الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب, الجن والشياطين
فيصل بن محمد العواسي
جدة
مسجد بحلس
1-لكل داء دواء. 2- وسائل علاج مرض الوسواس.
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، تحدثنا في الجمعة الماضية كما تذكرون عن الوسواس، عن تعريفه وأسبابه وأنواعه، ونتحدث في هذه الجمعة المباركة بعون الله وتوفيقه عن الجانب المهمّ في هذا الموضوع ألا وهو علاج الوسواس، وهو بيت القصيد.
أيها الإخوة الكرام، الوسواس مرض وداء، وفي الحديث: (( ما أنزل الله من داء إلا وله دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله ) ).
فيا من ابتلِيت بهذا الداء، عليك أن تكون شجاعا في مواجهة هذا الداء المستطير ومعالجته، وذلك من خلال الوسائل التالية:
أولا: اعلم أنّ الوسواس مرض يجب علاجه والتخلص منه؛ لأن الإنسان إذا لم يقتنع أنه مصاب بالمرض فِعلا فإنه لن يسعَى للعلاج، بل إنه قد يرمي ويتّهم غيره بأنهم مقصّرون ومفرِّطون لا يهتمّون بأي ماء توضؤوا ولا بأيّ مكان صلَّوا ولا بأي نية عمِلوا، وأنهم متساهلون في أمر العبادات، ولا شك أنّ العكس هو الصحيح، ودليل ذلك أن النبي توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: (( هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم ) ). إذًا الموسوس متعدّي، والله لا يحبّ المعتدين، سواء في العبادات أو في غيرها.
إذا اقتنع الموسوس بأنه مريض وبحاجة لأن يسعى للخلاص مما أصابه فإنه بذلك قد قطع مرحلة من العلاج مهمّة، ثم الأمر الثاني في علاج هذا الداء أن يعرف المبتلى أن الله عز وجل قال عن كيد الشيطان: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 17] . لاحظ أنّ الشيطان ـ لعنه الله ـ أخذ على نفسه عهدا بإضلال المسلم، وأن يقف له من جميع الجهات؛ من الأمام ومن الخلف ومن اليمين ومن الشمال، إلا جهة واحدة ما ذكرها، ما قال: مِن فوقهم؛ لأن الشيطان لا يستطيع أن يحول بينهم وبين الله عز وجل وبينهم وبين رحمة الله ودعائه والتضرّع إليه، ترفع الدعوات إلى الله سبحانه وبحمده تخترِق السماوات السبع حتى تصل إليه جلّ في علاه، فيستحي الكريم سبحانه أن يردّ صاحبها صفر اليدين، فالمبتلى بالوسواس أو بأيّ داء غيره إذا سأل الله بصدق وإقبال وإخلاص فإنّ الله عز وجل لا يردّ مَن قرع بابه بصدق، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: 62] .
إذا عُلِم ذلك ـ أيها الكرام ـ فليَعلم الموسوس أنّ ما هو فيه إنما هو من كيد الشيطان، ذُكر أن أحد علماء التابعين وهو الإمام أبو حازم دخل المسجد يوما ليصلّي، فجاءه الشيطان ليوسوس له وقال: ربما أنك تصلّي من غير وضوء، فماذا قال الإمام أبو حازم؟ هل قال له: أحسنت، أو شك في وضوئه، أو استجاب للوسواس؟ لا، بل قال للشيطان: ما بلغ بك النصح إلى هذا، ثم مضى في صلاته ولم يلتفت للوساوس.
أيها الأحبة في الله، أما الأمر الثالث لعلاج الوسواس فهو الاقتداء بالنبي الذي جعله الله أسوة وقدوة للمؤمنين الذين يتمنّون أن يرِدوا حوضه يوم القيامة وأن يحشروا تحت لوائه وفي زمرته ويرغبون أن تشملهم شفاعته يوم الدين، فكيف كان هدي النبي في العبادات؟
انظر إلى هدي النبي في قضايا العقائد والإيمانيات، بيّن لهم الدين سهلا يسيرا لا تعقيد فيه ولا إشكال، وحين جاء الصحابة يشتَكون إليه ما يجدون من وسوسة الشيطان لهم في إيمانهم بالله قال لهم كما في صحيح مسلم: (( أوَجدتموه؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( ذاك صريح الإيمان، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة ) ). فبيّن لهم أن ما أصابهم هو بسبب إيمانهم؛ لأن الشيطان إنما يوسوس في القلب الذي فيه إيمان، واللّصّ لا يسطو على البيت الخرب، وإنما يسطو على البيت المليء بالحليّ والذهب.
ثم أرشدهم النبي إلى خطوة أخرى لمكافحة هذا الوسواس كما في حديث آخر: (( فليستعذ بالله، ولينتهِ ) )، وقال لهم: (( لا يزال الشيطان يسألكم: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فليقل المسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ). وأمر من يجد هذه الوسوسة بقراءة قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .
إذًا فالقضية سهلة وميسّرة، فعليك أن تغفل عن هذا الأمر، لا تعطِه اهتماما، تحصّن بالأدعية والأذكار، ولا تلتفت لهذا الأمر، فإنّ كثرة تفكيرك فيه وحرصك الشديد المبالغ فيه يجعل الأمر يزيد وينتشر في عقلك وقلبك، فإنّ الشيطان مثل الكلب؛ إذا التفتّ إليه ودافعته فإنه ينبَح ويركض وراءك، وإذا أعرضت عنه نبح مرة أو مرتين ثم ذهب وتركك.
أيها المسلم المبارك، تأمل بعد ذلك هدي النبي في انتقاض الوضوء الذي يبتَلَى به كثير من الموسوسين، يشك الواحد منهم هل خرج منه شيء فيعيد الوضوء مرات ومرات أو ربما قطع صلاته لمجرّد شكوك وأوهام لا صحّة لها وذهب لإعادة الوضوء، في الصحيحين: شكا رجل إلى النبي أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (( لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) ). إذًا ـ يا عباد الله ـ الطهارة هي الأصل، والحدث طارئ عليها مشكوك فيه، فلا يقطع صلاتَه إلا بيقين وقطع، ولا ينبغي أن يشغل نفسه بالتفكير هل خرج منه شيء أم لا، لكن إذا علم بذلك بصوت أو ريح فحينئذ يعيد الوضوء.
ثم تأمل ـ أيها المسلم رعاك الله ـ تأمل في هديه في الصلاة، لم يكن يجهر بالنية ولا يعيد تكبيرة الإحرام ولا يعيد قراءة الفاتحة مرارا وتكرارا ولا يتنطّع في صلاته كما يفعل كثير من الموسوسين، بل كانت صلاته في غاية الخضوع والخشوع والطمأنينة، وكذلك هديه في سائر العبادات. فعليك ـ أيها المسلم المبارك ـ أن تدرك وتعلم أن هذا هو هديه، فلا يسعك إلا الاتباع، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31] .
أيها الأحبة في الله، ومن وسائل علاج الوسواس العِلم، حيث إن من أسباب الوسواس الجهل بأمور الشريعة، إذًا فدفعه يكون بالعلم، العلم الصحيح بالعقائد والإيمانيات الذي يدفع كيد الشيطان ووساوسه، وكذلك العلم الصحيح بالأحكام الشرعيّة الفقهية، وخاصة أبواب المياه والطهارات والوضوء والغسل وغيرها؛ ليعبد المسلم ربه على بصيرة، ولا يقبل كيد الشيطان، ولا يتعلق ببعض الأقوال الفقهيّة الضعيفة التي ربما يجد فيها بعض الموسوسين مستمسكا لهم.
نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يشفي مرضانا، وأن يرفع الضر عن مبتلانا، وأن يحفظنا بحفظه ويكلأنا برعايته، وأن يستخدمنا في طاعته، هو ولي ذلك والقادر عليه.
وأقول ما تسمعون، وأستغفر الله...
معاشر المؤمنين، ونختم حديثنا عن موضوع الوسواس وعلاجه بذكر وسيلة من أهمّ الوسائل المعينة على دفع الوسوسة بحول الله وقوته، وهي أن يكون لدى الإنسان عزيمة وإرادة على دفع الوسواس، وهذا السبب إذا فقِد ربما لا تنفع معظم الوسائل السابقة الذكر، يحتاج لأن يكون لدَيه قوة عزيمة، فيقول للشيطان: رغم أنفك، كما علمنا ذلك رسول الله ، ففي الحديث الصحيح: (( إذا جاء الشيطان لأحدكم في صلاته فقال له: إنك أحدثت فليقل له: كذبت ) ). بعض الموسوسين يقول للشيطان ذلك، فيردد بصوت مسموع: كذبت كذبت، لكنه للأسف يقول: كذبت ثم يذهب ليعيد الوضوء، فلا ينفعه ذلك.
يحتاج من ابتُلي بالوسواس لأن يمتلك قوة في عزيمته وقوة في إرادته تجعله لا يلتفت لتلك الوساوس، بل يصلّي صلاة معتدلة، وقبل ذلك يتوضأ وضوءا معتدلا، لا يعيد الوضوء، ولا يعيد الصلاة مهما أصابه من الهمّ والضيق، وليستمرّ على ذلك مصرّا على دحض الكيد الشيطانيّ، مستعينا بربه جل في علاه، فإنه سينجح ولا بد، وسيتخلّص من ذلك الداء والبلاء، وهذا أمر واقع ومحسوس. حاول وجرّب أن تترك جميع ما أنت فيه من الشكوك والأوهام والتكرار، وافعل كما يفعل غيرك ممن يلتزمون بسنة النبي ، ولا تتكلّف، ولا تتنطّع، وستجد أنك خلال أيام قليلة تخلّصت من تلك الوساوس بفضل الله، جرِّب، تحرّك، ابدأ خطوة للأمَام، جاهد نفسك، سيهديك الله لذلك الأمر، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] .
فاتقوا الله تعالى في أنفسكم، واعلموا أن أحدكم لو عاش عمر نوح عليه السلام ألف سنة وهو يبحث عن حديث واحد صحيح أو ضعيف أو حتى موضوع فيه أن النبي شكّ في وضوء فأعاده أو شكّ في صلاة فأعادها أو وسوس في أمر العبادات لم يجد ذلك، بل ولا حتى في صحابته الكرام.
فيا عباد الله، الحجة قائمة، والدين محفوظ، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها.
حمانا الله جميعا من كيد الشيطان ووساوسه، وثبتنا بالقول الثابت، وبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، ورزقنا قوة التوكل عليه وحسن الإنابة إليه، هو ولي ذلك والقادر عليه...