الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-التحذير من النار في الكتاب والسنة. 2- خوف الصالحين من النار واستعاذتهم بالله منها. 3- بعض أحوال أهل النار. 4- بعض صفة النار وما فيها من العذاب. 5- الشهوات بريد النار. 6- نداءات أهل النار.
أما بعد: إن الله جل وتعالى خلق الخلق ليعبدوه، ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه، ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه، التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر سبحانه وتعالى في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال.
لقد حذرنا الله عز وجل من النار في غير ما آية من كتابه، وأنذرنا منها رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث.
قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، وقال تعالى: فَ?تَّقُواْ ?لنَّارَ ?لَّتِى وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـ?فِرِينَ [البقرة:24] ، وقال تعالى: لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ?لنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذ?لِكَ يُخَوّفُ ?للَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ي?عِبَادِ فَ?تَّقُونِ [الزمر:16] .
وعن عدي بن حاتم قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار، فأعرض وأشاح، ثم قال: (( اتقوا النار ) )ثم أعرض وأشاح، حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) )أخرجه البخاري ومسلم.
وروى مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفَراش وهذه الدواب التي في النار يَقَعْن فيها، وجعل يحجُزُهنّ ويغلِبْنَه فيتقحَّمْن فيها قال: فذلكم مثليَ ومثلكم، أنا آخذ بحُجَزِكم عن النار، هَلُمّ عن النار، هَلُمَّ عن النار، فتغلبوني وتقحَّمون فيها ) ).
ومقصود هذا الحديث كما ذكره النووي أنه صلى الله عليه وسلم شبّه تساقط الجاهلين والمخالفين لأمر الله بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك، من منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساعٍ في ذلك بجهله، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ?لأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فعَمَّ وخَصّ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار.. ) )إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: (( يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا ) ).
يحكى عن يوسف بن عطية، عن المعلَّى بن زياد أنه قال: كان هَرم بن حيان يخرج في بعض الليالي وينادي بأعلى صوته: عجبت من الجنة كيف نام طالبها، وعجبت من النار كيف نام هاربها، ثم يقول: أَفَأَمِنَ أَهْلُ ?لْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـ?تًا وَهُمْ نَائِمُونَ [الأعراف:97] .
أيها المسلمون، لقد امتدح الله عز وجل عباده المؤمنين، أولي الألباب بأنهم يخافون من النار فقال عز وجل: إِنَّ فِى خَلْقِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَ?خْتِلَـ?فِ ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ لاَيَـ?تٍ لاِوْلِى ?لاْلْبَـ?بِ ?لَّذِينَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ قِيَـ?مًا وَقُعُودًا وَعَلَى? جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـ?طِلًا سُبْحَـ?نَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ?لنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ أَنْصَـ?رٍ [آل عمران:190-192] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يستعيذ من النار كما يقول ذلك أنس رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري في صحيحه: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ). ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( اللهم إني أعوذ بك من حر جهنم ) ).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو نادى منادٍ من السماء، أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا هو) .
وأخرج الإمام أحمد من طريق عبد الله بن الرومي قال: بلغني أن عثمان رضي الله عنه قال: لو أني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتِها يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتِها أصير.
فيا عباد الله، إذا كان هذا حال رسولنا صلى الله عليه وسلم، وحال صحابته من بعده، فحري بنا أن يكون خوفنا من النار أشد منهم، لأن أعمالنا وإخلاصنا لا يقاس إلى أعمالهم وإخلاصهم. والخوف وحده لا يُنَجِّي أحدًا من النار. فالقدر الواجب من الخوف ما حَمَلَ على أداء الفرائض واجتناب المحارم.
تأمل يا عبد الله إذا جيء بجهنم إلى الموقف، تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال تعالى: وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ?لإِنسَـ?نُ وَأَنَّى? لَهُ ?لذّكْرَى? يَقُولُ ي?لَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:23-26] .
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) )رواه مسلم.
أيها المسلمون، لقد أعدّ الله لأهل النار طعامًا هو الزقوم، وشرابًا هو الحميم فقال سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ?لضَّالُّونَ ?لْمُكَذّبُونَ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ فَمَالِئَونَ مِنْهَا ?لْبُطُونَ فَشَـ?رِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ?لْحَمِيمِ فَشَـ?رِبُونَ شُرْبَ ?لْهِيمِ هَـ?ذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ?لدّينِ [المعارج:51-56] . وقال تعالى: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل:12، 13] ، وهو الشوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج. وقال جل وعلا: فَلَيْسَ لَهُ ?لْيَوْمَ هَـ?هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ?لْخَـ?طِئُونَ [الحاقة:35-37] . (والغسلين) : هو صديد أهل النار وهو شرابهم، وقال عز من قائل: وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد:15] ، وقال جل وعلا: لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [النبأ:24، 25] ، وقال تعالى: هَـ?ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْو?جٌ [ص:57، 58] ، وقال جل وعلا: وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ يَشْوِى ?لْوجُوهَ بِئْسَ ?لشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29] ، وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر، أن يسقيه من طِينة الخَبَال ) )قالوا: يا رسول الله ما طينة الخَبَال؟ قال: (( عَرَق أهل النار أو عُصارة أهل النار ) ).
وأعد الله لأهل النار ثيابًا فقال سبحانه: فَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ [الحج:19] ، كيف يقوى الإنسان على لبس ثياب صنعت من النار، وهو لا يطيق ملابسه العادية في حر الصيف. وقال تعالى: سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ [إبراهيم:50] .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة وعليها سِربال من قَطِران ودِرع من جَرَب ) ).
ثم إن تحية أهل النار عباد الله هو التلاعن كما قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] . فبدل السلام يتلاعنون، ويتكاذبون، ويكفِّرُ بعضهم بعضًا. فتقول الطائفة الأولى دخولًا للتي بعدها لا مرحبًا بكم، وهذا إخبار من الله جل وعلا بانقطاع المودة بينهم، وأن مودتهم في الدنيا تصير عداوة، كما قال في الآية الأخرى: ?لأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ?لْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] .
فتأمل حال أولئك التعساء، الذين كان بعضهم يملي لبعض في الضلال، كيف تناكروا، وتلاعنوا في جهنم، وأصبحوا يتقلبون في أنواع العذاب، ويعانون من جهنم ما لا تطيقه الجبال، وما يُفَتِّتْ ذِكْرُه الأكبادَ، يقتحمون إلى جهنم اقتحامًا، فلا تسأل عما يعانونه من ثقل السلاسل والأغلال، قال الله تعالى: إِذِ ?لأَغْلَـ?لُ فِى أَعْنَـ?قِهِمْ و?لسَّلَـ?سِلُ يُسْحَبُونَ فِى ?لْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ?لنَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:71، 72] ، وقال تعالى: وَجَعَلْنَا ?لاْغْلَـ?لَ فِى أَعْنَاقِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ [سبأ:33] ، وقال تعالى: ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاْسْلُكُوهُ [الحاقة:32] .
إن بين أيدينا يوم لا شك فيه ولا مراء، يقع فيه الفراق وتنفصم فيه العرى، فتدبره ـ يا عبد الله ـ أمرك قبل أن تُحضَر، قال الله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا [آل عمران:30] ، يا له من يوم يشيب فيه الولدان، وتسير فيه الجبال، وتظهر فيه الخفايا، وتنطق فيه الأعضاء، شاهدةٌ بالأعمال، فانتبه يا من قد وهى شبابه، وامتلأ بالأوزار كتابه.
أما بلغكم أن النار للكفار والعصاة أعدت، وإنها لَتَحْرِقُ كل من يلقى فيها قال الله تعالى: إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ [الملك:7، 8] ، وقال تعالى: إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَ?لْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَـ?لَةٌ صُفْرٌ [المرسلات:32، 33] .
يا غافلًا عن منايا ساقها القدرُ ماذا الذي بعد شيب الرأس تتنظرُ
عاين بقلبك إن العين غافلةٌ عن الحقيقة واعلم أنها سقرُ
سوداء تزفر من غيظٍ إذا سُعرت للظالمين فما تُبقي ولا تذر
لو لم يكن لك غير الموت موعظةٌ لكان فيه عن اللذات مزدجر
قال الله تعالى: لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] ، المِهاد هو الفراش، والغواشي هي الُّلحف. وقال عز وجل: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـ?فِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8] ، يروى أن رجلًا من سلف هذه الأمة كان إذا دخل المقابر نادى: يا أهل القبور بعد الرفاهية والنعيم، معالجة الأغلال في النار، وبعد القطن والكتَّان، لباس القَطِران، وبعد تلطف الخدم والحشم، ومعانقة الأزواج، مقارنة الشيطان في نار جهنم مقرنين في الأصفاد. ولما ماتت زوجة الفرزدق ودفنت وقف الفرزدق على قبرها وأنشد بحضور الحسن رحمه الله تعالى:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من القبر التهابًا وأضيقا
إذا جاء في يوم القيامة قائدٌ عنيفٌ وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القدادة أزرقا
يساق إلى نار الجحيم مسربلًا سرابيل من قطرانٍ لباسًا محرّقا
إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم يذوبون من حر الصديد تمزقا
فبكى الحسن رحمه الله تعالى.
النار ـ عافانا الله وإياكم ـ منها لها سبعة أبواب، كما أخبر الباري سبحانه وتعالى بذلك في قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ [الحجر:43، 44] . وقال تعالى: وَسِيقَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى? جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْو?بُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـ?تِ رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـ?ذَا قَالُواْ بَلَى? وَلَـ?كِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ?لْعَذَابِ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ قِيلَ ?دْخُلُواْ أَبْو?بَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ?لْمُتَكَبّرِينَ [الزمر:71، 72] .
وقد وصف الله الأبواب بأنها مُغلقة عليهم فقال تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ [الهمزة:8] . يعني مطبقة عليهم.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الكفار يحاولون الخروج من النار ولكنهم يرغمون على البقاء فيها قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ?لنَّارِ وَمَا هُم بِخَـ?رِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [المائدة:37] . وقال تعالى: كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا [الحج:22] ، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من الشدة وأليم العذاب، ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلا جهنم، ضربتهم الزبانية بمقامعِ الحديد فيردونهم إلى أسفلها. عندها يطلبون من المولى الخروج منها، فقال تعالى مخبرًا عما قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـ?لِمُونَ [المؤمنون:107] ، فيأتيهم الجواب: قَالَ ?خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون:108] ، وقال جل وعز: وَنَادَوْاْ ي?مَـ?لِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـ?كِثُونَ [الزخرف:77] ، وقال عز وجل: لاَ يُقْضَى? عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] .
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى بالموت كهيئة كبش أَمْلَح.. فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ) ).
وهذا مما يدل على عدم فناء النار، وبقاء أهلها فيها يتقلبون في أنواع العذاب لا راحة ولا نوم، ولا هدوء ولا قرار، بل من عذاب إلى آخر، ولكل واحد منهم حد معلوم، على قدر عصيانه وذنبه، وأن أقلهم لو عرضت عليه الدنيا بحذافيرها لافتدى بها من شدة ما هو فيه، فكيف بمن يُسحبون في النار على وجوههم ويقال لهم: ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ [القمر:48] ، وما أدراك ما سقر لا تُبقي ولا تذر، تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك. قال الله تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ?لنَّارِ يَقُولُونَ ي?لَيْتَنَا أَطَعْنَا ?للَّهَ وَأَطَعْنَا ?لرَّسُولاَ [الأحزاب:66] ، ينادُون في وقت لا ينفع فيه النداء، ينادُون إلهًا ضيعوا أوامره، وارتكبوا نواهيه، فيا لها من حسرة، ويا لها من ندامة لا تشبهها ندامة، ويا لها من خسارة لا تعادلها خسارة قُلْ إِنَّ ?لْخَـ?سِرِينَ ?لَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ?لْخُسْرَانُ ?لْمُبِينُ [الزمر:15] .
بارك الله لي ولكم..
أما بعد: عباد الله، اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن في النار أودية، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه ضعف قال: (( ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره ) )رواه الإمام أحمد والترمذي. ثم تأمل بعد ذلك في قعر جهنم وظلماتها وتفاوت دركاتها، فمما رواه مسلم في صحيحه من حديث خالد بن عمير قال خطب عُتْبة بن غزوان رضي الله عنه فقال: إنه ذُكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا والله لتملأنّ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا وَجْبَةً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتدرون ما هذا ) )، قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: (( هذا حجر رُمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن، حين انتهى إلى قعرها ) )رواه مسلم.
عباد الله، قال الله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ [فاطر:37] . وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى? إِذِ ?لْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَ?رْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12] ، وقال سبحانه: وَلَوْ تَرَى? إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ?لنَّارِ فَقَالُواْ ي?لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِئَايَـ?تِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] .
إن هذه الآيات لم تنزل علينا عبثًا وإنّا ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ لمحاسبون، فلا تُضيِّعوا أعماركم، وتَفَكَّروا ـ فو الله ـ لقد ذهب الكثير ولم يبقَ إلا القليل.
فيا ساهيًا في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنةٍ أو حرُ نارٍ تضرّم
وبالسنة الغراء كن متمسكًا هي العروة الوثقى التي ليس تفصم
تمسك بها مسك البخيل بماله من الله يوم العرض ماذا أجبتم
وخذ من تقى الرحمن أعظم جنّة ليوم به تبدو عيانًا جهنم
وينصبُ ذاك الجسر من فوق متنها فهاوٍ ومخدوش وناجٍ مسلم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فيه المهيمن يختم
فياليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم
أتأخذ باليمين كتابك أم تكن بالأخرى وراء الظهر منك تُسلّم
فبادر إذًا ما دام في العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم
وجد وسارع واغتنم زمن الصبا ففي زمن الإمكان تسعى وتغنم
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( ناركم هذه ـ التي يوقِد ابن آدم ـ، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم ) )، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: (( فإنها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهنّ مثل حَرِّها ) ).
إن الطريق الوحيد لتخليص الإنسان نفسه من النار هو الابتعاد عن الشهوات، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله: (( حُفَّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ) )وفي رواية للبخاري: (( حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره ) )وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها، وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر.
فقد روى غير واحد من أصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: (( لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحُفت بالمكاره فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد، وقال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات فقال: ارجع إليها، فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ) ).
لابد أن يكون في تصور كل واحد قرب النار منه كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري بقوله: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شِرَاك نعله، والنار مثل ذلك ) ).
ومعناه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون من أيسر الأشياء.
فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها. روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يُكلّمون في أربع منها، ويُسكت عنهم في الخامسة فلا يُكلّمون فيها. يقولون: رَبَّنَا أَمَتَّنَا ?ثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ?ثْنَتَيْنِ فَ?عْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى? خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ [غافر:11] ، فيرد عليهم: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ?للَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ [غافر:12] .
ثم يقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَ?رْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12] ، فيرد عليهم: وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـ?كِنْ حَقَّ ?لْقَوْلُ مِنْى لاَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنَ ?لْجِنَّةِ وَ?لنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـ?ذَا إِنَّا نَسِينَـ?كُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ?لْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:13، 14] .
ثم يقولون: رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ?لرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ [إبراهيم:44] .
ثم يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحًا غَيْرَ ?لَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] ، فيرد عليهم أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ?لنَّذِيرُ [فاطر:37] .
وأما الخامسة فيقولون: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـ?لِمُونَ [المؤمنون:106، 107] ، فيرد عليهم: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَ?غْفِرْ لَنَا وَ?رْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ?لرحِمِينَ فَ?تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى? أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:109، 110] .
قال: فلا يتكلمون بعد ذلك أبدًا.
اللهم رحمة..