أديان وفرق ومذاهب, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, فرق منتسبة
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما في الفتنة. 2- كلام ابن تيمية في الخروج على الولاة. 3- موقف أهل السنة والجماعة في الخروج على الحكام.
روى البخاري في صحيحه عن الحسن البصري قال: استقبل ـ والله ـ الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنِّي لأرى كتائب لا تولِّي حتَّى تقتل أقرانها، فقال معاوية وكان والله خير الرجلين: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه، فتكلَّما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنَّا بنو عبد المطَّلب قد أصبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمَّة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنَّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما عن شيء إلاَّ قالا له: نحن لك به، فصالحه.
قال الحسن البصري ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله على المنبر ـ والحسن بن علي إلى جنبه ـ وهو يقبل على الناس مرَّةً وعليه أخرى ويقول: (( إنَّ ابني هذا سيِّد، ولعلَّ الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ).
هذا الخبر يدلُّ على أمور:
فيدلُّ أوَّلا: على أنَّ الصلح بين علي ومعاوية كان أفضل من القتال مع إحدى الطائفتين، وإن كان علي بن أبي طالب أقرب إلى الحقِّ وأولى به، ومع ذلك فقد رضي بالصلح وشرع فيه، ثمَّ مات قبل إتمامه، فلمَّا خلفه ابنه الحسن أتمَّ ذلك فتنازل لصالح معاوية حقنًا للدماء، وإخمادًا لنار الفتن، وإرغامًا للأمم الحاقدة المتربِّصة من الصليبيين واليهود والمجوس، فحاز بذلك وصف الشرف على لسان النبي قبل أن يقع بسنوات، حيث قال: (( ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) )، وكان ذلك من دلائل النبوة. وقد وقع الصلح، وشاع الوئام بين الأمَّة، فسمِّي بعام الجماعة.
ثانيًا: الذين اعتزلوا القتال فلم يقاتلوا في تلك الحروب لا مع علي ولا مع أهل الجمل ولا مع معاوية كانوا أحقَّ الناس وأصوبَهم، وكانوا جمهور الصحابة ومعظمهم، ومن أشهرهم من أهل الشورى ابن عمر وسعد بن أبي وقاص.
وممَّا يدلُّ على تصويب هؤلاء وهم جمهور الصحابة الذين امتنعوا عن القتال مع إحدى الطائفتين واعتزلوا الفريقين ما ورد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال: (( يُهلك أمَّتي هذا الحيُّ من قريش ) )قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (( لو أنَّ الناس اعتزلوهم ) )متفق عليه.
ثالثًا: من ينظر في التواريخ وما جرى من الفتن والمحن في هذه الأمَّة يجد أنَّه ما من فتنة وقعت إلاَّ كان سببها قتال الأمراء وعدم الصبر على جورهم.
قال ابن تيمية:"قلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلاَّ كان ما تولَّد على فعله من الشرِّ أعظم ممَّا تولَّد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلَّب الذي خرج على [أبيه] بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء. وغاية هؤلاء إمَّا أن يُغلبوا، وإمَّا أن يغلبوا ثمَّ يزول ملكهم، فلا يكون لهم عاقبة. فإنَّ عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأمَّا أهل الحرَّة وابن الأشعث وابن المهلَّب وغيرهم فهزموا، وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا، ولا أبقوا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا".
وقال في موضع آخر:"لعلَّه لا يكاد يعرف طائفةٌ خرجت على ذي سلطان إلاَّ وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته".
وقال ابن القيِّم:"الإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم أساس كلِّ شرّ، وفتنةٌ إلى آخر الدهر... ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطُلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه".
وقد نبَّه على هذا حديث ابن عمر عن النبيِّ قال: (( ينشأ نشء يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلَّما خرج قرنٌ قطع ) )، قال ابن عمر: سمعت رسول الله يقول: (( كلَّما خرج قرنٌ قطع ـ أكثر من عشرين مرَّة ـ حتَّى يخرج في عراضهم الدجَّال ) )ابن ماجة بسند صحيح.
فهذا خبر الصادق المصدوق بأنَّ هؤلاء الخارجين على الأمراء والولاة لا يكاد يخلو منهم زمان إلى أن يخرج الدجَّال في عراضهم، فيكون منهم في كلِّ زمان جيلٌ أو طائفة إلى آخر الزمان، كلَّما خرجت منهم طائفة قُطعت، سواء تغلَّبت أو انهزمت، وسواء قُطعت من قبل أهل الحقِّ أو من قبل أئمَّة الجور والبغي.
فأخبر الصادق المصدوق أنَّ معاركهم خاسرة فقال: (( كلَّما خرج قرن قطع ) ). والقرن هو الجيل والطبقة من الناس. فالخارج على السلطان مآله إلى الخسران، ولا بدَّ. فإنَّه إمَّا أن يقطع قبل الظفر، وإمَّا أن يَغلب فلا يلبث أن يخرج عليه من يقطعه. وهذا هو الذي وقع في تاريخ هذه الأمَّة، ومن طالع تواريخ الدول والملوك والأمراء من هذه الأمَّة رأى من ذلك عجائب وأوابد. فهذا يدلُّك على أنَّه لا يجتنى من قتال الأمراء إلاَّ الشرّ، وأنَّ الخروج عليهم طريقٌ مقطوع بنصِّ الحديث، وليس بعد الحقِّ إلاَّ الضلال. ولكن قلَّ من يعتبر، ولهذا قال الحسن البصري:"إنَّ هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كلُّ عالم، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل".
فالله المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.
رابعًا: وبناء على ما تقدَّم اتفق أهل السنَّة والجماعة على أنَّ قتال الحكام حرام، لما يؤول إليه من الفتن، وقد صار هذا أصلًا من أصول أهل السنَّة والجماعة، يتواصون به قرنًا بعد قرن.
ومن المنقول عن السلف وأهل العلم من جمل عقائدهم في ذلك ما يلي:
قال سفيان الثوري فيما أملاه على شعيب بن حرب:"يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتَّى ترى الصلاة خلف كلِّ بر أو فاجر ـ يعني من الأمراء ـ والصبر تحت لواء السلطان، جار أم عدل".
وعن حرملة بن يحيى قال: سمعت سفيان بن عيينة، وسئل عن قول الناس: السنَّة والجماعة وقولهم: فلان سنِّي جماعي، وما تفسير السنَّة والجماعة؟ فقال:"الجماعة ما اجتمع عليه أصحاب محمَّد من بيعة أبي بكر وعمر، والسنَّة الصبر على الولاة وإن جاروا، وإن ظلموا".
وقال أحمد بن حنبل في عقيدته التي نقلها عنه عبدوس بن مالك العطَّار:"ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمن فعل ذلك، فهو مبتدعٌ على غير السنَّة والطريق".
وقال علي بن المديني في عقيدته التي أملاها على سهل بن محمَّد:"ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنَّة".
وقال الإمام حافظ الإسلام محمَّد بن إسماعيل البخاري في عقيدته:"لقيتُ أكثر من ألف رجل من أهل العلم؛ أهل الحجاز ومكَّة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر، لقيتهم كرَّات قرنًا بعد قرن، ثمَّ قرنًا بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة... فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء:... وأن لا ننازع الأمر أهله، لقول النبيِّ: (( ثلاثٌ لا يغلُّ عليهنَّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم. فإنَّ دعوتهم تحيط من وراءهم ) )... وأن لا يرى السيف في أمَّة محمَّد. وقال الفضيل بن عياض: لو كانت لي دعوةٌ مستجابة، لم أجعلها إلاَّ في إمام ـ أي: الحاكم ـ لأنَّه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد".
وقال الإمامان الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان:"أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم:... ولا نرى الخروج على الأئمَّة، ولا القتال في الفتنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"المشهور من مذهب أهل السنَّة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمَّة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم، كما دلَّ على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبيِّ".
وقال ابن تيمية أيضًا:"نهى النبيُّ عن القتال في الفتنة، وكان ذلك من أصول السنَّة. وهذا مذهب أهل السنَّة والحديث وأئمَّة أهل المدينة من فقهائهم وغيرهم".
قال أبو بكر المرُّوذي: سمعت أحمد بن حنبل يأمر بكفِّ الدماء، وينكر الخروج إنكارًا شديدًا.
وقال أبو الحارث الصائغ: سألت أحمد بن حنبل في أمر كان حدث ببغداد، وهمَّ قومٌ بالخروج، فقلت: يا أبا عبد الله، ما ترى في الخروج مع هؤلاء؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول:"سبحان الله! الدماء الدماء! لا أرى ذلك ولا آمر به. الصبر على ما نحن فيه خيرٌ من الفتنة يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم. أما علمت ما كان الناس فيه؟!"يعني أيَّام الفتنة. قلت: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟! قال:"وإن كان، فإنَّما هي فتنةٌ خاصَّة، فإذا وقع السيف عمَّت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك". ورأيته ينكر الخروج على الأئمَّة وقال:"الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به".
وقال علي بن عيسى: سمعت حنبل بن إسحاق يقول: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، فقالوا له: يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا، يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك. فقال لهم أبو عبد الله: فما تريدون؟ قالوا: أن نشاورك في أنَّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فناظرهم أبو عبد الله ساعة، وقال لهم:"عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقُّوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتَّى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر"، وقال:"هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر".
فصارت هذه ترجمةً من تراجم أهل السنَّة والجماعة في عقيدتهم يتواصَون بها، ونقل فيها جماعة الإجماعَ عليها.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.