فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 5777

شرح كلمة أبى سليمان الداراني عن ركني السعادة

الرقاق والأخلاق والآداب

مكارم الأخلاق

عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

مكة المكرمة

جامع الفرقان

كلمة أبي سليمان الداراني في ركني السعادة وهما: 1- الإحسان مع الله 2- الإحسان إلى

الخلق - تعريف الإحسان , والآيات في سعة علمه تعالى واطلاعه على عباده - إحسان العبادة

مع الله يكون بالإخلاص والمتابعة - الإحسان إلى الخلق بدعوتهم إلى الهدى وبالنفع الدنيوي

ارتباط الإحسان إلى الله بالإحسان إلى خلقه في كثير من الآيات - أهمية إصلاح السريرة

وارتباط ذلك بالعلانية

أما بعد:

فيا عباد الله: كلمات من عيون الحكمة فاه بها أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه: (( من أصلح سريرته أصلح الله علانيته, ومن أصلح آخرته أصلح الله دنياه, ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ) ), وقد صدق والله, فمن جمعت فيه تلك الخصال الثلاث جمع الله فيه سعادة الدنيا والآخرة. أجل إن ركني السعادة هما:

1-الإحسان في عبادة الله جل وعلا.

2-والإحسان إلى خلقه.

فمن حققهما عاش سعيدًا ومات حميدًا, لا شيء في تعريف الإحسان أجمع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عنه جبريل: (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ) [1] . ولأنك تعبده وأنت مستشعر رقابته عليك وإطلاعه عليك في كل شئونك, وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه , وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين , ألم تر أن الله يعلم ما في السموات والأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم , يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يعلم السر وأخفى والأخفى من السر هي ذات الصدور الملازمة لها, وهي الخطرات الملازمة للصدور التي لم يتكلم بها صاحبها فهو سبحانه يعلمها وإن كان لا يؤاخذ عليها كما صح عنه صلى الله عليه وسلم (( إن الله عفا عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تفعل أو تتكلم ) ) [2] , فخطرات القلوب يعلمها الله وكيف لا يعلمها وهو خالقها ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ومن لطفه أنه لا يؤاخذ بها بل يعفو عنها ويصفح ما لم يفعل المرء شيئًا أو يتكلم, فالكلام مؤاخذ به.

قال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟, قال الرسول: (( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: (( على مناخرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم ) ) [3] .

والعزم المصمم فعل يؤاخذ به الإنسان, قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. فقالوا يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول. قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) ) [4] , فهو في النار بحرصه وعزمه المصمم على قتل المسلم. وما سوى ذلك من الخطرات فهي عفو: فضل من الله ورحمة ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدًا قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير لهم مما يجمعون وبفضل الله تصلح قلوبنا وأعمالنا وما لنا سواه من هاد والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.

وما بكم من نعمة فمن الله وأعظم نعمة علينا هي نعمة الهداية , وكلما ازداد المرء في مراتب الهداية كان ذلك دليلًا على زيادة نعمة الله عليه لأن تمام النعمة في كمال الدين. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا , فبقدر ما يزيد أخذ المرء من هذا الدين, وعمله به ودعوته إليه وجهاده فيه يكون ذلك دليلًا على أن نعمة الله عليه أعظم.

فمن أحسن في عبادة خالقه فقد حقق أحد ركني السعادة وإحسان العبادة يكون بأمرين:

1-الإخلاص لله.

2-متابعة هذا النبي الكريم.

فلا رياء ولا بدعة الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا , قال الفضيل بن عياض (أحسنه أخلصه وأصوبه) , وكان عمر رضي الله عنه يقول في دعائه: (( اللهم اجعل عملي صائبًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل فيه لأحد شيئًا ) ), خالصًا لقوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا. صوابًا على وفق سنته صلى الله عليه وسلم , فقد قال رسول الله: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ) [5] , (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) [6] . فنوحد الرسول بالمتابعة, ونوحد الله بالعبادة, وحينئذ يكون الله معنا إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

والركن الثاني من أركان السعادة هو الإحسان إلى الخلق , فالخلق عيال الله, وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله, وأعظم نفع للخلق نفعهم فيما يقربهم إلى الله بتعليمهم دينهم وحثهم عليه وتربيتهم عليه, ذلك أفضل من إطعام الطعام وبذل الكساء وإعطاء الدواء والغذاء, إذ لو مات العبد جائعًا عاريًا ظامئًا وهو لا يشرك بالله شيئًا كان من السعداء في الآخرة, ولو مات ريان شبعان وهو غير مؤمن كان من أهل النار.

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط, فيقول: ما رأيت نعيمًا قط ) )أنسته هذه الغمسة كل نعيم الدنيا: (( ويؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل مر بك بؤس قط؟. فيقول: ما رأيت بؤسًا قط ) ) [7] .

فالإحسان إلى الخلق بيان طريق الهداية لهم والإحسان إليهم بالمنافع الدنيوية سبب جالب للسعادة وفقده جالب للشقاوة.

والإحسان إلى الخلق هو من تمام الإحسان في عبادة الله فآل الركنان إلى ركن واحد جالب للسعادة, قال سبحانه: ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين ولم نك نطعم المسكين فسبب دخولهم سقر هو تركهم الإحسان إلى الله (الصلاة) والإحسان إلى الخلق (إطعام المسكين) .

وقال جل وعلا: أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فقد تركوا الإحسان إلى الخلق فهو يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين وترك الإحسان إلى الله: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون. وكم قرن الله بينهما في كتابه وحث عليهما ووبخ تاركها فمال أكثر الخلق عن القرآن لأهون, وعن أسباب السعادة في غيره يلتمسون. تالله من رامها في غيره فهم في غيهم يعمهون. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: والذين أتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مآب.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح البخاري (50) وصحيح مسلم (8) .

[2] صحيح البخاري (5269) .

[3] مسند أحمد (5/31،237) سنن الترمذي (2616) سنن ابن ماجة (3973) .

[4] صحيح البخاري (31) ، صحيح مسلم (2888) .

[5] صحيح البخاري (2697) ، صحيح مسلم (1718) .

[6] صحيح مسلم (1718) .

[7] صحيح مسلم (2807) .

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله , لقد جاءت رسل ربنا بالحق , والصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد فيا عباد الله إن السعادة كلها في القرآن , والإحسان في عبادة الله، وما الإحسان إلى خلقه إلا من الإحسان في عبادته. فكم أمرنا ربنا في كتابه بالإحسان إلى خلقه وكم حث على ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم حتى قال: (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء, فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) ) [1] .

قال أبو سليمان (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته) ومصداق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (( ألا وإن في الجسد مضغة, إن صلحت صلح سائر الجسد وإن فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب ) ) [2] , وقال: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) [3] .

(ومن أصلح آخرته أصلح الله دنياه) وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: (( من جعل الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة , ومن جعل الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ) ) [4] .

قال رحمة الله عليه (ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس) , وقد كتب معاوية رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة: أن عظيني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتبت إليه وقد ولي الخلافة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن التمس سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ).

فلنوحد القصد يا عباد الله ولنوحد الهم ولنلم شتات القلب فما خاب من قصده سبحانه في الحوائج والملمات, وما خسر من أحسن في عبادته حتى مات ألا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين.

[1] صحيح مسلم (1955) .

[2] صحيح البخاري (52) ، صحيح مسلم (1599) .

[3] صحيح مسلم (2564) .

[4] مسند أحمد (5/183) ، سنن أبي داود (1668) ، سنن الترمذي (2465) ، سنن ابن ماجة (4105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت