فهرس الكتاب

الصفحة 2502 من 5777

عذاب النار

الرقاق والأخلاق والآداب

الجنة والنار

عادل بن عدنان النجار

الكويت

العثمان

1-وصف النار. 2- صور من معاناة أهل النار وبؤسهم وطعامهم وشرابهم. 3- أهون أهل النار عذابًا.

أما بعد:

أيها الناس اتقوا الله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، اتقوا النار وعذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بطاعة الله وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى? رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجّى ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّنَذَرُ ?لظَّـ?لِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:71، 72] .

هي دار البوار، دار البؤس والشقاء والخزي والعار، دار من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ساكنوها شرار خلق الله تعالى من الشياطين وأتباعهم قال الله تعالى مخاطبا إبليس: قَالَ فَ?لْحَقُّ وَ?لْحَقَّ أَقُولُ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:84، 85] ، فهي دار فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف وغيرهم من طغاة الخلق وفجارهم، دار عبد الله بن أُبي بن سلول، وأضرابه من منافقي هذه الأمة وخونتها، هؤلاء سكنها؛ كفار فجرة، وطغاة ظلمة ومنافقون خونة.

ولئن سألتم عن مكانها فإنها في أسفل سافلين وأبعد ما يكون عن رب العالمين، فهي دار عقاب الله، فأبعدت عن رحمة الله وعن دار أولياء الله، يؤتى بها يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حرها شديد وقعرها بعيد قال النبي: (( نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ) ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ: (( تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا ) ). وفي الصحيحين عنه أنه قال: (( يقال لليهود والنصارى ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربَنا فاسقنا، فيشار إليهم: أفلا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ) )، قال الله تعالى: وَنَسُوقُ ?لْمُجْرِمِينَ إِلَى? جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:86] .

عباد الله، ما ظنكم بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف عام لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة، قد تقطعت أكبادهم جوعًا واحترقت أجوافهم عطشًا ثم انصرف بهم إلى النار وهو يطمعون في الشراب فلا يجدون إلا النار يلقون فيها إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ [الملك:7] قد ملأها الله غيظًا وحنقًا عليهم تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ [الملك:8] يلقون فيها أفواجًا، يقابلون بالتقريع والتوبيخ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى? قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ?للَّهُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـ?لٍ كَبِيرٍ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـ?بِ ?لسَّعِير [الملك:8-10] ، عند ذلك تتقطع قلوبهم أسفًا وتذوب أكبادهم كمدًا وحزنًا، فإذا دخلوها فما أعظم عذابهم وما أشد عقابهم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ?لنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذ?لِكَ يُخَوّفُ ?للَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ي?عِبَادِ فَ?تَّقُونِ [الزمر:16] طعامهم الزقوم، شجر خبيث مر الطعم نتن الريح كريه المنظر يتزقمونه تزقمًا لكراهيته وقبحه، ولكن يلجئون إليه لشدة جوعهم، فلا يسمنهم ولا يغنيهم من جوع.

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ ) )فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ.

فإذا ملؤوا بطونهم من هذا الطعام الخبيث، التهبت أكبادهم عطشًا فلا يهيأ لهم شراب، وإنهم ليستغيثون وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ [الكهف:29] كالرصاص المذاب يَشْوِى ?لْوجُوهَ [الكهف:29] حتى تتساقط لحومها بِئْسَ ?لشَّرَابُ [الكهف:29] يشربونه على كره واضطرار فَشَـ?رِبُونَ شُرْبَ ?لْهِيمِ [المعارج:55] ، يشربون كما تشرب الإبل العطاش، فإذا سقط في أجوافهم قطع أمعاءهم، هو كالمهل في حرارته، وكالصديد في نتنه وخبثه وَ?سْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيد ٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ?لْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15-17] .

أما لباسهم فلباس الشر والعار قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ [الحج:19] على قدر أبدانهم، لا تقيهم حر جهنم ولكن تزيدها اشتعالا فيها وحرارة سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى? وُجُوهَهُمْ ?لنَّارُ [إبراهيم:50] في عذاب مستمر دائم لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75] كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب، وكلما خبت نارها زادها الله سعيرًا كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى? نَزَّاعَةً لّلشَّوَى? تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى? وَجَمَعَ فَأَوْعَى [معارج:15-18] يرتفع بهم لهبها إلى أعلاها كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ?لنَّارِ ?لَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ [السجدة:20] ينوع عليهم العذاب فلا يستريحون فيقولون (لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ) .

والله لا يطمعون في التخفيف الدائم ولا في الانقطاع ولو ساعة، إنما يسألون أن يخفف عنهم يومًا واحدًا من العذاب، ولكن لا تجيبهم الملائكة إلا بالتوبيخ والتهكم تقول لهم: قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِ?لْبَيّنَـ?تِ قَالُواْ بَلَى? قَالُواْ فَ?دْعُواْ وَمَا دُعَاء ?لْكَـ?فِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـ?لٍ [غافر:50] ، فلا يستجاب لهم لأنهم لم يستجيبوا للرسل حين دعوهم إلى الله وعبادته في الدنيا، وحينئذ يتمنون الموت من شد العذاب فيقولون: ي?مَـ?لِكُ وهو خازن النار ِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فيقول لهم بعد ألف عام إِنَّكُمْ مَّـ?كِثُونَ [الزخرف:77] ، لَقَدْ جِئْنَـ?كُم بِ?لْحَقّ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـ?رِهُونَ [الزخرف:78] ، كَذ?لِكَ يُرِيهِمُ ?للَّهُ أَعْمَـ?لَهُمْ حَسَر?تٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـ?رِجِينَ مِنَ ?لنَّارِ [البقرة:167] ، ثم يتوجهون إلى رب العالمين ذي العظمة والجلال والعدل في الحكم والفعال فيقولون: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـ?لِمُونَ [المؤمنون:106، 107] فيقول لهم أحكم الحاكمين قَالَ ?خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَ?غْفِرْ لَنَا وَ?رْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ?لرحِمِينَ فَ?تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى? أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:108-110] .

أيستهان بهذا عباد الله فلتتقوا الله ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .

عباد الله، قال النبي: (( إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْليِ الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا ) ). وقال النبي: (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ) )؛ إنه والله لينسى كل نعيم مرّ به في الدنيا وقد غمس بالنار غمسة واحدة، فكيف وهو مخلد فيها أبدًا.

يقول الله تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ?للَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:167، 168] ويقول تعالى: وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23] ويقول تعالى: إِنَّ ?للَّهَ لَعَنَ ?لْكَـ?فِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ?لنَّارِ يَقُولُونَ ي?لَيْتَنَا أَطَعْنَا ?للَّهَ وَأَطَعْنَا ?لرَّسُولاَ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ?لسَّبِيلاْ رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ?لْعَذَابِ وَ?لْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِير [الأحزاب:64- 68] .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت