أديان وفرق ومذاهب
أديان, مذاهب فكرية معاصرة
محمد بن مبارك الرشدان
الخبر
الجامع الكبير
1-مظاهر وصور من الدعوة لوحدة الأديان. 2- الإسلام والقرآن ناسخان لجميع الكتب السابقة وأديانها. 3- الكتب السابقة محرفة. 4- رسولنا خاتم الأنبياء وإمامهم. 5- وجوب اعتقاد كفر الكافرين واستحقاقهم النار. 6- مخاطر الدعوة إلى وحدة الأديان.
أيها المسلمون، إن من الانحرافات الخطيرة التي بدأت تنتشر؛ خاصة في عصر الفضائيات؛ الدعوة إلى وحدة الأديان، أو التقارب بين الأديان (الإسلام والمسيحية واليهودية) وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء: مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد.
وقد انطلت هذه الدعوى على بعض البسطاء والسذّج من المسلمين، وراحوا ينادون أن الإسلام دين السلام والوئام، وأنه لا داعي للجهاد! وأخذنا نسمع من يقول ـ من المسلمين ـ لرأس الكفر في النصرانية: يا قداسة البابا!! ومن يقول ـ من المسلمين ـ: نحن والمسيحيين إخوة؛ لأننا أصحاب دين سماوي!!
وهذه ـ يا إخواني ـ دعوة باطلة؛ بطلانها وفسادها واضح!! ولو سألت عوام المسلمين: هل يجوز أن يطبع المصحف الشريف مع تحريفات اليهود للتوراة والإنجيل؟؟ عوام المسلمين الذين يقرؤون القرآن يردّون هذه الدعوى الكاذبة بمثل قول الحق سبحانه: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـ?مَ ?للَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] ، ولكن هكذا يروج الكفر والضلال عندما يبتعد المسلمون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ وتنطلي على جهلة المسلمين أمثال هذه الدعاوى المشبوهة؛ في عصر الفضائيات والدعايات التي تجعل من الكفر حقًا وإيمانًا، ومن الجهاد عنفًا وإرهابًا، ومن الرقص والخلاعة فنًا وذوقًا!! فيا مسلمون: ماذا بعد الحق إلا الضلال؟
عباد الله، ولكن حتى يتضح الحق، وتقوم الحجة، ومن باب النصح لكم؛ نقف هذه الوقفات؛ لردّ تلك الفكرة الخبيثة التي تدعو إلى وحدة الأديان.
الوقفة الأولى: أن من أصول الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة، التي أجمع عليها المسلمون: أنه لا يوجد على وجه الأرض دينٌ حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع، فلم يبقَ على وجه الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ?لآخِرَةِ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [آل عمران:85] . والإسلام بعد بعثة محمد هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان.
الوقفة الثانية: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله ـ تعالى ـ: (القرآن الكريم) هو آخر كتب الله نزولًا وعهدًا برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل، من التوراة والزبور والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتاب منزل يُتعبد الله به سوى: (القرآن الكريم) قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ بِ?لْحَقّ مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ?لْكِتَـ?بِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَ?حْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ ?لْحَقّ [المائدة:48] .
الوقفة الثالثة: يجب الإيمان بأن (التوراة والإنجيل) قد نُسِخا بالقرآن الكريم، وأنه قد لحقهما التحريف والتبديل بالزيادة والنقصان كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم منها قول الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـ?قَهُمْ لَعنَّـ?هُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ?لْكَلِمَ عَن مَّو?ضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمُ [المائدة:13] ، وقوله جل وعلا: فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ?لْكِتَـ?بَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـ?ذَا مِنْ عِندِ ?للَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] ، وقوله سبحانه: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِ?لْكِتَـ?بِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ?لْكِتَـ?بِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـ?بِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ?للَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ ?لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78] .
ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف أو مبدل. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غضب حين رأى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ألم آتِ بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي ) ) [1] .
الوقفة الرابعة: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام: أن نبينا ورسولنا محمدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـ?كِن رَّسُولَ ?للَّهِ وَخَاتَمَ ?لنَّبِيّينَ [الأحزاب:40] ، فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى محمد، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًا لما وسعه إلا اتباعه ـ وأنه لا يسع أتباعهم إلا ذلك ـ كما قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ ?للَّهُ مِيثَـ?قَ ?لنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـ?بٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذ?لِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَ?شْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ?لشَّـ?هِدِينَ [آل عمران:81] . ونبي الله عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعًا لمحمد وحاكمًا بشريعته. وقال الله تعالى: ?لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ?لرَّسُولَ ?لنَّبِىَّ ?لامّىَّ ?لَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ?لتَّوْرَاةِ وَ?لإِنجِيلِ [الأعراف:157] . كما إن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ:28] ، وقال سبحانه: قُلْ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ?للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] ، وغيرها من الآيات.
الوقفة الخامسة: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم وتسميته كافرًا، وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار كما قال تعالى: لَمْ يَكُنِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتَّى? تَأْتِيَهُمُ ?لْبَيّنَةُ [البينة:1] ، وقال جل وعلا: إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ ?لْبَرِيَّةِ [البينة:6] ، وغيرها من الآيات.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار ) ).
ولهذا، فمن لم يكفّر اليهود والنصارى فهو كافر، للقاعدة الشريعة: (من لم يكفّر الكافر فهو كافر) .
الوقفة السادسة: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية؛ فإن الدعوة إلى: (وحدة الأديان) والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجرّ أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله ـ سبحانه ـ: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ حَتَّى? يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] ، وقوله جل وعلا: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] .
الوقفة السابعة: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله ـ جل وتقدس ـ يقول: قَـ?تِلُواْ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَلاَ بِ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ?للَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ?لْحَقِّ مِنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ حَتَّى? يُعْطُواْ ?لْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـ?غِرُونَ [التوبة:29] ، ويقول ـ جل وعلا ـ: وَقَاتِلُواْ ?لْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـ?تِلُونَكُمْ كَافَّةً وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لْمُتَّقِينَ [التوبة:36] .
[1] أخرجه: أحمد والدارمي.
الحمد لله رب العالمين..
الوقفة الثامنة: إن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تتصادم مع أصول دين الإسلام، فالإيمان بهذه الفكرة رضا بالكفر بالله ـ عز وجل ـ، ويبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، ويبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان؛ وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع.
لذلك أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى بهذا، وبينت فيه:
1-أنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولًا، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلًا عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها.
2-لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردَين، فكيف مع القرآن الكريم في غلاف واحد!! فمن فعل ذلك أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة والإنجيل) .
3-كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة: (بناء مسجد وكنيسة ومعبد) في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة ولأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى هي من عند الله، ـ تعالى الله عن ذلك ـ.
كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلها يَعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة على غير دين الإسلام، والله ـ تعالى ـ يقول: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ?لآخِرَةِ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [آل عمران:85] ، بل هي: بيوت يُكفر فيها بالله. نعوذ بالله من الكفر وأهله.
الوقفة التاسعة: ومما يجب أن يُعلم أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة؛ ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام؛ وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة قال الله ـ تعالى ـ: قُلْ ي?أَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ تَعَالَوْاْ إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ?للَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ?للَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ?شْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] . أما مجادلتهم واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون؛ والله المستعان على ما يصفون. قال تعالى: وَ?حْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ?للَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49] .
اللهم إنا نسألك الهدى...