فهرس الكتاب

الصفحة 4798 من 5777

زنا المحارم

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي, قضايا الأسرة

محمد بن أحمد شامي

جدة

مسجد أبي بكر الصديق

1-حفظ شريعتنا للأعراض وحمايتها. 2- التعريف بزنا المحارم. 3- نفرة النفوس السليمة من الزنا. 4- تعظيم الإسلام لجريمة زنا المحارم. 5- قصص مؤثرة عن زنا المحارم. 6- الوقاية من الوقوع في زنا المحارم.

أما بعد: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصه الله ورسوله فلا يضرنّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئا.

أيها المسلمون، قد جاء ديننا الإسلامي بحفظ الأعراض وحمايتها، وبسدّ كل باب يمكن أن تنفذ منه الشهوة بين المحارم، وأوجب ستر العورات بينهم، ولم يتوسع في القدر المعفوّ عن ستره بينهم حتى لا تقع العين على ما يهيج الجسد ويحرك الشهوة، فيضعف مع هيجانها رقابة الضمير، أو يتلاشى الحاجز النفسي تحت ضغط الشهوة، أو يضعف تحت وطأتها الملحة.

أيها الإخوة، إننا في هذا اللقاء لن نتكلم عن الزنا بعمومه، ولكن سيقتصر كلامنا عن زنا المحارم عافنا الله وإياكم. ونقصد بزنا المحارم زنا الأخ بأخته أو العمّ ببنت أخيه أو الخال بابنة أخته، وأعظم منه زنا الرجل بابنته التي من صلبه والله المستعان.

وإن كان الزنا في حد ذاته مستقبحا في النفوس والفطر، فإن الفطر السليمة تكاد تنكر وقوعه لو سمعوا به، وهذا دليل على أن الله فطر في النفوس قبحه والنفرة منه والابتعاد عنه، فقد جبلت النفوس على عدم الميل الجنسي بين المحارم، بل استعظام هذا واستقباحه، ومن شأن الرجل أن يحمي حريمه ويذود عنهم، فيكون ذلك أدعى أن لا يفكر في الاستمتاع بهنّ، وهو الذي يحميهن من أن يتعدَى عليهن، فلا يتصوّر أن يعتدي هو عليهم، بل لا يفعل ذلك إلا من خرج عن فطرته؛ ولذلك عظمت الشريعة عقوبة الزاني بمحارمه، فأشهرت في وجهه أعتى سلاح يمكن أن يصيب الإنسان، إنه القتل، فقال ابن حجر الهيتمي من فقهاء الشافعية في كتابه"الزواجر":"وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم"، وعن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله. رواه الخمسة.

وقد اتفق العلماء في أن المحصن إذا زنى فإن حكمه في الشرع هو الرجم، بل ذهب بعض العلماء إلى أن من زنى بمحرم من محارمه فيقتل، سواء أكان محصنا أم لا، تغليظا له في العقوبة، وإن كان جمهور الفقهاء على أن عقوبة زِنا المحارم هي عقوبة الزاني، فيجلد إن كان غير محصن، ويرجم إن كان محصنا؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه"الجواب الكافي":"قد اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني؟ على قولين، فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إلى أن حده حد الزاني، وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال"اهـ.

ونحن في هذا المقام لسنا في مقام تقرير الحدّ الشرعي فيمن زنى بامرأة من محارمه، وإنما في مقام الوقاية من ذلك الداء العضال. وإذا نظرنا إلى أصل المشكلة نجده يكمن في التساهل في النظر إلى العورات ونظر الشهوة المحرم، (( لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وعليك الثانية ) )، والخلوة المحرمة التي حظر منها النبي: (( لا يخلون رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما ) )، وسئل النبي عن الحمو الذي هو أخو الزوج فقال: (( الحمو الموت ) )، وما يحصل من سكنى أخي الزوج مع أخيه في نفس البيت وتساهل الناس في الحجاب الشرعي ودخوله وخروجه حتى عند عدم وجود الزوج وأيضا عدم السعي إلى إعفاف الابن أو البنت عن طريق الزواج الشرعي والصعوبات التي تقابل كلا الجنسين الرجل أو المرأة والتي أولها المهر وتاليها التقليد لما عليه الناس من الإسراف والإفراط، وقد شكا لي البعض من تحرش أحد أقاربه اللصيقين جدا بأخته، وشكت امرأة من محاولة تحرش أخيها بابنتها نسأل الله العافية.

وإليكم في بادئ الأمر بعضا من القصص الواقعية التي وقعت وليست من نسج الخيال، قصص مؤثرة عن زنا المحارم:

القصة الأولى: وقفت تلك الفتاة ذات السابعة عشر من عمرها وبجوارها أمّها، وقد نزل عليها خبر حمل الفتاة كالصاعقة، لم تتوقّع الأم أبدا أن ابنتها العذراء والتي لا تخرج من البيت إلا قليلا ولا تختلط بأحد أن تحمل سفاحا. أمام انهيار الأم المسكينة حاولت معرفة من اقترف هذا الفعل الأثيم مع هذه الفتاة؛ حتى تستطيع الأسرة إدراك الخطأ وعلاجه، خاصة أن الحمل قد تجاوز الأشهر الستة، ولكن الفتاة أصرت على الإنكار وادعاء أنها لا تعرف كيف حدث هذا في بلاهة مستفزة. انصرفت الأم وابنتها التي ما لبثت إلا أن عادت لتهمس في أذني بخبر سقط عليّ أنا هذه المرة كالصاعقة، أخبرتني بأن صاحب هذه الفعلة هو خالها الذي يكبرها بخمسة أعوام، إنه الخال الذي كانت تخرج الأم وتغيب عن البيت وهي مطمئنّة أنّ الابنة في أمان معه، وقالت الفتاة: إن خالها قد اعتاد على ملامستها منذ عام، ولكن لماذا لم تقاوم الفتاة؟ ولماذا لم تخبر أحدا؟

القصة الثانية: قالت: كنت في سن المراهقة، اعتدت على ممارسة الجنس مع أخي الذي يكبرني مباشرة، واستمررنا في ذلك حتى سنّ الجامعة، ثم انتبه كلّ منا إلى خطورة ما يحدث فتوقّفنا، وتزوّج أخي وتزوجت، ولكن كانت دائما تلك المشاهد تعود أمام عيني بمجرد أن يبدأ زوجي معاشرتي، فتصيبني بالقرف والنفور، أي: النفور من زوجها.

القصة الثالثة وهي لعلها تكون أفظع من سابقاتها: دخلت الفتاة ذات الخمسة عشر عاما إلى عيادة إحدى الطبيبات بصحبة خالتها التي طلبت من الطبيبة مباشرة توقيع الكشف الطبي عليها للاطمئنان على عذريتها، وعندما سألتها الطبيبة عن السبب وضعت يدها على وجهها، ونظرت إلى الأرض، وقالت:"إن والد الفتاة ووالدتها في شجار مستمر، تركت الوالدة على إثره منزل الزوجية، وأخذت معها الطفلين الصغيرين، وظلت هذه الفتاة وحدها مع الأب، كانت هذه المسكينة تتّصل بالأم دائما، وتطلب منها سرعة العودة، والأم ترفض بحجة أن الأمر لا يعدو كونه محاولة من الزوج لإجبارها على العودة، وذات يوم أخذت الفتاة تبكي بشدة، وتستعطف الأم بسرعة العودة قائلة: أنت لا تعرفين ما يحدث لي، والأم في لامبالاة حتى تدخلت أنا، وأخذت التليفون من الأم، وسألت الفتاة: ماذا يحدث؟ ولماذا كل هذا البكاء؟ فهذه ليست أول مرة تترك الأم المنزل بالشهور! ولكن الفتاة أغلقت التليفون بسرعة، وأضافت الخالة:"بعد يأسي من لامبالاة أختي تجاه دموع ابنتها ذهبت إلى الفتاة التي ارتمت في حضني، واشتكت لي مما يفعله أبوها معها عندما يعود مساء، وأنها أصبحت لا تستطيع المقاومة أكثر من ذلك". قامت الطبيبة بالكشف على الفتاة، وبفضل الله وجدت أنها ما زالت عذراء، فنصحت خالتها بجعل أمها تحتضنها، ولا تتركها لهذا الأب المتوحش."

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

وبعد: عباد الله، فأخوة الإسلام التي عبر عنها القرآن بقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، والولاية بين المسلمين فيما بينهم رجالا ونساء وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ تجعل حرص المسلم على أخته المسلمة من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله، بل تدفع المسلم إن رأى مسلما ومسلمة تعدّيا حدود الله أن يقوم بواجب النصح لهما، امتثالا لقول النبي: (( الدين النصيحة ) )، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (( لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) )، كما يعد الوازع الديني ورقابة الضمير وتحقيق مقام المراقبة أنجح قانون وأنجع وسيلة لعدم التعدي على الحرمات، بل نعدها من إعجاز القرآن التشريعي أن ينضبط سلوك الناس دون القانون الذي يضع العقاب، فالخوف من الله تعالى وشؤم المعصية ومخافة الحساب والوقوف على الصراط ورد المظالم وغيرها من القيم الإيجابية في الدين تجعل المرء يخاف أن يتعدى حدود الله، بل أولئك هم الظالمون.

أما فيما يخص الوقاية من زنا المحارم فقد وضع الإسلام التدابير الوقائية التي تحمي المجتمع من الاقتراب منه، وتحول بينهم وبين الوقوع فيه. إننا عند طرحنا لهذا الموضوع المؤلم والذي يزعج الكثيرين ليس مقصودنا منه التسلية، ولكن مقصودنا أن نقف على الجرح، حتى نتمكن من الوقاية منه وعلاجه إن وقع. فمن الإجراءات الوقائية:

1-مراقبة الأبناء وعدم الغفلة عنهم عند التجمعات الأسرية بين الأقارب. نعم أيها الإخوة، إن كثيرا من العادات السيئة يكتسبها الأبناء من احتكاكهم بأقاربهم، وربما يكون بينهم فاسد فيفسد باقي الأبناء، أو يستغل جهل بعضهم أو خوفه منه أو سذاجته، فيفعل بهم الأفاعيل والأهل عنه غافلون أو متساهلون. سلوا ـ أيها الإخوة ـ بعض الأبناء: كيف تعلمت ذلك؟ لربما أجابك من قريبه الفلاني.

2-الاستئذان قبل الدخول ومراعاة الخصوصيات في الغرف المغلقة، ولقد بلغت الحيطة مداها، فاحتاط الإسلام من وقوع النظر على العورات ولو خطأ، ففي موطأ مالك عن عطاء أن رجلا سأل رسول الله فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: (( نعم ) )، فقال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله: (( استأذن عليها ) )، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله: (( استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟! ) )قال: لا، قال: (( فاستأذن عليها ) ). فانظر إلى تعليل وجوب الاستئذان، وهو الخوف من احتمال رؤية أمه عريانة.

3-التفريق بين الأولاد والبنات في المضاجع لِما جاء من الأمر بالتفريق بين الأبناء في المضاجع: (( وفرقوا بينهم في المضاجع ) )رواه أحمد وأبو داود وصححه الشيخ الألباني. قال العلامة الحنفي ابن عابدين:"إذا بلغ الصبي عشرا لا ينام مع أمه وأخته وامرأةٍ... ـ إلى أن قال: ـ فالمراد التفريق بينهما عند النوم خوفا من الوقوع في المحذور، فإن الولد إذا بلغ عشرا عقل الجماع، ولا ديانة له ترده، فربما وقع على أخته أو أمه، فإن النوم وقت راحة مهيج للشهوة، وترتفع فيه الثياب عن العورة من الفريقين، فيؤدّي إلى المحظور وإلى المضاجعة المحرمة، خصوصا في أبناء هذا الزمان، فإنهم يعرفون الفسق أكثر من الكبار"انتهى.

يقول أحد الشباب بعد أن سمع أحد المشايخ يتكلم عن ضرورة التفريق بين الأبناء في المضاجع، قال:"عندما كنت صغيرا وكنا ننام أنا وإخوتي معا كان شيء يشغل بالي وهو: ما الفرق بيني وبين أختي؟ ولماذا هي بنت وأنا ولد؟ وعندما سمعت كلام الشيخ عرفت أهمية التفريق بين الأبناء في المضاجع". أيها الإخوة، هذا مع ما تعجّ به القنوات من إفساد تلك الفطر السليمة.

4-عدم ظهور الأم أو البنات بملابس كاشفة أو خليعة تظهر مفاتن الجسد أمام المحارم الذكور، والعكس بعدم تبسط الذكور أمام محارمهم من الإناث. قال العلامة الدردير من فقهاء المالكية فيما يجوز كشفه بين المحارم حيث عرض لقول قبله:"فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ـ أي: على المحرم ـ كَشْفُ صَدْرِهَا":"وأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ رُؤْيَةَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَذَلِكَ فُسْحَةٌ"، أي: أن الحاجة ربما اقتضت أن ترضع الأم أو الأخت وليدها أمام محرمها لضيق المكان أو نحو ذلك.

5-التزام قدر معقول من التعامل المحترم بعيدا عن الابتذال والتساهل بين أفراد الأسرة، يجب تجنب المداعبات الجسدية بين الذكور والإناث في الأسرة، والتي تأخذ شكلا من أشكال المزاح.

6-عدم نوم الأبناء أو البنات في أحضان أمهاتهم أو آبائهن خاصة بعد البلوغ: أوجب الإسلام على الأطفال المميزين أن يستأذنوا في الدخول على آبائهم وأمهاتهم في الأوقات التي يتصوّر أن يتمّ فيها الاتصال الجنسي عادة بين الزوجين، والتي يحبّ أن يجلس فيها الإنسان متخفّفا من ثيابه، كاشفا بعض ما لا يظهر منه أمام أبنائه، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58] ؛ وذلك حتى لا يقع بصر الطفل على صورة ترتسم في ذهنه، بحيث يستدعيها من ذاكرته حينما يمكنه التفكير فيما لم يكن يفكر فيه وهو صغير، إذ إن رؤية الصور الجنسية تطبع صورة ذهنية، بل هياجا حين يتكرر النظر، ويدفع للإثم إن حانت له فرصة في حال ضعف. ولا غرو أن ذهب بعض الفقهاء إلى منع الأبوين من ترك الطفل بينهما أثناء الاتّصال الجنسي، حتى لا تعلق تلك الصور الجنسية في ذهنه منذ الصغر، فتؤثر في سلوكه في الكبر، بل بلغ التحوّط منتهاه عند ابن عابدين حينما قال:"ويفرق بين الصبيان في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين، ويحول بين ذكور الصبيان والنسوان وبين الصبيان والرجال، فإن ذلك داعية إلى الفتنة ولو بعد حين". فأين هذا من أسرة مستهترة تتحلق جميعا لمشاهدة ممارسات جنسية فاضحة باسم مشاهدة الفن؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت