فهرس الكتاب

الصفحة 4469 من 5777

صيانة المساجد والاهتمام بها

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

المساجد, فضائل الأعمال

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

1-المال عارية مؤداة. 2- دعوة للبذل في سبيل الله. 3- لا تحقرن من المعروف شيئًا. 4- حال السلف مع الإنفاق في وجوه الخير. 5- الصدقة الحاضرة خير من الوصية الآجلة. 6- كيف نساهم في عمارة المساجد الحسية؟

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله جل وعلا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:18-20] .

أيها المسلمون، مما تقرّر في ذهن كل عاقل لبيب أنّ المال عَارِيّة مُؤدّاة ودَين مردود، يملكه الإنسان حينًا من الدهر قد يطول أو يقصر، ثم ما يلبث أن يرده إلى مالكه الحقيقي، ويعيده إلى واهبه الغني. فمُلك الإنسان للمال ناقص وليس بكامل، وبقاؤه في يده محدود وليس بدائم، ذلك أنه إما أن تصيب المال آفة مهلكة فتذهب به وتفنيه، وتبقى لصاحبه حسرته، وإما أن تكون الآفة أعجل إلى صاحبه وأسرع، فيذهب ويتركه لورثته يتمتعون به، ويتلذّذون بأكله، لهم غُنْمُه وعليه غُرْمُه، هم يذوقون حلاوته ولذّته، وهو يواجه السؤال عنه والحساب عليه.

وإذا كان الأمر كذلك ـ أيها الإخوة ـ فإن أضعف الناس عقلًا وأفسدهم رأيًا من يتمسّك بما يعلم أنه مُتَفَلِّت منه ولا محالة، يجمع المال ولا يفرّقه، ويدخل الدرهم ولا يخرجه، ويسجن الدينار ولا يطلقه، المصارف ملأى من دراهمه، والمخازن مُتْرَعَة من دنانيره، ريقه ناشف ونفسه طامعة، وعمره ذاهب وأجله مقترب، ولم يقدم لنفسه ما يرجو عند الله ثوابه، ولم يحتسب عنده ما يبقى له ذُخْرًا ويُعْظِم الله له به أجرًا. كم من إنسان يملك من المال ما لو أنفق منه طول عمره لكفاه وزاد، ومع هذا فهو يلهث ويطلب المزيد، وآخر يملك ما لو قُسم على عصبة من القوم لوسعهم، ومع ذلك لم يفكر في يوم من الأيام أن يقيم مشروع خير أو يبني لله مسجدًا، ولم يخطر بباله في ساعة ما أن يشارك في دعم دعوة أو إغاثة ملهوف، أو يسعى في تفريج كربة مكروب أو سد خلّة محتاج.

أيها المسلمون، امرأة سوداء ضعيفة في عهد رسول الله لا يُؤْبَه لها ولا يُهتَم لأمرها، لدرجة أنها لما ماتت وفارقت الحياة صلى عليها جمع من الصحابة ودفنوها ولم يخبروا الرسول بأمرها، فلما افتقدها الحبيب عليه الصلاة والسلام سأل عنها اهتمامًا بها وإكبارًا لشأنها، فأخبره الصحابة بما كان منهم تجاهها، فقال عليه الصلاة والسلام: (( دلوني على قبرها ) )، ثم أتى قبرها حتى وقف عليه، ثم صلى عليها.

الله أكبر! امرأة سوداء ضعيفة قليلة الشأن عند أهل ذاك الزمان يسأل عنها أفضل الورى وخير من وطئ الثرى، ثم يذهب حتى يقف على قبرها ويصلي عليها، وهو الذي صلاته سكن ورحمة. ماذا فعلت هذه المرأة يا تُرَى؟! وماذا الذي حصل منها؟! وماذا صنعت؟! أي شيء قدمت لخدمة دينها؟! وبأي شيء بلغت ما بلغت عند نبيها؟! أَجَهَّزَت جيشًا أو حاربت عدوًا؟! لا والله، أبنت مسجدًا أو حفرت بئرًا؟! لا وربي، أكفلت يتيمًا أو آوت محتاجًا؟! كلا، فماذا فعلت إذًا؟ لا أشك أن كثيرًا منكم ـ يا عباد الله ـ يعلم أنها إنما كانت تَقُمّ المسجد، نعم أيها الإخوة، كانت تَقُمّ المسجد وتنظّفه، وتحمل عنه القَذَى وتُجَمّله. هذا هو قُصَارَى جهدها ومبلغ قوتها، اتقت الله ما استطاعت، وبذلت ما في وسعها، وأدّت ما أمكنها، وبذلت وقتها وعنايتها لبيت ربها طلبًا لمرضاته وابتغاء وجهه، فكان ما كان من صلاة نبي الله عليها ورحمة الله لها.

فأين من ذلك رجال اليوم؟! أين من ذلك الأغنياء الذين بدلًا من أن ينفقوا المال في بناء المساجد وعمارتها بخلوا به حتى عن متابعتها وصيانتها؟! يمر أحدهم بالمسجد والمسلمون لا يجدون ماءً يتوضؤون به فلا يحرك ذلك منه ساكنًا، ويحضر خطبة لا يفهم شيئًا منها لضعف مكبّرات الصوت فلا يفكر في أن يغيرها أو يساهم في تغييرها، يرى مكيفًا متعطّلًا فلا يسعى لإصلاحه، أو مصباحًا قد انطفأ فلا يفكّر باستبداله، أو فُرُشًا قد بليت وتقطعت فلا يخطر بباله أن يعوّض بها خيرًا منها. ألا فلا نامت أعين مدّت لزهرة الحياة الدنيا وفتنتها، ولا سكنت قلوب ترجف خوفًا على المال أن لا تنفقه في سبيل الله.

أيها المسلمون، لقد كان صحابة رسول الله ورضي عنهم ومن بعدهم من سلفنا الصالح رحمهم الله كانوا حريصين على بذل أموالهم في سبل الخير عامة، ولم يكونوا على شيء أحرص منهم على أن يقدموا لأنفسهم ما يكون فيه نجاتهم وفوزهم في أخراهم، ولذا فقد ضربوا أروع الأمثلة وأعلاها في الإنفاق والبذل وتفريق المال في وجوه الخير وأنواع البر، أنفق أبو بكر ماله كله في سبيل الله، وبذل عمر نصف ماله ابتغاء مرضاة الله مسابقة في الطاعات ومسارعة إلى الخيرات، وعبد الرحمن بن عوف ـ وكان من أثرياء الصحابة ـ بذل في جيش العُسْرَة مالًا كثيرًا، أما عثمان ـ وما أدراك من عثمان؟! ـ فهو الذي أنفق وأنفق وأنفق، وبذل وأعطى وتصدق، ووزّع المال في وجوه الخير وفرّق، اشترى بئر رُومَة بعين في الجنة وعده بها رسول الله، ثم سَبَّلَها للمسلمين يشربون منها ويرتوون، وجهّز جيش العُسْرَة بألف دينار وألف بعير وسبعين فرسًا، حتى قال رسول الله: (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) )، بل حتى فقراء الصحابة بذلوا جهدهم ونصحوا لله ولرسوله، حتى كان بعضهم لا يجد إلا صاعًا أو نصف صاع فيتصدق به.

فيا لله، ما أهون الدنيا عندهم وما أغلاها عندنا! لقد عرفوا حقيقتها وعلموا كُنْهَها، فجعلوها مَطِيّة لهم للآخرة، وجهلنا نحن خطرها وتجاهلنا شرها، فعبدناها وتطاحنّا عليها. الأخ يهجر من أجلها أخاه، والقريب يصرم فيها قريبه، مرافعات في المحاكم ومخاصمات، وأيمان كاذبة وفجور، وإغداق على المحامين وبذل للأموال لشهود الزور، ثم نبخل بعد ذلك على بيوت الله بل على أنفسنا، وتمر على أحدنا السنوات والأعوام وهو غارق في دنياه غائص في أمواله، لم يفكر يومًا في بناء مسجد أو عمارته، أو إصلاح آخر وصيانته، بل إذا حُدِّث في ذلك عَبَسَ وتولّى، ثم صَعَّرَ خدَّه ومضى، أو أعطى قليلًا وأَكْدَى، يجمع المال ويعدّده، يحسب أنه سيخلّده، وما درى أنه ليس له منه إلا ما على ظهره أو في بطنه، أو ما قدّمه أمامه عند ربه، في الحديث عنه أنه قال: (( يقول ابن آدم: مالي مالي! قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟! ) )رواه مسلم، وعن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي: (( ما بقي منها؟ ) )قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: (( بقي كلها غير كتفها ) ). الله أكبر يا عباد الله! ما أبعد الفرق بين من يرى أنه إذا تصدق أبقى ونما ماله، وبين من يرى أنه إذا أنفق أبلى وأفنى ونقص ماله.

أيها المسلمون، كثيرًا ما يلجأ أصحاب الأموال قَلَّت أو كثرت إلى الوصية ببعض المال من بعد موتهم، مؤمّلين فيمن وراءهم من أولاد أو أقارب أو أوصياء، لعلهم ينفذون هذه الوصايا ويتابعونها، وينمون هذه الأموال ويستمرون في البذل منها، إما في أضحية أو ما شابه ذلك، وقد ثبت أن هذه الوصايا لا تنفذ غالبًا على الوجه المطلوب، وقد يؤخر تنفيذها سنوات عديدة وأزمنة مديدة، بل قد تنقطع بعد جيل أو جيلين ولا يبقى لها أي أثر، وهذا هو مصيرها طال الزمان أم قصر، ولذا فقد أرشدنا الحبيب عليه الصلاة والسلام إلى أن نتصدق من أموالنا ونحن أحياء أغنياء أقوياء في الحال التي نخشى فيها الفقر ونأمل الغنى، فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (( أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان ) ). ويُحكَى أن رجلًا جاء إلى أحد العلماء فقال: أريد أن أوصي من مالي بعد موتي، فأراد الشيخ أن يعلمه درسًا من واقع الحياة المشاهد، يقرره به إلى أن التصدق في حال الصحة والحياة وتقديم الخير أمام العبد أولى وأفضل منه بعد أن يكون قد غادر الدنيا، وأصبحت لا تساوي عنده جناح بعوضة، فقال له رحمه الله: أيهما أقوى: أضواء السيارة الأمامية أم الخلفية؟ فقال الرجل: بل الأمامية، فقال الشيخ رحمه الله: فكذلك الصدقة التي أمامك فهي أفضل من التي خلفك.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96] .

أما بعد: فاتقوا الله تعالى حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته.

أيها الإخوة، إن مما يضعف العزائم عن البذل في بناء المساجد وصيانتها ما يفكر به كثير منا وهو خطأ ولا شك إذ يعتقد أن ذلك من مهمة التجار والأغنياء، ولا يستطيعه إلا أصحاب الملايين ورؤوس الأموال الذين لو أنفق أحدهم مليونًا أو أكثر ما نقصت من ماله إلا كما ينقص من مال أحدنا لو أنفق ألفًا أو عشرة آلاف. وإن هذا الاتجاه وإن كان صحيحًا بالمنظار الاقتصادي الدنيوي البحت، فإنه ليس بشيء في ميزان طالبي الآخرة المشمرين لدخول جنة عرضها السماوات والأرض، فكم (( سبق درهم مائة ألف درهم ) )حسب نية صاحبه وإخلاصه وحاجته إليه وحبه له.

ألا فليعلم كل مسلم يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه أنه مطلوب منه أن يقدم لدينه وأمته، بل يقدم لنفسه هو ما دام في زمن المهلة قبل النقلة، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] ، (( من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير ) )الحديث، قال ابن عبد البر رحمه الله:"وإنما أراد ـ والله أعلم ـ أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر؛ لأن الاثنين أقل الجمع".

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يصعد إلى الله إلا الطيب ـ فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل ) )رواه البخاري، وعن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله في صدر النهار، فجاءه قوم حُفَاة عُرَاة مُجْتَابِي النِّمَار أو العَبَاء مُتقلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر بل كلهم من مُضَر، فتَمَعَّرَ وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذّن وأقام فصلى ثم خطب، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، والآية التي في الحشر: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ، (( تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره ) )، حتى قال: (( ولو بشقّ تمرة ) )الحديث رواه مسلم.

إنها توجيهات نبوية كريمة، يحث فيها النبي أمته على الإنفاق كل بحسب قدرته وَجِدَته، لم يأمر التجار وحدهم، ولم يقصر الاستحباب عليهم دون الفقراء، بل ذكر أقل القليل وهو شقّ التمرة، وماذا يساوي شق التمرة لو قورن بثمنه اليوم، إنه لا يساوي جزءًا من مائة جزء من هللة، فضلا عن أن يساوي ريالًا أو أكثر، أفبعد هذا يستقل مسلم شيئًا أو يحتقره، أو يرى أن الصدقة والإنفاق أمر خاص بأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة؟! لا والله، ما بعد هذا الحديث من عذر لغني أو فقير يتعذر به عن أن ينفق ويقدم لنفسه، واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:8] لتعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيب رجاء من أنفق قليلًا أو زهيدًا، فله سبحانه الحمد على ما وهب وأعطى، وله الحمد على التوفيق لكل خير، وله الحمد على قبول العمل وتزكيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت