في أوقات المحن تتنزّل آيُ القرآن الكريم تسليةً لرسول الله ودفعًا لآلام الحزن: فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ [يس:76] ، فَلَعَلَّكَ بَـ?خِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى? ءاثَـ?رِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـ?ذَا ?لْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] ، ي?أَيُّهَا ?لرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ?لَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ?لْكُفْرِ [المائدة:41] . ويأتي خبّاب بن الأرت رضي الله عنه رسول الله يشكو ألم الفتن وشدّة المحن قائلًا: ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فينقلُه رسول الله من أجواء الشدّة والكرب إلى حال الفتح المبين والنصر العظيم ثقةً بوعد الله قائلًا: (( والله، ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت؛ لا يخاف إلا الله أو الذنب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ) [1] .

إنَّ البكاءَ والنياحةَ لا يفيد قضيّةً ولا يصلح حالًا، حتى تتحوّل الدموع إلى تأمُّل في أحوال الأمّة وإصلاح للنفس وتربيةٍ على الإيمان وعملٍ بنّاء لنُصرةِ الدين، حينئذ ما أجملَ الدموعَ وأعذبَ البكاء.

الأمّةُ المريضة لا يعبأ بها أحد، ولا يلقي لها الناسُ بالًا، ولا تستحقّ أن تقدَّر أو تُهاب، لكن الأمّة الحيّة برجالها المعطاءةَ بأبنائها يهابُها الناس، يخافون يقظتَها، لذا فهم يسعَونَ لقطع جُذُورها ووأدها في مهدِها، ويتعاملون معها بصلَفٍ وظلم وجبروت.

الأمّة الحيّة تصنع من الهزيمة نصرًا، ومن الحزن أملًا، حتى لا يستغرقَ أبناؤها في التلاوم والتأوُّه والألم، تجلَّى هذا في أمر رسول الله للصحابةِ في غزوة أحدٍ بعد سهو الرُّماة، ولم يجعلهم أسرى لحظة الألم ومرارة الهزيمة، دفَع بهم إلى مطاردةِ العدوّ حتى تتحوّل مشاعِر الانكسار والحسرة إلى شعورٍ بالغلبة والظهور.

إن أخطرَ هزيمة تحطُّمُ النفوس واستسلام العزائم وذوبان الهِمم، فهذه الطامّة الكبرى، أما الهزيمة على الأرض فهذه سنّة ماضيةٌ وصولاتٌ وجولات، حسم نهايتَها وبشّر بمآلها مالك الملك: وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:118] ، وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ [الحج:40] ، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ [غافر:51] .

سئل الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أو يبتلى؟ قال:"لا يُمكَّن حتى يُبتلى" [2] ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ثم تلا: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِئَايَـ?تِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] " [3] .

قال ورقة بن نوفل لرسول الله: ليتني أكون حيًّا إذ يخرجُك قومك، فقال رسول الله: (( أوَمُخرجيَّ هم؟! ) )، قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا [4] .

لقد تجلَّت التضحياتُ والمواقف النبيلة بالثبات على المبدأ الحقّ عن الصحابة رضوان الله عليهم بما يبهر العقولَ وتعجز الألسُن عن وصفِه، لم يكن مكر العدوّ وكيدُه المسعور ليثنيَهم عن واجبٍ عظيم ورسالةٍ قد آمنوا بها وأُشربوا حبَّها وعاهَدوا الله عليها، وفي أيّام الحصار في شِعبِ أبي طالب كان الصحابة رضوان الله عليهم يلقَون غيرَهم في موسم الحجّ، ولم تثنِهم آلامهم عن تبليغ الدعوة، فأنّ الاضطهادَ لا يقتل الدعوات، بل يزيد جذورَها عُمقًا وفروعَها امتدادًا، وسيزداد المؤمنون بالمحَن صلابةً وقوّة وعزيمة ويقينًا، قال تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:139] .

إخوةَ الإسلام، إنّ هذه الشدائد التي يمرّ بها المسلمون تربِّي جيلا قويًّا قادرًا على البذل في سبيل الله، أمّا جيلُ الميوعةِ والذلِّ والمهانة فهو جيلُ الهزيمة والعار. لما رفض بنو إسرائيل دخولَ الأرض المقدّسة قالوا لموسى: فَ?ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـ?هُنَا قَـ?عِدُونَ [المائدة:24] ، فحكم الله عليهم بالتيه في الصحراء أربعين سنة.

إن الشدائدَ والمحنَ تفجِّر طاقةَ الأمّة وتحرّك الهمَم الخامدة بعد أن تنزلَ بساحتها ضرباتٌ موجِعةَ توقِظ من سباتٍ وتفيق من غفلة.

الأمةُ الإسلامية قدّمت رجالًا هِممهُم كأمثال الجبال، كما قدّمت في ميدان العلم والكفاح أبطالًا، فهدى الله بهم أجيالًا وأجيالًا.

أمّةُ الإسلام لا يُعلم أوّلُها خير أم آخرها، فكما ينبتُ المطرُ العشبَ تنبتُ أمتُنا الأسْدَ الأباة في كلّ زمان وفي كلّ آن. أمةٌ أنبتت قِممًا شُمخًا أمثال خالد بن الوليد والمثنَّى وابن وقّاص، ومن بعدهم صلاح الدين، وقد ينتصر أفرادٌ رغم هزيمة الأمّة.

الأمّة الإسلامية أمةٌ ولود، كلّما فقدت بطلًا ولَّدَ فقدُه أبطالًا يخلفونه ويحملون الراية، ولن تسقطَ الراية أبدًا.

قتِل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاتِح بيت المقدس، قتِل عثمان بن عفان رضي الله عنه فاتحُ الفتوح ظلمًا وعدوانًا، قتِل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ومات بعدهم أبطالُ الإسلام الذين ارتوت الأرض بدمائهم، كلُّ قطرة دمٍ منها تقرِّب أمتَنا إلى النصرِ بإذن الله، وَ?لَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـ?لَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ?لْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6] .

يحكي لنا رسول الله قصةَ الغلام المؤمن الذي صلَبه طاغيةُ عصرِه على جِذع شجرةٍ ليقتله فتموتَ دعوتُه بموته ويحولَ بينه وبين أثره في الناس، ولكن هيهاتَ هيهات، حدث ما لم يكن في الحسبان، قال الناس جميعًا: آمنّا بربِّ هذا الغلام [5] .

جاد الغلامُ بنفسه وضحّى بروحه لتحيا دعوةُ الله في النفوس، هانت عليه نفسُه من أجل العقيدة، والموتُ من أجل عقيدةٍ ومبدأ ربحٌ لا خسارةَ فيه وحياةٌ لا موتَ فيها، والغلام آثر الموتَ وقدّم روحَه ليبقى دين الله ظاهرًا بعده، وليس بالضرورة أن يكونَ النصر دائمًا نصرًا عسكريًّا.

من خلال الأحداث ـ عباد الله ـ التي تجري بمشهد منّا ويقرع صداها أسماعَنا نجد انتصارَ الحقّ على الباطل وشموخَ القوّة في مواجهة الضعف، انتصار الإيمان على القوى المادّية مع كثرة عدَدِها وعتادها، كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ?للَّهِ [البقرة:249] . هذا توجيهٌ ربانيّ يؤكّد انتصارَ الفئة القليلة على الفئة الكثيرة لمن آمن به وتوكّل عليه وأخذ بأسباب النصر.

انتصرتِ الفئة القليلة في غزوة بدر الكبرى على الفئات الكثيرة، وكانت هذه الغزوة فاتحةَ انتصارات إسلاميةٍ متتالية في عهد الرسول وعهد خلفائه الراشدين ومَن بعدهم.

والشعبُ الفلسطيني شعبٌ أعزل، يُقلِق ويحطّم كبرياءَ جيشٍ يحمل القنبلةَ والدبابة والمدفع، ما أعظمَها من بطولة.

ما أعظمها من بطولة يا أطفالَ الحجارة، وما أجلَّها من تضحية يا أمهاتِ أبطال الحجارة، أسلحةٌ وقنابل وصواريخ لمحاربة طفلٍ لا يملك إلا حجارةً وعجوز ترفع يدَيها إلى الله ضراعة، وشيخٍ مقعَد يُقتل غدرًا وخيانة.

إنه إجرامٌ سافر واستخفاف بمشاعر ملايين المسلمين، فأشلاؤه على كرسيِّه، وهو منتقل من محرابه، شاهدٌ على الغدر والخيانة.

كان الشيخ المقعَد نجمًا في السماء، شيّد في قلوبِ المسلمين شُعلةَ تضحية، وأذكى شُحنة عِزٍّ وإباء. إنه جسدٌ على كرسيّ، لكنه كان شجًى في حلق العدوّ وجوًى في جوفه. إرادتُه الفذّة كالطَّود الشامخ تهزّ الأرضَ تحت أقدام الظالمين. رغم كِبَره رغم إعاقته مرّغ أنوفًا وكسَر غطرسةً وكبرياء. سكونه كلام، ولسانُه حُسام. ضعيفُ البنية، لكنه قويّ العزم سامي الهمّة. لم يركن إلى الدنيا، ولم يستسلم للذلّ والعار، ولم يطلب شهرةً وشهوة. جسدُه ضئيل، لكنه كان عملاقًا بمواقفه، عظيمًا بثباته، كتب تأريخًا مشرقًا كإشراقةِ وجهه، وجميلا كابتسامةِ ثغره، وشريفًا كشَرَف قضيّته.

عباد الله، اغتيالُ الأبطال يحقِّق لهم شهادةً هي لهم أمنية، وإن الدماءَ التي سالت على الأرض المقدّسة ستُروّي الأرض لتنجب أسودًا للإسلام، وستزيد أصحابَ الحقّ قوّةً وتؤجّج روحَ التضحية والاستبسال، وستولِّد رُعبًا في قلوب الظالمين، تجعلهم يموتون كلَّ يوم مائة مرَّة هلعًا وخوفًا.

إن اغتيالَ الشيخ المقعَد للقضيّة انتصار، وله كرامة. اغتيالُه يُحيي في القلوب حبَّ الموت على كرامة، وأصحابُ المبادئ لا يؤثِّر فيهم موتُ قائدٍ حتى يتحقَّق النصر بإذن الله، (من كان يعبد محمّدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت) [6] .

إذا حضر أجلُ الأبطال وماتوا كغيرهم دُفِن ذكرهم معهم في قبورهم، ولعلّ من الحكمة أن لا يموتوا إلا موتةَ عزّةٍ تحيي مشاعرَ الأمة وتغذّي معانيَ الهمّة وتذكّر بأعظم قضيّة، وتولّد كلُّ قطرة دم إباءً لا يقبل الهزيمةَ والذلة، وتخلِّد ذكراهم درسًا في البذل والتضحية، لكنّ العدوَّ لا يقرأ أحداث التأريخ، وإذا قرأ لا يفهمه.

إن قراءةَ تاريخ الأمة الإسلامية تبيّن أن هذه الأمةَ كالشجرة الطيبة المباركة، أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، لا تهزّها الرياح، ولا تقتلعها العواصف، كلّما قُطِع منها غصنٌ قويت وزادت صلابتُها.

إنّ هذا الشعبَ كشف للجيل المعاصر أن عزّةَ المسلم لا تتحطّم، وأن الأسلحة تتحطّم إلا إباءَ المسلم فإنه لا يلين.

لقد أنجزت الحجارةُ ما لم تنجزه البنادق؛ أزالت الحجارة حجابَ الخوف الذي هيمَن على قلوب أهل الأرض، حطّمتِ الحجارة أسطورةَ الجنديّ الذي لا يقهَر، لاَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ [الحشر:14] . ذلك أن الحجارةَ يحملها قلبٌ ينبض بعقيدةِ اليوم الآخر، والدبابة تحتضن جسدًا خاويًا يهابُ الموتَ ويحرص على الحياة، وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ?لنَّاسِ عَلَى? حَيَو?ةٍ [البقرة:96] .

الحجارة قطَعت حجابَ الوهن، وجعَلت النفوسَ لا تهاب الموت، شامخةً أبيّة، وَإِذْ يَعِدُكُمُ ?للَّهُ إِحْدَى ?لطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ?لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ?للَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـ?تِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ?لْكَـ?فِرِينَ [الأنفال:7] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيّد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في المناقب (3612، 3852) عن خباب بن الأرت رضي الله عنه.

[2] انظر: زاد المعاد (3/14) .

[3] مدارج السالكين (2/154) .

[4] أخرجه البخاري في بدء الوحي (4) ، ومسلم في الإيمان (160) عن عائشة رضي الله عنها.

[5] قصة الغلام أخرجها مسلم في الزهد (3005) عن صهيب رضي الله عنه.

[6] هذا من كلام أبي بكر رضي الله عنه لما توفي النبي ، أخرجه البخاري في الجنائز (1242) عن عائشة رضي الله عنها.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له إله البريات، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله أجلدُ العباد صبرًا في الملمّات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاةً تنفعنا يومَ العرصات.

أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـ?لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

إخوةَ الإسلام، على أرض فلسطين جاوز الظالمون المدَى، فقد طغَوا واستكبروا وعاثوا في الأرض فسادًا، أهلكوا الحرثَ والنسل، سفكوا الدماءَ، قتلوا الأبرياء، ذَبحوا النساءَ والأطفال، نزعوا الأرضَ من أصحابها، فلماذا يحجم العالم الذي يزعُم أنه متحضِّر عن ردع المعتدِي والأخذ على يديه؟! أين المعاهدات والمواثيق؟! أين دعاةُ السلام والداعون له؟!

إنّ الطغيان إذا فشا والظلم إذا تعاظم يسوق أصحابَه إلى الهلاك وهم لا يشعرون، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّى? إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـ?هُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44] .

البطش والاستكبار وجسامة التحدِّي تتطلّبُ من الأمّة أن تسموَ إلى مستوى الأحداث، فتنفُض عن نفسها معوِّقات العزائم ومولِّدات العَجز وإرهاصات الضَّعف.

إنَّ قضيةَ فلسطين شأن كلّ مسلمٍ وقضيةُ كلّ مسلم، وإنّ الأمةَ ستمضي في عزمها متمسكةً بحقِّها المشروع وقدسِها المسلوب، ولن تضيع دماءُ الشهداء هدرًا، وكلّما اشتدَّت الظلمات قرُب انبلاجُ الفجر، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ [ص:88] .

إخوةَ الإسلام، لنا أن نتساءل: ما هي الأسباب التي يرفع الله بها عن الأمّة البلاء؟ كيف ترفعُ الأمة عن نفسها البلاء؟ بأسبابٍ إخوةَ الإسلام:

أولها: تقوى الله بفعل أوامِره واجتناب نواهيه، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] ، ويقول رسول الله: (( احفظ الله يحفظك ) ) [1] ، احفَظ أوامرَ الله ونواهيَه في نفسك يتولَّك ويرعَك ويُسدِّدك ويكن لك نصيرًا في الدنيا والآخرة، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ?للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] .

ثانيها: أعمال البرِّ والإحسان إلى الخلق، وفي الحديث: (( صدقة السرِّ تطفئ غضبَ الربّ، وصلةُ الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارعَ السوء ) ) [2] .

ثالثها: الدعاء، وفي الحديث: (( لا يردّ القضاءَ إلا الدعاء، ولا يزيدُ في العمرَ إلا البر ) ) [3] . قال السلف رضي الله عنهم: الدعاء عدوّ البلاء؛ يدفعه ويعالجه ويمنع نزولَه.

رابعًا: الإكثار من الاستغفار والذكر، قال سبحانه: وَمَا كَانَ ?للَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] . وكشف الله الغمّةَ عن يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت لكثرةِ تسبيحه واستغفاره، فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ?لْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143، 144] ، يقول عمر رضي الله عنه للصحابة: (لستم تنصَرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء) [4] .

ألا وصلّوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين...

[1] أخرجه أحمد (1/293) ، والترمذي في صفة القيامة (2516) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الضياء المقدسي في المخارة (10/25) ، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461) :"روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة... وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وهو في صحيح السنن الترمذي (2043) .

[2] أخرجه الطبراني في الكبير (8/261) عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال المنذري في الترغيب (2/15) والهيثمي في المجمع (3/115) :"إسناده حسن"، وله شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة منهم: أنس ومعاوية بن حيدة وأبو سعيد وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة وأبو هريرة وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم، ولذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب (889) .

[3] أخرجه الترمذي في القدر (2139) عن سلمان رضي الله عنه، وقال:"حديث حسن غريب من حديث سلمان"، وله شاهد أخرجه أحمد (5/277، 280، 282) ، وابن ماجه في المقدمة (90) عن ثوبان رضي الله عنه، ولذا حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (154) .

[4] انظر: الجواب الكافي (ص14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت